إن ما نسمعه ونشاهده عبر الفضائيات المختلفة يجعلنا نقول : إن الربيع العربي الذي قيل بأنه جاء لانتشال البلاد والعباد ، من ظلم وحكم الطغاة أصبح حكم الطغاة ، رحمة وبرداً وسلاماً عليهم أكثر من هاء أولاء ، المتعطشين إلى الدماء فكثـــــرت المآسي والآلام ، فكيف الخلاص من هذا الواقع الأليم ؟ الذي أصبحت فيه أمتنا في ذيل الأمم ، يتحكم بها ويستأسد عليها أعداؤها ؟ يكون الخلاص في تمسك الأمة بدينها ، والالتزام بكل شرائعه وأوامره ، وأن تفيق من غفلتها وتصحو من نومها ، وأن تعرف صديقها من عدوها ، فكم قلنا بهذا ، وقاله غيرُنا ، لقد أسمعت لو ناديت حيا ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، ورغم أن المتحكمين ، يرون قوى الشر والحقد ، من فرس وصهاينة وأتباعهم ، من أنظمة الهوان ، يتحكمون بمقدرات الأمة من المحيط إلى الخليج ، وما زالوا ساهون ولاهون ، أعجبني الشاعر إبراهيم اليازجي وهو يحذّر العرب قائلاً :
تنبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ
فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُم وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَاتِ القَنَـا سُلَـبُ
اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا المَنَـامُ فَقَـدْ شَكَاكُمُ المَهْدُ واشتاقتـكُمُ التُّـرَبُ
كَمْ تُظْلَمُونَ ولَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ
أَلِفْتُمُ الْهَوْنَ حَتَّى صَارَ عِنْدَكُمُ طَبْعَاً وَبَعْـضُ طِبَـاعِ الْمَرْءِ مُكْتَسَـبُ
وفَارقَتْكُمْ لِطُولِ الذُّلِّ نَخْوَتُـكُمْ فَلَيْسَ يُؤْلِمُكُمْ خَسْفٌ وَلا عَطَـبُ
فلو عمل أولوا الأمر للوصول إلى الغاية التي أرادها الإسلام ، باستقلالهم عن الغرب وعدم التعامل معه ، بما لا يتفق وديننا ، كالتعامل معهم بشروطهم ، والمطالبة بحقوق هذه الأمة ، على عدالة غاصبي هذه الحقوق ، هو منطق أقل ما يقال فيه ، أنه قائم على الغفلة والجهل ، أو التجاهل بطبائع عدونا ، لأن الغاصب لو كان يستشعر العدالة في نفسه ، ما غصب غيره .
ولو أن المخالفين لمنهج الله ، استهدوا فطرهم السليمة ، واستفتوا قلوبهم ، لهدوا إلى الحق والصواب ، وليعلموا أن الجهاد الذي استبعدوه من واقع الحياة ، والذي فرضه الإسلام ، هو طريق الخلاص ، وأن القتال هو طريق الاستقلال .
إن الإسلام يأبى على معتنقيه أن يستذلوا ، بل إنه لم يجعل في قلب المسلم مكاناً للذل ، إلا ذلة التواضع والرحمة للمسلمين . قال تعالى : ﴿ أذله على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾ وقال : ﴿ محمدٌ والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ . وما عدا ذلك لا ذل ولا استذلال ، وإنما عزة واعتزاز ، على كل من في الأرض قال الله تعالى : ﴿ ولله العزة ولرسوله والمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾ والإسلام يوجب على المسلمين أن يعتقدوا ذلك ، وأن يؤمنوا به ، وأن يجعلوا هدفهم الأسمى تحقيقه ، ليهيئوا لأمتهم مكانتها ، التي اختارها الله لها في قوله : ﴿كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس ﴾ . ويحرِّم كل التحريم على المسلم ، أن يوالي غير المسلمين ، لأنه لم يُجز موالاة الكافرين ، إلا لاتقاء أذاهم ، شريطة أن يكون عمل المسلم خالصاً لمصلحة الإسلام والمسلمين ، لأن القاعدة في الإسلام ، أن المؤمن ولى المؤمن ، والكافر ولَىّ الكافر ، وأن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أمةً واحدة قال تعالى: ﴿ وان هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ . ويقرر الإسلام بأن موالاة غير المسلم تؤدي إلى الفتنة والفساد ، وأن المودة مع غير المسلمين جائزة ما داموا لم يقاتلوا المسلمين ، ولم يعتدوا عليهم ، ولم يحتلوا أرضهم ، وإلا فيحرم على المسلمين ، أن يوادوا الذين قاتلوهم في الدين ، وأخرجوهم من ديارهم ، بنصوص القرآن الصحيحة قال تعالى :﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، إلا أن تتقوا منهم تقاه ﴾ آل عمران28 .
إن الإسلام بمفاهيمه الصحيحة ، بينه وبين تطبيقات المسلمين العملية ، مسافة المخالفة والمعصية ، والإثم ، وقد أوهنت الشعوب الإسلامية عواملُ العداء ، والطمع والأثرة ، وحب الذات وهذا ما مكن الأعداء منهم ، ولولا أن الإسلام حقٌ بذاته مؤيدٌ بتأييد الله ، محفوظٌ بحفظه ، لم تبق منه بقية ، تصارع قوى الشرِّ في الأرض والتي ما تركت سبيلاً من المكر به ، إلاّ سلكته قال تعالى: ﴿ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ ولقد أحسن القائل :
يا أُمة الحق إن الجُــــرحَ متسـع ٌ فهـل تــــُرى من نزيف الجرح نعتبرُ
ماذا سوى عــــودةٌ لله صادقــــةٌ عسى ُتغيـــر هــذي الحال والصــورُ
تعبيرٌ عن المأساة ، التي تعيشها أمتنا الإسلامية والتي لا زالت تكتوي بنارها الشديدة . إن خلاص الأمة ، من جراحها وآلامها ، يكون بعودة الأمة ، إلى الالتزام التام بدينها , الذي به يعود عزها ومجدها , ومن ثم تستطيع الرد على أعدائها ، وحماية أبنائها , وتستطيع بإذن الله أن توقف تجرؤ أعداء الدين عليها ، وتوقف هذه المذابح والمآسي المتكررة ، فما تجرؤا علينا إلا لإننا تركنا منهج ربنا ، ولقد أحسن القائل :
لما تركنا الهدى حلت بنا مِحـــنٌ وهَاج للظلم والإفساد طوفـــانُ
فالعودة إلى منهج ربنا ، هي الطـــريق الذي يوصلنا إلى بناء الأمة المجاهدة ، التي ينصرها الله ، فما السبيل إلى ذلك ،جاء الجواب في شعر الشاعر :
مع كُلِ مذبحــةٍ تَجِـــــــــــــــــدّ ولا جوابَ سِوى الـعويـــــــــل
مع كل جــــــــــرحٍ في جَوانِحِ أُمتي أبـداً يسيــــــــــــــــــــــل
مــع كل تشــــــريدٍ وتمزيــــقٍ لشــعـــــــــبٍ أو قَبِيــــــــــــــل
إني يسألوني صديــــــــــــــقٌ من بـلادي ما السبيـــــــــــــــل
كيف السـبيل إلى كرامتنــــــــا إلى المـجد الأثيــــــــــــــــــــــل
بكتائــــب الإيمـــــان جـنـب المصحف الهادي الدليــــــــــل
تمضـي كتــائبنـــــــا مــــــــــع الفجـــر المجلجل بالصهيــــــل
هذا الـسبيل ولا سبيــــــــــل سواه إن تبغي الوصــــــــــول
نعم ، هذا السبيل ، فهل نستيقظ ؟ فالمسؤولية كبيرة ، وسنسأل عنها يوم القيامة ولكن أملنـــــــــــا بإذن الله في الخير الكامن في المسلمين , وأملنـــــا بأنهم لن يرضوا بأن يكونوا بتقصيرهم سبباً في استمرار الذبح والهوان ، لإخوانهم وأمتهم , وأملنــــا في إدراكهم للمخاطر ، التي تواجههم ، وأن نصيبهم من بطش الأعداء قد يأتيهم وأملنــــــا في خوفهم من السؤال ، عند الوقوف أمــــــام الله عن واجبهـــم تجـاه أمتهم ، يجعلنا نـــأمل في حصول الاستيقاظ والعودة ، والذي نرجو أن يكون قريبــــــــــــــاً
يقول الشيخ محمد الصـــــــواف : ” فبينما نحن معشر المسلمين أمة قاهـرة ، ظاهـــرة في الأرض ، لنا الملك والسلطان والسيف والصولجان ؛ ولنــــا الكلمة العليا إن قلنا أصغـت الدنيا لقولنا ؛ وإن أمرنا خضعت الأمـــــــــــم لأمرنا وسلطاننا ، فلمـــــــــــا تركنا أمر ربنا ، وخالفنا قواعد ديننا ، وتنكبنـــــــا الطريق المستقيم الذي رسـمــه الله لنا ، وأمرنا بالسير فيه وسلوكه فلمـــــــا سلكنا السبيل المعـوج صرنا إلى ما صرنا إليه من الـفـرقـــــــــــــة والشتات والذل والهوان .
ويقـــــــــول الشيخ الغزالي : ” إن الدين بالنسبة لنا نحن المسلمين ، ليس ضماناً للآخرة فحسب ، إنه أضحـــــــى سيــــــــاج دنيانا وكهــــــــــف بقائنا . ومن ثم فإني أنظر إلى المستهينين بالدين في هذه الأيام ، على أنهم يرتكبون جريمة الخيانـــــة العظمـى إنهم – دروا أو لم يدروا – يساعدون الصهيونية والاستعمار ، على ضياع بلداننا وشرفنا ويومنا وغدنا ، هناك فــــارق خطيــــــر ، بين عرب الأمس وعرب اليوم . الأولـــــــون لما أخطئوا عرفوا طريق التوبة ، فأصلحـــــــــــــوا شأنهم ، واستأنفوا كفاحهـــم وطردوا عــدوهم” وإن أقوى ما تستعد به الأمة هو صدقها مع الله ، وطاعتها له سبحانه, لأنه أساس النصر وهو التي يحفز المسلمين للجهاد ، ولإعداد العدة اللازمة له, لكي يحموا إخوانهم وأنفسهم ويستعيدوا مجدهم المُضيَّع .
