كيف حفظت السنة النبوية من الضياع

لقد بعث الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهُدَى ودين الحق وأنزل عليه كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأمره بتبليغه إلى الناس كافة ، وتَكَفَّلَ سبحانه بحفظ هذا الكتاب من التبديل والتغيير فقال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ومقتضى ذلك أيضا أن يحفظ الحق سبحانه وتعالى مجمل السنة – التي هي شارحة للقرآن ومبينة لمعناه – من التبديل والتغيير العام . وقد وَكَلَ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم مهمة البيان للقرآن فقال عز وجل : ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، وقال: ( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام : يُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ ، ويُقَيِّدُ مطلقه ، ويشرح ألفاظه ، ويُوَضِّحُ أحكامه ومعانيه فكان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم هو سُنَّتَه التي بين أيدينا .
ولما كان هذا البيان منه صلى الله عليه وسلم بياناً لكتاب الله ، فإنه كان مؤيداً في ذلك من الله عز وجل ، وكانت سُنَّتُه وحياً من عند الله ، كما قال سبحانه وتعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى). قال ابن حزم الظاهري : ” فأخبر تعالى أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي ، والوحي بلا خلاف ذكر ، والذكرُ محفوظ بنص القرآن ” . فصح بذلك أن كلامَه صلى الله عليه و سلم كلُّه محفوظ بحفظ الله عز وجل ، مضمونٌ لنا أنه لا يضيع منه شيء إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء ، فهو منقول إلينا كله “. الإحكام في أصول الأحكام 1/95 . وقال : ” والذِّكْرُ اسم واقعٌ على كلِّ ما أنزل الله على نبيِّه : من قرآنٍ ، أو سُنَّةٍ “. الإحكام في أصول الأحكام” 1/115 . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” ولكن هذه الأمة حفظ الله لها ما أنزله ، كما قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فما في تفسير القرآن ، أو نقل الحديث ، أو تفسيره ، مِن غلط : فإن الله يقيم له من الأمة مَن يبينه ، ويذكر الدليل على غلط الغالط وكذب الكاذب فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولا يزال فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة ، إذ كانوا آخر الأمم ، فلا نبي بعد نبيهم ، ولا كتاب بعد كتابهم ” الجواب الصحيح 3/38-39 . وقد علق الملا علي القاري في ” شرح نخبة الفكر ” ص/446 لما قيل لابن المبارك : هذه الأحاديث الموضوعة ! قال : يعيش لها الجهابذة – أي نقاد الحديث وحذاقهم – قال الله تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وإنه لمن تمام حفظ الذكر العظيم ، أن يكون بين المسلمين دائماً علماء يستهدون بهداهم في معرفة هذا الذكر، ويسالونهم ويستفتونهم. وإنه لمن أعظم ما يتميز به هؤلاء العلماء الهداة ، هو معرفة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم : “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون”.
إن بداية عموم الضلال ، أن يذهب من على وجه الارض أمثال هؤلاء العلماء فيذهب بذهابهم العلم بكتاب الله تعالى مع وجود نصوصه فقال عليه السلام :”إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا واضلوا” . وحين يحدث هذا لا تبقى من فائدة في وجود النص القرآني لأنه لا يكون آنذاك ذِكْراً؛ ولهذا فإن الله تعالى يرفعه إليه، ثم يأذن بقيام الساعة وكأنه أراد أنه من جملة حفظ لفظ الذكر في قوله تعالى : ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ حفظُ معناه ، ومن جملة معانيه : الأحاديث النبوية الدالة على توضيح مبانيه ، كما قال تعالى : ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ ففي الحقيقة تكفّل الله تعالى بحفظ الكتاب والسنة . قال ابن القَيِّم : ” فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فَالْكِتَابُ : الْقُرْآنُ ، وَالْحِكْمَةُ : السُّنَّةُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ” مختصر الصواعق المرسلة 2/371 .
وإن من مظاهر هذا الحفظ لسنته صلى الله عليه وسلم : ما قام به علماء الإسلام وجهابذته من جهد ظاهر ، وعمل دؤوب مُضْنٍ ، في سبيل جمع هذه السنة وتدوينها ، ووضع القواعد التي تضبط روايتها ، وتحدد قبولها من ردها وتمحص أحوال نقلتها ورواتها . فالسنة تكفل الله بحفظها عن طريق هؤلاء الرواة الذين سخرهم لحفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن رجب : ” فأقامَ اللّهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقواماً ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم والغلطِ ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ ، وحفظوه أشدَّ الحفظِ “. تفسير ابن رجب الحنبلي1/605 .
والحاصل : أن السنة محفوظة من الضياع ، وكل ما تحتاجه الأمة منها قد نقله العلماء وحفظوه في الصدور والسطور .
وعلى الرغم من الكم الهائل من الكتب التي تم إتلافها على أيدي التتار في بغداد إلا أن هذا لم يؤثر على حفظ السنة شيئاً ، فالسنة النبوية محفوظة في صدور العلماء قبل كتبهم ، فضلا عن انتشار كتب الحديث ونسخه في كافة أصقاع العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه.
غير أننا ننبه هنا إلى أمرين :
الأول : أنه ليس معنى ذلك أن كل كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، فقد حفظت ونقلت لنا ، وهي بين أيدي الناس الآن ، بل المراد أن كل ما يحتاجه الناس في أديانهم من أحكام وشرائع ، فهي محفوظة بحفظ الله ، لم يضع منها شيء .
الثاني : أنه ليس معنى ذلك أن كتابا واحدا قد ضمها ، أو ضم الميسور في أيدي الناس منها ، أو أن عالما واحدا قد جمعها وحواها ، حتى لا يخفى عليه منها شيء ؛ بل المراد أن علم جميعها موجود في الأمة ؛ فإذا ذهب علم شيء منها على عالم ، وجد عند غيره ، وإذا خفي في بلد ، ظهر في غيره .
أن السنة النبوية الصحيحة السالمة من كل شذوذ وعلة؛ هي المصدر الثاني للتشريع . وأن صحيحي البخاري ومسلم؛ هما أصح كتب السنة على الإطلاق وأدقهما إتقاناً وانتقاءً، وأن الأصل إذا جاء الحديث في الصحيحين أو أحدهما أنه صحيح، إلا إن يبين أحد أهل العلم ملحظاً آخر في ذلك، فالقضية تكون محل اجتهاد . وإن قضية التصحيح والتضعيف والتعليل والنقد الحديثي بعامة قضية اجتهادية، لها قواعدها وضوابطها، لكن ميدان الاختلاف فيها قائم ومسوّغ شرعاً وواقعاً، وحسبنا في ذلك مئات الأحاديث التي اختلفت أقوال الأئمة فيها أو في أسانيدها أو في ترجيح بعض رواياتها على بعض عند الاختلاف. وأن الأصل الذي اتبعه جميع أئمة النقد الحديثي هو شدة التحري والتدقيق، لأنهم إذ يناقشون حديثاً ما؛ إنما يناقشون الرواة الذين نسبوا هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاشا أن يناقش واحد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وشواهد ذلك كثيرة جداً. ومن الأصول المتفق عليها واقعياً وعملياً أن الدين بجميع أحكامه وفروعه وتفصيلاته قام واستقام واكتمل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا واكتمل كل شيء وعلم الصحابة بمجموعهم هذه الأحكام قاطبة، وطبقوها عملياً، وتناقلها الفقهاء والمحدثون عنهم، فلا يمكن أن يأتي أحد من المتأخرين ليكتشف شيئاً جديداً، ومن ثم فلقد قام واستقام فقه الأئمة المتبوعين في أزهى عصور المسلمين عصر الفتوحات، وكل ذلك قبل تدوين البخاري ومسلم لصحيحيهما. بل ونجد أئمة الفقه قد تركوا العمل بأحاديث لسبب ما؛ مع أن البخاري أو مسلم أو كلاهما قد خرجا ذلك في كتابيهما، والعكس، بل قد يأتي الحديث الذي صح سنده ويقول لك بعض أئمة الحديث: ليس عليه العمل ـ وبقطع النظر عن موافقة الأئمة له ـ كما قال الترمذي في مقدمة العلل الصغير في حق حديث الجمع في الحضر. وإذا كان ما ذكر محل اتفاق إجمالي بين أهل العلم، فإني أعتقد أن هذه القضايا صالحة لتكون أساساً لحوار علمي جاد، بعيداً عن التنابز والتنافر وإساءة الظن وتوزيع الاتهامات والافتراءات والشتائم وتحريف القول عن سياقه وتقويل الآخرين ما لم يقولوه وتهويل الأمور وإثارة عواطف الآخرين بفزاعات الحفاظ على السنة والدفاع عنها، وادعاء الحرص ونفيه عن الآخرين، وتوظيف نُقُولٍ عمن نحبهم كما نشاء، وتأويلها وفق رغبات خاصة، وتنزيل نصوص أخرى منقولة عن رجال ـ مهما كان شأنهم ـ وكأنها قرآن يتلى، لنجعل منها حجة على الآخرين ومصدر إلزام، وأن يكون مصدرنا الوحيد الكتاب والسنة ! .
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من التذكير ببدهيات:
1. ليس لأحد كائناً من كان أن يدعي احتكار الحقيقة، أو الفوز بها ـ وعلينا أن نتعامل مع المخالف على هذا الأساس.
2. ليس لأحد أن يدّعي حرصاً على الحق والخير ونصرة السنة، وينفي ذلك عن الآخرين، وكأنه عالم بالغيب وبما في قلوب العالَمِين.
3. ولا يجوز أن يكون مجرد الاجتهاد في حديث ما إثباتاً أو نفياً، أو رأيُ فقيه، أو تفسيرُ آية؛ سبباً في خصومة أو اتهام أو نسبة الآخرين إلى بدعة أو انحراف، ما دام قد التزم الأصول المتفق عليها، المعلومة من الدين ضرورة ودار الاختلاف والنقاش حول ما هو محل اجتهاد.
4. وليس لأحد أن يدعي أن ما ورد بحديث آحادي أصبح قطعياً لا يمكن مناقشته، وإلا لما جاز أن يرد البخاري أحاديث صححها مسلم، والعكس، أو أن يرد بعض الصحابة أحاديث منسوبة لرسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهذا بقطع النظر عمن هو صاحب الحق في ذلك، وبقطع النظر عن حجمها وعددها، إذ المقصود المبدأ والمنهج.
5. كما أن أي حوار علمي لا بد أن يلتزم بآداب القرآن وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، أما توزيع الشتائم والتسلح بالسباب والافتراءات ونسب المخالفين إلى بدع الروافض واتباع المستشرقين أو نعتهم بالجهل والغرور لمجرد مخالفة رأي في حديث؛ فهذا أبعد ما يكون عن التحقيق العلمي والأدب النبوي.
ولا يمكن أن يكون الاجتهاد في حديث مهما كان المصحح له مقتنعاً بصحته سبباً لعداء أو اتهام بالعداء للسنة أو التشكيك فيها، فهل كان البخاري عندما رد حديث التربة أو حديث كتابة السنة عدواً للسنة ؟ أم هل كان الألباني عندما ضعّف العشرات من الأحاديث في صحيح مسلم عدواً للسنة ؟ ومرة أخرى أقول: هذا بقطع النظر عمن يكون الصواب معه.
إنه لمن الإرهاب الفكري الخطير أن يجرد أحدهم سطوة لسانه وقاذع شتائمه وألوان افتراءاته على الآخرين باسم الانتصار للسنة، وكأنه المنصب للدفاع عن الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *