كيف نقرأ انتصارات الأمة

لقد سجل التاريخ الإسلامي القديم والحديث من النصر في معارك الحق آيات بينات، وترك للإنسانية من أبطال الإصلاح والفتوح والعلم أعلاماً شامخين وقد سجل التاريخ معظم انتصارات الأمة وفتوحاتها فقد أحرزوا هذه الانتصارات والفتوحات بالإيمان الذي بث فيهم من القوة و نصرة الحق ، ما جعلهم أقوياء أحراراً ، فإن قاتلوا قاتلوا بقوة الله، وإن رموا رموا بعزة الله ، وإن صالوا وجالوا فبقوة الحق والتمسك بهذا الدين الذي نقل المسلمين من رعاة للغنم إلى قادة للأمم، هذا الدين الذي اعتبر ذروة سنام الإسلام الجهاد ، العبادة الأولى، لأن الإنسان المجاهد يجود بنفسه، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، فكان للمجاهد عند الله شأن كبير قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ آل عمران والله يخاطب المجاهد يوم القيامة فيقول: تمنى علي يقول: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا لأقتل مرة ثانية، لعظم إكرام الله له، لقد ورد ذكر البذل بالمال والنفس في ثمانية عشرة آية في القرآن، وقد قدم بذل المال على بذل النفس لأنه أسهل، قدم الأسهل إلا في آية واحدة قدم بذل النفس على بذل المال في آية عقد البيع القطعي مع الله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ التوبة فالمجاهد إذا كان يجاهد لإعلاء كلمة الله ولنصرة دين الله، له عند الله مقام لا يعلمه إلا الله فمن يجبن عن مواجهة العدو فإنه يجهل حقيقة الجهاد، وما أعدّه الله للمجاهدين من المنزلة العظيمة
إن النصر الذي نتمناه له شرطان أساسيان: أولها إعداد القوة بالقدر المستطاع ، لأن النصر لا يكون بدعاء أو بمعجزة إلهية تأتينا ونحن لم نعد ونستعد فهذا مستحيل بدون الإيمان اليقيني بالله وأنه لا ناصر إلا الله، وأن النصر بيد الله ومن عند الله ، الذي يقرر من المنتصر، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ الأنفال ، وقوله تعالى :﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ آل عمران ، لابد من الإيمان مع إعداد العدة لقوله تعالى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ ما استطعتم ﴾ ما يدل على عدم إعداد القوة المكافئة، بل أن نعد القوة المتاحة، فبالإيمان وإعداد العدة المتاحة نحقق أسباب النصر.
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ 47 الروم ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ 141النساء ، إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل، ففي إيماننا خلل. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ 173 الصافات ، آيات كثيرة تعد المؤمنين بالنصر : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ سورة النور ، فالإيمان شرط لازم غير كاف، والإعداد شرط لازم غير كاف، يجب أن نعد لأعدائنا كل ما نستطيع من قوة مادية وبشرية وعتاد وعدة ومعلومات وتفوق علمي، إن أردنا النصر فله ثمن ليس باليسير، أما أن نتمنى على الله الأماني ونحن قاعدون، أو ننتظر من الله أن يحدث معجزة ونحن لا يمكن أن نغير شيئاً في حياتنا وعلاقاتنا وكسب أموالنا وإنفاق أموالنا هذا نوع من التمنيات التي لا يتعامل الله معها أبداً. ” ليس بأمانيكم ولا بأمان أهل الكتاب، من يعمل سوء يجزى به” : ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾ سورة الأنفال ، أنت حينما تكون قوياً قد لا تستخدم السلاح إطلاقاً، لمجرد أن يكون في حوزتك سلاح فعال فتاك، فأنت مرهوب الجانب، هذه حقيقة ! الآن دول كثيرة جداً تملك سلاح نووي لم تستخدمه إطلاقاً لكنها مرهوبة الجانب ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ… ) صحيح مسلم ، ورد في بعض السور القرآنية وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أن الجهاد والاستشهاد نعمة لا يهبها الله إلا لمن يستحقها لتحقق هذا النصر المطلوب، وإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يعاقبنا بما كسبت أيدينا فأظن أن إحراق الأرض ومن عليها رد مناسب لأمة تخلت عن كتاب ربها وسنة نبيها . وحينما نلتزم العقيدة الصحيحة ونبذل قصارى الجهد في حمل هم المسلمين والتخفيف عنهم، ونبلّغ منهج ونستجيب لهذا النداء الرباني : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الأنفال . فإن لم نستجب لأمر الله ولداعي الجهاد ولإحقاق الحق، ولنصرة دين الله عز وجل، نفقد ميزة الخيرية التي أراده الله لنا في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران . لأن هذه الخيرية لمن استجابوا لله ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم، ولمن جاهدوا في سبيل الله ونصروا دين الله، أما حينما لا نستجيب عنها نكون كأية أمة، ويؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ المائدة فأجابهم الله عز وجل: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ المائدة
أن أخطر شيء على هذا الدين أدعيائه لا أعدائه . والله المستعان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *