لابد من الرجوع إلى الإسلام


نلاحظ أن أكثر من مليار وربع المليار من المسلمين في العالم يمتحنون بشتى ظروف الابتلاء التي لا تخفى على أحد ، بدأً من التضييق والاضطهاد والتهميش وانتهاءاً بالتصفية الكاملة والإبادة الجماعية ، والكثير منهم يعانون من الفقر والتخلف والمرض والجهل ، أضف إلى ذلك ما يواجهونه من تحدياتٍ خطيرة يأتي في مقدمتها فكر العولمة ، الذي يدعمه ويحرص على نشره النظام العالمي الجديد . كما أصبح مدركاً لدى الغالبية العظمى من المسلمين إثر النكبات التي حلت بهم أنهم يسيرون على غير هدى ، وأن الطريق الذي يسلكونه لن يؤدي بهم إلا إلى الهاوية ، وأن الرجوع إلى الدين هو وحده الذي يخلصهم مما هم فيه .
ففي الجلسات الخاصة والعامة يتكلم الناس عن ضرورة الرجوع إلى الدين ، بل إن الكثيرين من المفكرين والعلماء والأدباء يقولون بوجوب ذلك ولكن الكيفية التي يجب علينا أن نسلكها لم يقل بها أحد من أولي الأمر ، ومن أراد أن يسلك الطريق التي رسمها لنا الإسلام يلقى المعارضة والمطاردة ، وأن قسماً كبيراً من علماءنا وأُدبائنا ومفكرينا ، يعرض علينا صوراً مشرقة من الماضي المجيد وأحاديثاً رائعة عما كان عليه سلفنا الصالح ، وكيف حكموا فعدلوا و كيف حاربوا فانتصروا وكيف انقذوا العالم من جهالته .
ولكن لا أحد منهم يطالب بضرورة التزام ما التزموا به من تطبيقٍ لمنهج الله والسير على هداه ، وأن ما حلَّ بنا وما نحن عليه وما صرنا اليه راجعٌ الى عدم تطبيق أحكام الله . وأننا ما زلنا منجذبين إلى الوراء نعيش في جنات الماضي ، لأننا نشعر بألم جحيم الحاضر الذي نحن فيه ، نعتزُّ بعزَّة الأجداد والأمجاد ، لأننا لم نبلغ ما بلغوه وليس عندنا ما نعتز به لا مجداً ندَّعيه ولا فخراً ننتسب اليه ، أنا لا أنكر بأن من كان له ماضٍ مثل ماضينا حق له أن يفاخر به ، ولكن الفخر لا يكون بالتحدث عن ذلك فقط ، فلا بد من الاقتداء بهم والسير على الدرب الذي ساروا عليه حتى نضيف الى ذلك الماضي المجيد حاضراً مجيدا وإن كل مسلمٍ تسأله عن رأيه بدينه ، يقول لك عن عقيدة وإيمان إنه احسن دين وأفضل عقيدة وأروع نظام كفل للإنسان سعادة الدنيا والآخرة وإنه خير نظام لبني البشر.
ولكن كيف نستطيع أن نترجم هذا القول إلى عمل ؟ إن مما يدعو للأسى عندما نقول لبعض المسلمين أن الإسلام هو الحل ، وان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتطبيقاتها في الحياة هي الحل ، وأن العبادة الصحية لله كما جاء بها الإسلام هي الحل ، يهز كتفيه ساخراً ها هو الإٍسلام موجود ولا إله إلا الله والعبادة موجودة وقائمة وملتزمون بالذكر الذي طلبه الله منا في قوله تعالى : ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ آل عمران 190. لكنه يتناسى كيف كانوا يذكرون الله ؟ هل كانوا يذكرونه باللسان وحده ؟ وهل يكفي ذلك للقيام بالمهمة المطلوبة من هذه الأمة ؟ والتي ذكرها الله بقوله : ﴿كنتم خير أمةٍ اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ آل عمران 110 . وقوله تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا 2شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ﴾ البقرة 143. فهل يكفي لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومهمة الشهادة على كل الأمم الذكر باللسان ؟ وهل يكفي ذلك ليوفر مقتضيات هذه المهام العظام ؟
إن الدارس لأحوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى أنهم كانوا يذكرون الله ليس بطريقة بعض الذاكرين الذين يمسكون بالمسابح ويرددون اسماً من اسماء الله الحسنى مرة أو مائة مرة ، كلا والله ، فما كانوا يذكرون الله باللسان والقلب وحدهما لأنهم آمنوا أنَّ هذه الأمة كُلفت أن تعبد الله وحده لا شريك له مخلصة له الدين ، وأن تقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصوم وتحج البيت بالإضافة إلى الدعوة لدين الله قال تعالى : ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ﴾ آل عمران 104 . والجهاد في سبيل نشر هذه الدعوة لتصل إلى كل آفاق الأرض قال تعالى :﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده ﴾
فهل يكفي الإيمان وحده للقيام بهذه والمهام ؟ وهل يكفي ذكر الله باللسان والقلب أم لا بد من شيء آخر ؟ لقد أخبر القرآن أن ألله استجاب لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض وهم يتضرعون إلى الله ، فلأيٍّ من هذه الأربع استجاب الله سبحانه ؟ هل للتفكر ؟ هل للتدبر ؟ هل للذكر ؟ هل للضراعة قال الله تعالى :
﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأذوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا﴾ دلت الآية على أن الله ما استجاب للذكر والفكر والتدبر والضراعة هكذا مجرده أنما استجاب لها حين تحولت إلى عمل ، فالله لم يقل أني استجبت لكم حين بدأتم تفكرون بعقولكم أو حين ذكرتموني بألسنـتكم أو لمجرد مدِّكم أيديكم بالضراعة إلى الله ، إنما قال أني لا اضيع عمل عامل منكم ، فقد نصت الآية على الأعمال ، لكي لا يتصور أحد أن الضراعة وحدها عمل وأن الفكر وحده عمل وأن الذكر باللسان وحده عمل يرضي الله سبحانه فيقول للعبد : كفاك ما قدمت وقد استجبت لك . إنما نصت الآية على أعمال مشهودة محسّة ، أعمال تغير الواقع الذي يعيشه الناس ، إنه الواقع الأفضل الذي أخرجت هذه الأمة من أجله ، كما ذكر في الآية شروطاً لا بد منها لتكفير السيئات ودخول الجنة فقال تعالى : ﴿ فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم وأُذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ .آل عمرن 195 . إذن فالله لا يستجيب لمن لا يعمل ؟ هذا هو المستفاد من الآيات ومن أحاديث رسول الله بأنه لا بد من عمل ، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل ، إلا أننا نجد من يقول يكفي ما في القلب . هذا الانحراف عن خط الإسلام الأصيل ، سرى في جسم الأمة وروحها وفكرها حتى صار الناس الآن إذا قيل لهم لا بد من عمل يقولون يكفينا أننا مصدقون مؤمنون ، وهذا ما أقعد الأمة عن العمل وهم يقولون : انصرنا يا رب وانزل غضبك على الأعداء ، ويتجاهلون أن ما كلفهم الله به ليعطيهم النصر ويعطيهم التمكين هو منحة من الله سبحانه وتعالى يمنحها لمن يستقيم على طريقه فقال تعالى : ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ، يعيدونني لا يشركون بي شيئاً ﴾. النور 55
في مقابل هذا الشرط الذي ذكره الله ، تكفل بكرمه ورحمته بالاستخلاف والتمكين والتأمين وهو أقصى ما تصبوا اليه نفوس البشر في الأرض ولكن ذلك ليس كلمة تقال أو مجرد وجدان في القلب .
إننا نرى المسلمين واقعون في قبضة أعدائهم ، يستغلونهم ويشردونهم ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم ويعتدون على حرماتهم وأعراضهم ، فلماذا يفعل بهم ذلك ؟ لأنهم خرجوا عن الطريق الذي رسمه الله للنصر والتمكين ، ولأنهم يقولون يكفينا الإيمان القلبي والإقرار اللساني ، وليس العمل داخلاً في مسمى الإيمان عندهم . تصوروا يا أخوتي جماعة من الناس يتفكرون ويتدبرون ويتضرعون ، ولكنهم لا يحولون ذلك إلى عمل مشهود فهل يكفي هذا لإخراج الأعداء من الأرض الإسلامية التي احتلوها ؟ وهل يكفي هذا لتغيير الواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون ؟ طبعاً لا يكفي لأن الدين جزء لا يتجزأ من تفكيرنا وماضينا وحاضرنا وعلومنا وكياننا ، بل هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها فلماذا نهجره ؟ وقد ثبتت لنا فائدته وفاعليته مدة أربعة عشر قرناً من الزمان ، ثمَّ نتخذ نظاماً آخر ثبت فشله ، فرَّق بين الناس وأفسد أخلاقهم وأنزلهم من درجة الإنسانية الكاملة إلى درجة البهيمية المادية . إن العقيدة الإسلامية ليست كغيرها من العقائد الدنيوية التي يبتدعها البشر ، لأنها عقيدة إلهية ، ونظامٌ سماويٌ ، أنزله رب الكائنات على عبادة لكي يكون لهم هادياً ودليلاً ، وإن الرجوع إليه لا يقتصر على القيام بالأعمال الظاهرة المفروضة فقط ، بل هو هذه الأمور التي لا يتم إسلام المرء إلا بها يضاف إليها الإخلاص في العمل وسمو الأخلاق وحسن المعاشرة وصفاء النية وصدق السيرة ونقاء السريرة ، والتحلي بالصبر والقناعة ونشر المبادئ ، والدعوة إلى قيام مجتمع الخلافة ليسود العدل والتراحم والتوادد والصفاء والنقاء مجتمع لا يستبد فيه القويّ بالضعيف ، وهذا أمرٌ مقدور عليه إذا التزم بالمنهج وخلصت النيات وحسن العمل . وإلا فإن مصيرنا الفناء المحتوم والدهر لا يرحم أحداً لا يرحم نفسه ، والله لا يكرم الناس لأجناسهم واسمائهم وأنسابهم ، بل يكرمهم لأعمالهم قال تعالى :﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ .الأنبياء 105 . فالذي يصلح للأرض هو الذي يرثها ، وأما الذين لا يصلحون للأرض فلا يرثونها ، والله يحابي أحداً ولا يجامل أحداً ولا يُخدع بالخطب ولا يغره الكلام بل يريد عملاً ليجزي به كما قال تعالى: ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ .التوبة 105

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *