إن الصراع الذي تعيشه الأمة ، مهما امتد أجله ، والمعاناة والفتنة ، مهما استحكمت حلقاتها ، فإن العاقبة للمتقين، ولكن ذلك يحتاج إلى صبر، واستعانة بالله صادقة، ولا ينبغي أن يساور المتقين القلق ، وهم يصبرون على الضراء، ولا يخدعهم أو يغرهم تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيظنوه إلى الأبد ، وما هو إلا متاع قليل، ثم يكون الفرج والنصر ، وقد ذكر الله نصره للحق والأنبياء والمرسلين فقال تعالى:﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ، إنهم لهم المنصورون ، وإن جندنا لهم الغالبون ﴾ ولا ندري على يد أي جيل ، يرفع الله شأن هذه الأمة ، قال عليه السلام : (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ) صحيح الجامع، صحيح . لكن سنة الله ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة ) صحيح الجامع، حديث حسن . وإذا عرفنا أن الأصل العلو والسيادة والتمكين للإسلام ، فلا نستيئس من ضعف المسلمين ، حينا من الدهر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإسلام يعلو ولا يعلى)صحيح الجامع، حديث حسن فالأمل باق، وامتداد سلطان المسلمين مستمر بإذن الله ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بشر ببشريات تذهب كل يأس، وتدفع كل قنوط ، وتريح قلب فاقد الأمل ، بالتمكين لهذا الدين ، فقال صلى الله عليه وسلم : (بشر هذه الأمة بالسناء والدين ، والرفعة والنصر والتمكين في الأرض…) والجهاد مستمر إلى يوم القيامة والطائفة الظاهرة على الحق ، لا يضرها من خذلها، وهي مستمرة حتى يأتي أمر الله، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : ( لن يبرح هذا الدين قائما، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ) رواه مسلم . والمقياس عند الله ، غير مقياس البشر، فقد يجعل الله من الضعف قوة وكما نرى القوة اليوم ، بيد أعدائنا ، والغلبة لهم علينا ، فلا ننسى أن الله لن يرضى لعباده المؤمنين دوام الذلة ، واستمرار القهر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الميزان بيد الرحمن يرفع أقواما، ويضع آخرين ) صحيح الجامع صحيح . ولابد أن يرفع الله عباده المؤمنين ، بعد أن وضعهم ، إذا رأى منهم صدق السعي لمرضاته ، ولئن مرت الأمة بفترات ضعف فلا ننس أنها تقادير الله ، الذي يَقْدِر على إعادة عز ضاع، واسترجاع سيادة مضت وشأن البشر الصعود والنزول، كما في الحديث:( مثل المؤمن مثل السنبلة، تميل أحيانا وتقوم أحيانا )صحيح الجامع، صحيح ، فلا بد للأمة أن تقوم يوما ما، وتلك سنة كونية وهذا اليوم آت لا محالة ، كما مضت سنة الله في الأمم ، ولابد لليل أن ينجلي ويمضي قدر رب العالمين ، في أن تكون العاقبة للمتقين ، العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا ، على الرغم من جميع الفتن المحيطة بنا ، ولا يجوز أن يتطرق الشك إلى قلوبنا ، بسبب ما نراه من حولنا ، من الضربات الوحشية ، التي تكال لطلائع الجيل المسلم في كل مكان ، إن الذي يفصل في الأمر، ليس قوة الضربات التي تكال للإسلام ، إنما هو قوة الحق ، ومدى الصمود للضربات ، لأن الإسلام أصلب من أن تفلح في معالجته ، هذه الضربات الوحشية ، لأن المستقبل لهذا الدين ، أراد أعداؤه أم لم يريدوا ، لأن عنصر القوة كامن في طبيعته ، وفي بساطته ووضوحه وشموله وفي رفض التلقي إلا منه ، ورفض الخضوع إلا له ، وفي الاستعلاء بأهله ، كالوقوع تحت سلطان المتسلطين ، ومن أجل هذه الخصائص في الإسلام ، يحاربه أعداؤه هذه الحرب الماكرة ، لأنه يقف لهم في الطريق يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية ، وعن الطغيان والتأله في الأرض ، كما يريدون ! ومن أجل هذه الخصائص ، يطلقون عليه حملات القمع والإبادة ، والتشويه والخداع والتضليل ، ومن أجل هذا يريدون أن يستبدلوا به قيمًا أخرى ، وتصورات أخرى ، هذه هي حقيقة المعركة ، وهذا هو دافعها الأصيل ، إنها الحقيقة التي لابد أن تستقر في ذهن كل مؤمن ، أن يعتقد اعتقادًا جازمًا ، لا يتطرق إليه أدنى شك ، أن النصر لهذا الدين ، مهما تكالبت عليه قوى الأرض لقوله تعالى : ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴾ لنتذكّر صراع الأنبياء مع أقوامهم ، ولمن كانت الغلبة ؟ وقوله تعالى : ﴿ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾. وإن هذه الحقيقة التي قررها القرآن ،لم تغفلها أيضًا السنة الصحيحة ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله إياه بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر) وإذا أراد المشككون من المنافقين ، أن يزيلوا هذه الحقيقة من قلوب المسلمين ، واستمع لهم من استمع ، وصدّق كلامهم من صدّقه فلينظروا إلى المذابح ، والتشريد الذي يتعرض له المسلمون ، هل أخمدهم ؟ هل قضى عليهم ؟ هل أوقف المد الإسلامي ؟ لقد قُتل مئات وألوف تحت القمع الصليبي والصهيوني والعلماني ، فإذا بالقاعدة تتسع بعد كل مذبحة ، وأصبح المسلم الواعي أكثر صلابة ، وأشد بأسًا ، وأكثر وعيًا وتصميمًا على المضي في المشوار الطويل ، ورغم الواقع المرير ، فقد يكون بابا للنصر من عند الله ، وما أهونه عند الله قال الله تعالى : ﴿ الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ ونحن نسمع صيحات البعض وتخوفهم نسأل : ألسنا مسلمين ألسنا مؤمنين بنصر الله ، لعباده الموحدين هب أن ما يجري في مخيلات البعض حقيقة أليس هذا متوقعا من الأعداء وأذنابهم ثم أليس كل شيء بقدر الله عز وجل؟ ألسنا نؤمن أن الإسلام لا يعمل وحده ، إنما يعمل من خلال البشر، الذين يؤمنون به وإن المسلمين اليوم ، وهم ينظرون إلى إخوانهم الذين يواجهون الفتنة في دينهم ثم لا تذرف لهم دمعة ، ولا يتحرك لهم ساكن ، بل يتخاذلون عن نصرة إخوانهم في العقيدة ، هؤلاء إن لم يفيقوا من غفلتهم وينفضوا التراب عن رؤوسهم ، فإن الله قادر على أن يستبدل قومًا خيرًا منهم قال تعالى :﴿ وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ ومما ينبغي أن يتقرر في الأذهان ، أن الثقة بنصر الله عند الفتن ، لا تجدي ، إذا تقهقر المسلمون ، وخذلوا دينهم ، ولن يُنْصَروا ، ولو كانت الدنيا كلها معهم ، لأن الله ليس معهم ، ولو نصروا الله في أنفسهم فسينصرهم ، ولو كانت الدنيا كلها ضدهم إن الثقة بنصر الله ، عند مواجهة الفتن ، والتمكين لأعداء الله عز وجل ، إنما يجري بمقتضى السنن الربانية : ﴿ وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ﴾ ومن هنا فإن على الذين يستبعدون انهيار الحضارة الغربية ، وهي تملك هذا القدر الهائل من أدوات التمكين ، نحيلهم إلى أكبر انهيار في التاريخ ، لأكبر قوة طاغية وهي قوة الاتحاد السوفيتي ، الذي انهار والغرب دوره في الطريق ، ولن تمنعه قوته المادية ، ولا الحربية ولا السياسية ، عن مصيره المقدر في سنة الله ، وإذا انهارت الحضارة الغربية ، فإن البديل هو الإسلام فهل يعي المسلمون ؟ وهم يواجهون الفتن من الكافرين ، هل يعون هذه الحقيقة الربانية ، والسنة الإلهية ؟ وهل يعون أيضًا أن الغرب نفسه بدأ يعترف بأن مصيره إلى الهاوية ، ما لم يغيّر من حالته التعيسة ومصيره الشقي المنكود ، حتى قال أحدهم في تعليق له ، على ما يجري في أمريكا من فساد أخلاقي : ” أنا لا أعتقد أن الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبلنا ، يتمثل في القنابل النووية أو الصواريخ الموجهة آليًا ولا أعتقد أن نهاية حضارتنا ، ستكون بهذه الطريقة ، إن الحضارية الأمريكية ستزول وتنهار، عندما نصبح عديمي الاهتمام وغير مبالين ، بما يجري في مجتمعنا ، وعندما تموت العزيمة على إبقاء الشرف والأخلاق في قلوب المواطنين ” نعم إن هتافاتٍ كثيرة من هنا وهناك ، تنبعث من القلوب الحائرة وترتفع من الحناجر المتعبة ، تهتف بمنقذ من الفتن ، وتتلفت على مُخلِّص ، وتتصور لهذا المخلِّص ، سماتٍ وملامح معينة ، تطلبها فيه ، وإن هذه السمات ، وتلك الملامح لا تنطبق إلا على الإسلام ، فهل يعود المسلمون اليوم إلى دينهم ، ليدركوا به هذه الحقيقة الربانية العظيمة ، التي سطرتها آيات القرآن ، وأوضحتها سنة رسولنا عليه السلام ؟! فبعد أشد الأوقات ظلمة ، يطلع الفجر وحين تشتد الكربات ، يقترب الفرج وحين يتملك النفوس اليأس ، من شدة العسر وتأخر النصر ، ومعاندة المكذبين ومحاربتهم ، يمن الله بالروح والتنفيس عن المؤمنين ، والتمكين لهم كما قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ يوسف:110
