روى أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ) . وجاء في حديث آخر عن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ومن علمه الله الرمي فتركه رغبه عنه فنعمة كفرها رغبة عنه ) أي كراهيةً فيه ، وكفرها أي جحدها ، فقد جاء الخطاب بالرمي في زمنه ، أما في العصر الحديث فيدخل في معناه ما استحدث الآن من الرمي بالبنادق والمدافع والقنابل ونحوها ، وكل ما يُحَدَّث من آلات القتال في كل زمان ومكان ، لأن الآية تدل على وجوب صنع الآلات الحربية ففي زماننا يكون بصنع المدافع والدبابات والطائرات والسفن الحربية المدرعة والغواصات ، والدلالة على وجوب صنعها لا شرائها مصنوعة من الأعداء ، وفي الآية ما يدل على وجوب تعلم العلوم والفنون والصناعات التي يتوقف عليها ذلك ، وما أصابنا التأخر والانحطاط وطمع بنا الأعداء إلا لأننا أهملنا هذه المهمات ولم نعد العدة التي ترهبها قوى الكفر فتخشى من مهاجمة دار الإسلام ، والإسلام يدعو المسلمين لأن يتخذوا للنصر عدته حتى يمنعوا الأعداء من الاعتداء على الإسلام والمسلمين قال تعالى: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ﴾ الأنفال 60 .
فالاستعداد بما أمكن فريضة تصاحب فريضة الجهاد ، والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها و أسبابها ، حتى يُرْهِبَ المسلمون أعداء الله وأعداء دار الإسلام ، التي تحميها القوة التي تحفظ المجتمع الإسلامي من الفوضى وتردع الطغاة الأقوياء من التلاعب بحياة الناس واستغلالهم ، لأن وجود قوة في قبضة أهل الحق والعدل ، تردع بها أهل الظلم والباطل وتخضعهم لحكم الله وشريعته . أما وقد غابت هذه القوة فإن حربهم الملعونة على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها مستمرة ، فجاسوا خلال الديار يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأرض لقواعدهم العسكرية ، والهيمنة على الدول وثرواتها ، وما تنتجه أراضيهم لتكون غذاءً لشعوبهم ، ومواد خام لمصانعهم ومعاملهم ، يبحثون عن ذلك وبين أيديهم الدبابات وفوق رؤوسهم الطائرات التي تقذف بقنابلها ، ووراء ظهورهم الألوف من العساكر المدربة ، يقطعون على البلاد سبل رزقها ، وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة ، يريدون بذلك أن يهيئوا وقوداً لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهاباً ، ويكفي مثالاً على هذه القوة التي تملكها أمريكا وتستغلها في الاعتداء على الشعوب الضعيفة ، والسلب والنهب دون رادع وزاجر إلا نضال الشعوب العزلاء ، كما يجري في فلسطين هذه الأيام .
يقول نيكولاس سبيكمان في كتابه الاستراتيجية الأمريكية في السياسة العالمية يقول :”مسموح لنا نحن الأمريكيين بكل أشكال الجبر والقسر بما فيها حروب الدمار ، أن نملي أرادتنا ونفرضها بالقوة على الذين لا قوة لهم ” .
ويقول ليو ويلتش الأمريكي : ” واجبنا أن نحقق زعامتنا الإيجابية بالقوة على العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، ولا ينبغي أن يكون ذلك إلى أجل مسمى إنه واجب أبدي لا يجوز التفريط فيه ” . ولا سرّ لهذا التعاظم من أعداء الله والجهر بالعدوان على عياله وعباده من غير مبالاة ، إلا عدم الخوف والرهبة من القوة الرادعة ، التي تجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى ، وأما عن سذاجتنا وبله رجالنا ، فحدِّث ولا حرج فقد وصل الحال إلى تحريف الكلم عن مواضعه ، فسمعنا من يقول ما لنا وللقتال إنما نحن دعاة ومبشرين ، ندعو إلى دين الله دين الأمن والسلامة والدعة بالحكمة والموعظة الحسنة ، لسان حالهم نبلِّغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش ، ونجادل من يعارضنا بالخطب والمقالات والتصريحات والإدانات ، وأما الجهاد والقتال فلا يفكر فيه ولاة أمور المسلمين ، الذين تنازلوا عن الجهاد رسمياً في مؤتمر دكار ، واقتصر الجهاد عندهم بمواصلة المطالبة بالحقوق باللسان والقلم ، أما المدافع والدبابات والطائرات وغيرها من الآلات فهم أحق بها وهم أهلها ما لنا ولها فكانت النتيجة كما نرى ونسمع ، أن نصَّبوا أنفسهم المسيطرون على الأمم والشعوب ، يأمروا بالذي يريدون ويفعلوا ما يشاءون ، فكان ذلك مبعث الفساد في الأرض الذي تفجَّرت منه ينابيع الشرِّ والطغيان ، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الأمة تخلّت عن الجهاد واستبعدته من حساباتها وكم أقلقهم وأخافهم وأرهبهم اندفاع الشباب الاستشهادي الذي لبى نداء الواجب ، ساخراً من الدنيا وزينتها وزخرفها ، طامعاً بالثواب العظيم الذي أعده الله للمجاهدين . روى أحمد في مسنده عن عتبة بن عبد الله السُّلمى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القتلى ثلاثة ، رجل مؤمن قاتل بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل ، فذلك الشهيد المُفْخَرَ- من الفخر _ في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة ورجل مؤمن قَرَفَ -أي عليه ذنوباً أرتكبها- على نفسه من الذنوب والخطايا ، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقْتَلْ ، مُحيت ذنوبه وخطاياه ) . إن النـزاع مع إسرائيل قد يطول سنين ، وإني على يقين بأن توقف هذه الحرب متوقف على قدر ما يثوب المسلمون إلى رشدهم ، ويعودوا إلى دينهم ، فلو فرضنا جدلاً رجوع المسلمين إلى دينهم اليوم ، فإن النصر على اليهود سيكون غدا . إن لسان الحال يدل على أن المسلمين لا يعتبرون قضية فلسطين إسلامية ، لأنهم ابتعدوا عن الإسلام ، واستمروا في تعاونهم مع أعداء الدين رغم أنهم يعلمون أن الحرب مع إسرائيل لن تنتهي بل ربما قامت لإسرائيل إمبراطورية على حساب أراضٍ أخرى مجاورة ، وإن أي نصر لإسرائيل لا ولم يكن فخراً لها ، بقدر ما كان هذا الانتصار خزياً لنا ، وإن ما يجري في فلسطين يدل على أن الموضوع ليس موضوع استئصال شعب بقدر ما هو محاولة للإجهاز على الدين الإسلامي وإحلال دينٍ آخر ، هذه هي حقيقة المعركة ، ومن اجل ذلك تدعم أمريكا إسرائيل ، وتدافع عنها وتتعصب لها وترسل إليها الأسلحة ، وهي بدورها تضرب بها الفلسطينيين ، وها هو شعبنا يتحدى إسرائيل ويصبر على مواجهة مكرها ومؤامراتها ، ويمضي في تحديها ، بالجهاد البطولي الذي لم نر أشرف ولا أزكى ولا أطهر منه والذي لم نشهد له مثيلاً في العصر الحاضر ، إنهم رجال لا يملكون ما يوجعون به عدو الله غير أجسادهم ، يواجهون بها ترسانة التسلح الإسرائيلي ، في الوقت الذي يقف العرب والمسلمون منهم موقف المتفرج ، لأنهم يعيشون في هذه الدنيا لأنفسهم لا لربهم ، بل لا يفكرون في مرضاته أو ضبط سلوكهم وفق هداياته .
وأخيراً وليس آخراً فإن حبل الجهاد يطول والامتحان يتكرر ، ولا بد لأهل الحق من الثبات قال تعالى : ﴿ ولَنبْلُوَنَّكم حتى نعلم المجاهدين منكم ﴾ محمد 31 .
وإن ما يجري على يد هذه الفئة المؤمنة ، بشارة من بشائر النصر والظفر على أعداء الله ، ولن يحبطها الله ولا يبطلها ، ولن يسلبهم حلاوتها ، ولن يحرمهم ثوابها إن شاء الله وصدق الله الذي قال : ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ محمد 35 .
لا بد من القوة لمواجهة اسرائيل
