الفكر الإسلامي ربانيّ في غاياته ومناهجه، إذ الوحي مصدره، فقال تعالى : { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} . هذا الفكر يمتاز بوضوح المحتوى والأهداف والوسائل، وهو يسير في طريق موازٍ للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وينسجمٌ مع المهمّة التي انتدب الله الإنسان لتحقيقها، وهي عمارة الأرض بالحقّ والعدل، قال الله تعالى: { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ، كما يتناول كلّ شؤون الحياة الدنيا، ويستوعب كلّ القضايا الروحية ومسائل الآخرة، ويوجّه خطابه الفكري إلى كلّ الشعوب، أفراداً وجماعات، ولا يقف عند زمنٍ دون آخرٍ، ولا يتقوقع في مكانٍ دون سواه. لأن المجتمع الذي يقوم على الإسلام، والذي يحكمه شرع الله ، وتسوده أفكار الإسلام يدرك أن لديه رسالة في الحياة هي إعلاء كلمة الله. وإن سلوكه في الحياة، الذي يبرز في أنظمته وفي أعماله الجماعية، لا بدّ أن يكون مبنياً على أساس الإسلام.
وأما المجتمع الذي يجمعه إشباع الحاجات والغرائز، فإنه لا يرقى أن يكوِّن أمّة. لأن هذا المجتمع يكوّن مفاهيمه عن الأشياء بناء على المصلحة والمنفعة. وبذلك يصل إلى الانحطاط في كل شيء، وتتكالب عليه سائر الأمم .
قديماً كانت الأمة الإسلامية تحكمها قوانين الإسلام، وكانت تسيّرها حياتها ومواقفها بحسب ما أنزل الله تعالى. ولذلك اعتبرت الأمة رسالتها في الحياة نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله، وذلك بإزالة الحواجز المادية التي تحول دون ذلك ، لذلك أمر الله تعالى أمة الإسلام بالجهاد لتطبيق شرع الله في الأرض قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلُّه لله }، وهبّت الأمة لا يشغلها شاغل عن محاربة أعداء الله ، حتى تعلي كلمة الحق ، عندها خاض عقبة بن نافع الأطلسي بفرسه، وقال: “والله لو علمت أن وراء هذا البحر أناساً لا يعبدونك لعبرت البحر حتى أقاتلهم”. وعندها بلغ المسلمون الصين وفرنسا في مئة سنة. وعندها علت مكانتهم بين الأمم ، فكانوا أعظم دولة في العالم.
وأما اليوم فقد انحطت أمتنا الإسلامية، وانخفض معها سلوكنا، وانحطت عقولنا، حتى صرنا نرى، الحق باطلاً والباطل هو حقا ، وخضعنا لأفكار الكفر، حتى هدمنا دولة الإسلام حاملة رايتنا، ومنارة عزِّنا ، وسر حياتنا ومنبع كرامتنا،. ولا زلنا نخضع لحكم الغرب حتى بعقولنا، ننشد الحياة في الغرب، فمن قائل بالوطنية وآخر بالعلمانية، وآخر يترك الإسلام وأمته ويتبنّى الشيوعية ، حتى بلغ بنا الانحطاط إلى درجة أصبحنا نتمنى أن نكون في حمى دول الغرب، الذي يتحكّم في بلادنا يسلب خيراتنا، ويذيقنا ألوان الهوان والذلّ وصرنا ندور معه حيث دار بعد أن اقتطع من بلادنا أعزها، لألد أعدائنا اليهود شذّاذ الآفاق. ثم تجدنا عند الضيق نسعى إلى دول الشرق والغرب ، مستنجّدْين بهم ، طالبين منهم أن يحلّوا لنا مشاكلنا التي صنعوها بأيديهم ، مكراً بنا وإذلالاً لعزتنا ، متناسين أمر الله بقتالهم : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله} الذي يوم استجاب له المسلمون قديماً ، رأو احتلال الكفار لبلادنا ، عاراً يلطخ جبيننا ، ويلزم الموت دونه. فاستجابوا لأمر الله تعالى، وهبوا للذود عن أحكام الإسلام ، وراية الإسلام وبلاد الإسلام، ورأو كل ما عدا ذلك من العيش الرغيد ، رخيصاً دون الإبقاء على دولة الإسلام ورايته. وبذلك ردوا الصليبيين على أعقابهم إذ جاءوا غازين، وتصدوا للمغول ودخلوا في دين الله وانقلبوا من كفار إلى مجاهدين في سبيل الله أما اليوم، أصبحنا نرى أن الاستعمار يقربنا من الغرب، واصبحنا نرى في الغرب قبلة أنظارنا ومدار تفكيرنا ومحل احترامنا وتقديرنا، حتى صرنا نتمنى أن تأتي قوى الغرب لحمايتنا وحل مشاكلنا، مع علمنا بأن الغرب هو الذي صنع لنا هذه المشاكل ليتمكن من العودة إلى بلادنا حينما يرى فينا بشائر نهضة أو معالم صحوة، ومع إيمانهم بقوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنصرون} هود:113 .
إن الفكر هو الذي يُنهضنا. وإذا استطاع الغرب أن يغلبنا في وقت فإنما كان لانحطاط تفكيرنا وجهلنا، وعدم فهمنا لأفكار الإسلام ، فاستطاع أن يضللنا ويغزونا بفكره ومن ثم بقواته ، ولن نتحرر من الاستعمار إلا بعودتنا إلى منهج الإسلام وأفكار الإسلام ، الذي تكمن فيه عزتنا ، ويكمن فيه تحررنا من ربقة الاستعمار، قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } .
لا خلاص لنا بغير الفكر الإسلامي
