لا طاعة لظالم

قال تعالى : ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كفُورًا ﴾ لقد جاء النهي طاعة الظالمين والمفسدين مهما علت منزلتهم ومكانتهم ، ولا طاعة لهم في معصية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) متفق عليه. .
إن الدين الإسلامي لا يقر الظلم ولا البغي ولا يقر التسلط على الناس بأي شكل من الأشكال، وأن الواجب على كل مسلم الوقوف مع الحق وأهله ومجابهة الظلم والطغيان والاستبداد، وعدم مساندة الظلمة والطغاة قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ﴾ النساء105،وقال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ القصص 17، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يبيع المسلم دينه بدنيا غيره، أو أن يتخلى عن شرفه ومروءته وأخلاقه ، من أجل مالٍ قليل ، أو جاه زائل أو منصب لا يدوم ، والمسلم الحق هو من أسلم وجهه لله ، فأحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله وغضب لله ، ورضي لله؛ امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) أبو داود . وقد تبرأ الرسول صلى الله عليه وسلم ممن يناصر الظالمين ، عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد عليَّ الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد عليًّ الحوض)رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني . لقد كانت ظاهرة التعاون على الإثم والعدوان ومناصرة الظالمين عادة جاهلية فهذا شاعرهم يقول:
وما أنا إلا من غزيةَ إن غوت غويتُ وإن ترشد غزية أرشدِ
وها هي تسود هذه الأيام من قبل من يُسخَّرون لقلب الحقائق، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل وإشاعة الكذب، وتحريف الكلم عن مواضعه متناسين أن الحق حق مطلوب ، وأن الباطل باطل مرفوض ، ولا يجوز أن نزينُ الباطل أو نقلب الحقائق لخدمة الغير ، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ ينهانا الله أن نجادلَ عن الخائنين وأن نقنعَ الناس بأن باطَلهم حق، طلباً لمصلحة أو الحصول على منفعة ، لأن مصلحةَ الوقوف مع الحق أعظمُ من كل مصلحة ومنفعة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا ألا نكون عوناً للظلمة فقال: (مَنْ أَعَانَ ظَالِماً لِيُدْحِضَ بِبَاطِلِهِ حَقّاً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله وَذِمَّةُ رَسُولِهِ) أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. ولخطورة مساعدة الظالم في ظلمه فقد حذرنا الله من ذلك فقال تعالى: ﴿ وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ النساء 140 قال القرطبي في التفسير: دلت الآية على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يتجنبهم فقد رضي بفعلهم، والرضا بالكفر كفر وبالمنكر منكر؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾؛ فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ، فينبغي على كل مسلم يريد أن يخلص نفسه من عذاب الله أن ينكر على من تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم ، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون منهم ، كما حذر الله من الركون إلى الظالمين فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾ هود 113 والركون يعني: المجاملة والمداهنة، والميل إليهم بالمحبة والمودة، وآفة الدنيا هي الركون للظالمين لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم ، وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب الركون إلى الظالم أن تزين له وللناس هذا الظلم .
جاء خياطٌ إلى سفيان الثوري فقال: إني رجل أخيط ثياب السلطان (وكان السلطان ظالمًا)، هل أنا من أعوان الظلمة؟ فقال سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم، ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيوط..!! وجاء في الأثر: “إذا كان يوم القيامة قيل: أين الظلمة وأعوانهم؟ أو قال: وأشباههم فيُجمعون في توابيت من نار ثم يقذف بهم في النار”.
فعلى المسلم الحذر والابتعاد عن الظلم والدخول على الظَّلَمة ومخالطتهم ومساعدتهم ومداهنتهم؛ لئلا يحل به العذاب قال تعالى: ﴿ولاتكن للخائنين خصيماً ﴾ فإذا رأيت إنساناً خائناً لدينه أو لوطنه وشعبه وأمته ،أو لكل القيم الوطنية والأخلاقية فلا تدافع عنه ، حتى ولو كان قريبك أو صديقك لأن المسلم لا يمكن له أن ينسجم مع الخيانة بكل أشكالها ، سواء كانت خيانة دينية أو سياسية أو اجتماعية أو أمنية أو في أي مجال ٍمن مجالات الحياة ويقول تعالى في آية أخرى ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ إي لا تدافع عن هؤلاء السارقين والمختلسين والخونة في خياناتهم وسرقاتهم واختلاساتهم ، فديننا الإسلامي يحارب الطغاة والبغاة والظلم والظلمة، قال تعالى: ﴿ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ آل عمران 57 وجاء في الحديث القدسي الذي يرويه صلى الله عليه وسلم عن رب العزة :(يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تظالموا)رواه مسلم.
فمن يدافع عن الظلمة والظلم، كمن يهدم الإسلام فقد ورد عن زياد بن حدير قال : قال لي عمر :هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟ قال: قلت : لا قال : يهدمه زلة العالم ،وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلّين”رواه الدرامي وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح1/57. ولا يجوز للمسلم أن يغض الطرف عن جرائم الحكام الظلمة في حق شعوبهم وأوطانهم وأن يكون مدافعاً عن الذين سيطروا على خيرات الأمة ونهبوها وسلخوا الأمة عن دينها وعقيدتها، واستوردوا الأنظمة الوضعية ، وسلطوا أجهزتهم الأمنية القمعية على شعوبهم فسامتهم سوء العذاب، وارتكبوا المجازر في حق شعوبهم وغير ذلك من الفساد والإفساد، والظلم والاستبداد، الذي حاربه الإسلام محاربةً شديدةً، ونعى على الظلمة والفاسدين والمفسدين، ومن يستعرض النصوص في كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم يرى صدق ذلك ، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾ البقرة 205، وقال تعالى: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ المائدة الآية64 ، ومن يصفون ما يجري من ثورة على الظلمة ، بأنها فتنة ويحتجون بأحاديث الفتن ، ونسوا أو تناسوا أن ما يجري ما هو إلا صراع ضد الظلم وضد الطغيان الذي أمر الإسلام بإزالته والخلاص منه ، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ الشورى 39، وقال تعالى:﴿ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴾ الشورى 41 وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم، فقد تُودع منهم )رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *