قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ، فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه ، أذلةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم } المائدة 54.
إن المؤمن عزيز على الكافرين بأنه لا يُغلب ، والعزة هنا هي العزة للعقيدة والاستعلاء لراية الجهاد التي يقف تحتها ، وحتى يبقى المؤمن عزيزاً ، لابد أن يجاهد في سبيل الله ، لتكون كلمة الله هي العليا ، ولا عزة للمؤمن بغير الإسلام قال تعالى:{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } .
والمؤمن يعيش هذه الأيّام مواقفَ امتِحان وابتلاء ، وقد أوضح لنا كتاب ربنا الطريق ، وأوضح لنا أسبابَ القوة وأسبابَ الضعف ، وشخّص لنا الأمراض ، ووَصف لنا العلاجَ ، ليس تقريرًا سياسيًا يتلوّن بألوانِ الأهواء ، وليس بحثًا اجتماعيًا تتعثّر استنتاجاتُه ، ولا تحليلاً نفسيًا تضطرِب إحصاءاته ، ولكنّه كتاب هدايَة ونور ، لا تشوب حُكمَه الشّبهات ، ولا تضِلّ دليلَه الشهوات ، فهو حقُّ اليقين وعين اليقِين وعلمُ اليقين من ربِّ العالمين .
إنَّ المصيبة إذا ما أُصبنا بنكبة ، أن لا نعرِفَ معنَى النكبة ، ولا نفقهَ أسبابَها ومداها ثمّ بعد ذلك لا ندري أينَ المخرجُ منها فالسّنن الربانيّة والنواميس الإلهيّة ، وما شهِد به تاريخُ الأمّة وتاريخ الأمَم ، تدل على أن الأسباب تتَّصِل بمسَبّباتها ، وترتبِط النتائج بمقدّماتها ، وتعرَف الغايات من وسائلِها ، إنّها نتائجُ محتومة لأسبابٍ معلومة وقد دلت التجارب في الماضي والحاضر ، على أن زحف الأعداء لا يوقِفه إلاّ الإسلام ، وميل الميزان لا يعدّلُه إلاّ القرآن ، فلا نصر إلا بالإسلام ، ولا نصر يأتي بغير الإيمان ، ولا إيمان بغير الرجوع إلى الإسلام .
ولا بد للإسلام من مسلمين ، ولا بد له من مؤمنين ، فالله تعالى يقول لرسوله : { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } . ذكرت الصحف أن رجلا أجنبيا درس الإسلام ، فأعجب به ، وأعجب بتعاليمه ، فقال كلمة يجب أن نحفظها ونرويها ماذا قال ؟ قال : ما أعظمه من دين لو كان له رجال ، دين عظيم ولكنه في حاجة إلى رجال عظماء ، دين قوي ولكنه في حاجة إلى رجال أقوياء .
إن الأمة وهي تتعرض لنكبات قاسية ، تتمثل في الحروب التي تتعرض لها بلاد المسلمين ، والتي لم تضع أوزارها بعد ، والتي تحمِل نُذُرَ سوء أورثت قلقًا ، وولَّدت يأساً ، إنها مدعوة إلى أن تقِف موقفَ تأمّل ونظرٍ في سُنن الله ، وفي تأريخ دينِ الله ورُسله . فقد تكون المِحن والنكبات التي يعاني منها المسلمون سببًا من أسبابِ اليقظةِ والعودَة لدين الله .
لقد حقق الأعداء قديماً على المسلمين نصراً ماديًّا وعسكريًّا ولكن لم تُهزَم قِيمهم ولا مبادِئهم، ولم تنهزِم روحُهم ولا إيمانهم ، فتحوّلت الهزيمة إلى نصر بعد حين ، وسرعانَ ما غزت الأعداء ، قِيَم المجتمعِ المسلم ، فأسلم التّتار وهم المنتصِرون واندَحر الصليبيّون وهم الغالِبون ، كلّ ذلك على أيدِي المسلمين ، وقد كانوا هم المهزومين ، فجند الله هم الغالبون وقد جاء هذا الوعد بالنصر والغلبة والتمكين ، في قوله تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ، إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } الصافات 171 . فرسُل الله هم المنصورون ، وجند الله هم الغالبون ، كلمةٌ من الله سبقت ، ووعدٌ من الله لا يُخلَف ، على الرّغم من جميع العوائق ، وعلى الرّغم من كلّ صوَر التكذيب والتّشكيك ، فإن هذه القوى وهذه الحضارة التي تسود اليوم لا بد أن تبيد كما سادت الحضارات السابقة وبادت ، لأن الذي يبقى في النهاية عقائد المرسَلين ، لأنها الأظهَر والأبقى والأكمَل . وإنّ هذا متحقِّق في كلّ دعوة لله مخلِصة ، وفي كلّ دعاةٍ لله صادقين ، إنها دعوةٌ غالبة منصورة ، مهما رصَد لها الباطل من قوى الحديد والنّار ، وقوى الدّعاية والافتراء ، وقوى الحرب والمقاومة . معاركُ تقوم بين أهلِ الحقّ والباطل ، ولكنّ نتائجَها تختلِف حتى تنتهيَ إلى وعد الله الحقّ ، الذي وعد رسلَه وأولياءه وجندَه ، وهو وعدٌ لا يُخلَف ، ولو قامت في طريقه كلُّ قوى الأرض ، وهو سنّةٌ من الله ماضية ، غيرَ أنَّ هذه السّنن مرهونة بتقدير الله تعال ، يحقِّقها حين يشاء وكيف يشاء ، وقد تُبطئ آثارها الظاهرة بالقياس في أعمارِ البَشر القصيرةِ المحدودة ولكنّها لا تُخلَف ولا تتخلّف أبدًا ، بل قد تتحقّق في صورةٍ لا يدركها البَشر ، لأنّهم يطلبون المألوفَ من صوَر النّصر والغلبة ، ولا يدركون تحقُّقَ السّنّة في صورةٍ غيرِ مألوفة إلاّ بَعد حين . قد يريد البَشَر صورةً معيّنة من صُور الغلبة والنّصر ، ويريد الله صورةً أخرى أكمَل وأتمّ وأبقى ، فيكون ما يريد الله ولو تكلّف جندُ الله من المشقّة وطول الأمَد أكثرَ ممَّا ينتظرون قال تعال : { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ، لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } الأنفال 8 .
فالنّاس يقصُرُون معنى النّصر ، في حدودٍ معيّنة معهودةٍ ، قريبة الرّؤى لأبصارهم فالأزمات مهما اشتدّت ، والخطوب مهما ادلهمّت ، فإنّ دينَ الله سيبقى عزيزًا منصورًا ، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليل ، والأرض لله يورِثها من يشاء من عباده ، ويَرثُها عباد الله الصالحون . نعم سيبقى دينُ الله عزيزًا ، وستبقى العزّة للمؤمنين لأن العزة عزّة مبادئ وعزّة قيَم ، لا عزّة جماعات ولا فِئات فالهزيمة بحقٍّ هي هزيمة الأمّة حين تتخلّى عن قيَمها ، وتبتعِد عن مبادئها ، لأن المنتصِر هي المبادئ والأفكار وليس الأشخاص .
ولتقريرِ هذه الحقيقةِ تأمّلوا قولَ الله عزّ وجل: { مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً } فاطر10. إنها حقيقةٌ ثابتة ، لا تتغيّر ولا تتبدّل ، حقيقةٌ كفيلة بتعديل القيَم والموازين ، وتعديل الحُكم والتقدير ، وتثبيت المواقف ، وتعديل المنهَج والسّلوك وضبط الوسائل والأسباب ، وإذا استقرّت هذه الحقيقةُ في قلبِ المؤمن وثبتت في يقينه ورسخت ، وقَفَت به أمامَ الدّنيا كلِّها عزيزًا كريمًا ثابتًا غيرَ متزعزِع وحينئذ لن يحنيَ رأسَه لمخلوقٍ متجبّر ، ولا لعاصفة طاغية ، ولا لحدَث جلَل ، ولا لمصلحةٍ مهما كانت ، لأن الحقّ غايتُه ، والعدلُ مبتَغاه ، والباطل خصمُه ، والظالم عدوّه . ومع هذا الوضوحِ في مبدَأ العزّة فهي ليسَت عنادًا مستكبرًا ، وليست طغيانًا فاجرًا ، وليست اندفاعًا باغيًا ، يخضَع لنـزوةٍ أو يذلُّ لشهوة ، وليست قوّةً عمياء تبطِش بغير حقّ وتسير بغير عَدل .
فالعزّة استعلاءٌ على شهوَة النّفس ، ورفضٌ للقيد والذّلّ وارتفاع عن الخضوع لغيرِ الله ، بل هي خضوعٌ لله وخشية منه وتقوى ومراقبة في السّرّاء والضّرّاء ، وفي هذا الخضوع ترتفِع الجِباه ومن هذه الخشيَة تمتنع عن كلّ ما يأباه ، ومن هذه المراقبة لا تبتغي إلا رضاه .
إن العزّة في حقيقتِها ووسيلتِها ، هي في نصر رسالة المرسَلين وغلبة جندِ الله المخلصين ، أمّا النّتاج الماديّ والمكتشفات في العلوم والتقنيّات والآلات والمخترعات فكلّ ذلك لا انتماءَ له وميراثٌ لا جنسيّة له ، يستحقّه كلُّ مُجِدّ ، ويناله كلُّ من أخَذ بالأسباب على وجهِها . أمّا الأفكار والمبادئ فهي تراثٌ خاصّ تنهض به الأمّة ، صاحبة الرّسالات ووارثةُ الأنبياءِ .
إنّ حضارةَ الأمم لا تُقاس بالقوى الماديّة وحدَها، ولكنّها تقاس بمبادئها في أخلاقها ونُظُمها ، وإقامةِ العدل واحترام الحقّ ، فالإنسان لا قيمةَ له بجنسه أو عِرقه ، ولكن قيمته بإيمانِه وأخلاقِه وصحّة معتقدِه .
وإنّ لكم من دروسِ أيّامكم هذه في محنتِها وفتنتِها ، ما يجلِّي لكم ذلك كلَّ الجلاء ، لقد نزَع الخصومُ الزّيفَ الذي كانوا يتقنّعون به من قيَمِ التّحضّر ، وموازين العدلِ والإنصاف وحقوقِ الإنسان ، لقد تجلّت الرّغبة الجامِحة العارِمة في نهبِ الثّروات ، ومحاصرة الأمَم والتحكّم في المصائر ، لقد ظهَر جليًّا أنّ تلك القيَم عندهم كانت انتقائيّة ، والمبادئ كانت دعائيّة لا تصمُد أمام تحدّيات الأطماعِ وصِراع المصالح والأنانيّات .
كم في طيّات المِحن من مِنح ، فلعلّ من الخير أن تنبّه كثيرون من المخدوعين من أبناء الأمّة فصاروا يراجِعون مواقفَهم ويتحوّل إعجابُهم بحضارتهم إلى صدمةٍ عنيفة ، فقد أظهرت هذه المحنُ خبايا المنافقين ، ممَّن كان يضمِر للأمّة ودينِها كل كيد ، فكشفتهم هذه الأزَمات .
أليست هذه من بشائر الانتصار ومظاهرِ العزّة؟! لقد أفاق كثيرٌ من المسلمين ، وانجلت عنهم سحُب الغفلة ، لقد بعثت هذه المحَن روحًا كانت قد خبَت أو كادت ، فأصبحت الأمّة تتحدّث بقوّة عن عزّتها وكرامتِها وعن حقوقِها ، رَغم ما تعانيه من البطش والاستضعاف ، لقد بدأتِ الأمّة تنظر بيقظةٍ وتنبّه إلى الإحساس بخطورَة أعدائِها ، وعِظَم مخطّطاتهِم .
أما آن للمسلمين أن يتمسكوا بدينهم الحقّ ، وما الحقّ إلا أن يتَّحِد أهلُ الإسلام ، وما الحقّ إلا أن ينبذوا الخلافَ والتخاذل ، وما الحقّ إلا أن توزَن الأمور بموازينها ، أما آن للغافلين أن يستيقِظوا ، وعلى المذنبين أن يُقلِعوا ، وعلى القانطين والمستيئسين أن يستبشِروا ويتفاءلوا وعلى الطائِعين المستقيمين أن يستقيموا على المنهج قال تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ} آل عمران 149 . إنه لا بدّ للهمّة العالية أن تنال مطلوبَها، ولا بدّ للعزائم المتوثِّبة أن تدركَ مرغوبَها . فالمواقِف مع الأعداء هي مواقف دينٍ ووجود ، لا معارك أرضٍ وحدود ، معارك دين واعتقاد وليست معاركَ سياسة واقتصاد . لا بدّ من ردّ قضايا الأمّة إلى مدارها الإسلاميّ بكل آفاقه وأعماقه ، لا بدّ من نبذِ كلّ أعلام التبعيّة ورايات الإلحاد ، حتى يتبوّأ الإسلام مكانَه ، ويأخذَ القرآن موقِعَه تُرفَع راية القرآن ، وتسير الأمّة بنور كلماتِه تُرَدّ القضايا إلى خطّها الأصيل ، حتى تصبحَ قوّةً تتأبّى على الوأد والاحتواء والترويض والتّدجين ، إنها القوّة الإسلاميّة التي لا بدّ أن تُستنفَر للذّود عن المقدّسات ، بعد أن أفلَست كلّ الدعوات الادّعاءات . إن على الأمّة أن تنتصرَ لقضاياها قبلَ أن تطلبَ من الآخرين الوقوفَ معها ، عليها أن تقِف بكلّ طاقاتها قبلَ أن تناشدَ الآخرين معاونَتَها ، فنصرةُ القضايا واسترداد الحقوقِ لن يتمَّ بجهود يبذلها الأعداء ، إنه لن يتم إلا بإعلان الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ، والجهاد على كافة الأصعِدة ، جهادٌ بالقلم ، وجهادٌ بالسّياسة ، وجهاد بالنّفوذ وجهاد بالاقتصاد والمال ، وجهاد بالقوّة والعدّة ، ألا فاتَّقوا الله رحِمكم الله ، واستمسِكوا بكتابِ ربّكم، والزَموا سنّة نبيّكم ينجزْ لكم ما وعدَكم ، عزًّا في الدنيا ، وحسنَ ثوابٍ في الآخرة
