قال تعالى : ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ الجمعة 7 .
هذه لفتة من اللفتات القرآنية تُقِرُّ حقيقةً ينساها الناس وهي تلاحقهم أينما كانوا وهي أن هذه الحياة هبة من الله ونعمة ، لا تحفظها الأسباب،ولا يبقيها الفرار من الموت قال تعالى : ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ البقرة 243 . فروا من الموت فأماتهم الله ليعلمهم أن الموت قدره وقضاؤه ، ثم أحياهم ليعلمهم أن الحياة هبة من الله ومنة منه وفضل ، ومن القصص القديمة التي تروى في عدم قدرة الإنسان على الفرار من الموت قصة وزير سليمان ، الذي كان جالسًا عنده يوما في وقت الضحى “فدخل عليه رجل يسلم عليه وجعل هذا الرجل يحادث سليمان ويحد النظر للوزير ففزع الوزير منه فلما خرج الرجل قام الوزير وسأل سليمان يا نبي الله من هذا الرجل الذي خرج من عندك قد و الله أفزعني منظره ، فقال سليمان : هذا ملك الموت يتصور بصورة رجل ويدخل إلي ففزع الوزير وبكى وقال يا نبي الله أسألك بالله أن تأمر الريح وتأخذني إلى مكان بعيد فأمر سليمان الريح فحملته إلى الهند، فلما كان من الغد دخل ملك الموت على سليمان كعادته ليسلم عليه كما كان يفعل فقال له سليمان قد أفزعت صاحبي بالأمس فلماذا كنت تحد إليه النظر فقال يا نبي الله إني دخلت عليك في الضحى وقد أمرني الله بأن أقبض روحه بعد الظهر في الهند فتعجبت أنه عندك ومع هذا ذهبت إلى الهند كما أمرني الله لأقبض روحه فوجدته هناك”. فالموت قدرٌ لا مفر من لقائه في موعده لا يستقدم لحظة ولا يستأخر وأن الفرار لا ينفع في دفعه ، وأن الناس سيلاقون حتفهم المكتوب وأن لا عاصم لهم من الله ، ولا مولى لهم من دون الله يحميهم ويمنعهم من قدر الله ، وما ينجو من الموت من خافه ولا يُعْطى البقاء لمن أحبه ، لأن الحياة على هذه الدنيا محدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتماً فكل نفس ستموت وتفارق هذه الحياة ، ولكن الفارق بين نفس ونفس في المصير الأخير كما قال الله تعالى : ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾ . فلماذا لا نعمل عمل أهل الموتى ، ولم لا نبصر ولا نتدبر إذا كان الموت نهاية كل حي والمرجع إلى الله ولماذا لا نحسب حساب هذا المذاق أم أننا نستبعد النهاية والفراق ، التي هي قدر من البارئ الخلاّق ولقد أحسن القائل
كل شيء سوف يلقى حتفه في مقامٍ أو على ظهر سفر
والمنـايا حـوله ترصُـدُه ليس ينجيه من الموت الحذر
ألا ترون الأموات وقد فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب ، وظَعَنوا فليس لهم إياب قال تعالى : ﴿ كلا إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون ﴾ فالأيام تطوي والأعمار تفنى والأجسام تبلى ، والليل والنهار يتراكضان يقربان كل بعيد ويخلفان كل جديد قال الشاعر :
والمرء يفرح بالأيام يقطعها وكل يومٍ مضى يدني من الأجل
