لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون

جاء الإسلام ليعلم البشرية كلها ميزان العدل والإنصاف، ويربي أتباعه على اتزان النفس والعقل وعلى التزام الحق والاعتراف به ، والارتقاء من دركات الظلم والجور إلى مدارج العدل في الرضا والغضب؛ قال تعالى : ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ المائدة 8 فكان الرعيل الأول من هذه الأمة قممًا شامخة في الانحياز للحق ، ولو كان مع أعدى الأعداء ومقاومة الظلم والأخذ على يد الظالم ، ولو كان أقرب الأقربين، وكانوا مثالًا عمليًّا لتلك القيم السامية التي جاء بها الإسلام، وتطبيقًا واقعيًّا لأخلاقه الراقية وآدابه السمحة.
جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن مُوسَى بْن عُلَيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ) تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ. قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالا أَرْبَعًا، إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ ( . فالحديث يُعطي للأمة درسًا بليغًا في العدل والإنصاف؛ فيذكر خصال الخير في أمة كانت ومازالت من أعداء أمة الإسلام، وكان بينها وبين المسلمين معارك طاحنة، كان عمرو بن العاص نفسه أحد قادة المسلمين فيها، ورغم ذلك لم تمنعه الدماء والأشلاء من قولة الحق، وذكر محاسن الأعداء، وتلك هي قمة الاستعلاء النفسي والفكري الذي جاء به الإسلام ، هنا يذكر عمرو بن العاص ، في هذه الكلمات الموجزة، خمس خصال أعجبته في أمة الروم، فهم أحلم الناس عند فتنة، والحلم عند المصائب دليل على اتزان النفس، ورجاحة العقل وهم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة؛ فسرعان ما يتجاوزون صدمة الكوارث والنكبات ويسعون جاهدين في إزالة آثارها وعلاج تبعاتها وهم أوشك الناس كرة بعد فرة، والمقصود هو التحلي بالشجاعة والإقدام، وشدة البأس في الحرب والقتال، كما أنهم خير الناس لضعيف ومسكين ويتيم، فلهم نصيب وافر في رعاية الفقراء والمحتاجين وإقامة التكافل الاجتماعي، وهم أيضًا أمنع الناس من ظلم الملوك بما توافقوا عليه من علاقة واضحة محددة بين الحاكم والمحكوم، ومن سياسات راقية في إدارة الدولة، وسياسة الناس بالنسبة لما كان سائدًا في أزمانهم ، لم تكن هذه الخصال في ذلك الوقت غريبة على حس المسلمين، بل كانت أمة الإسلام ساعتها تُعلِّم البشرية تلك المبادئ، وتغرس فيها تلك الخصال، بواقعها العملي قبل توجيهها النظري؛ فعقيدة الإيمان بالقدر التي جاء بها الإسلام ، تُحفِّز المسلم على مواجهة المصائب بما يناسبها من استعدادات واحتياطات، فرارًا من قدر الله إلى قدر الله، وكم من نكبة حلت بالمسلمين على مر العصور فواجهوها برباطة جأش وسكينة فؤاد؛ فلم تثقلهم الصدمة عن استعادة توازنهم، والوقوف على أقدامهم، واستكمال مسيرتهم الحضارية؟!
وقد جاءت النصوص تدعو المسلمين إلى أن يكونوا جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، ولم تكتف شريعة الإسلام بمجرد الحث والتوجيه، بل وضعت من التشريعات والنظم ما يحفظ حقوق الفئات المحرومة في المجتمع الإسلامي، وجعلت تلك المسئولية على عاتق الحاكم ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة يأبى أن يدخل جوفه طعام غير الخبز والزيت، وحين تشتكي بطنه يقسم عليها قائلًا: ” والله لا تذوقي طعامًا؛ حتى يطعم أبناء المسلمين ” وقصته مع الأيتام حين حمل إليهم الدقيق على ظهره ونفخ الكير بنفسه، وطهي الطعام لهم معروفة ومشهورة ، وأما عن التزام العدل مع الرعية، والنهي عن الظلم، وما تصدع ملك أمة الإسلام وأفلت دولتها ، إلا حين غاب فيها العدل، وتفشى الظلم بين الناس ، في الوقت الذي صارت فيه دول الغرب قوية مرهوبة الجانب؛ لأنه أخذ بأسباب القوة المادية الدنيوية، في حين باتت دول الإسلام عبارة عن كيانات هزيلة، لا تشغل في ميزان القوة الدولية شيئًا يُذكر ، بينما الغرب يسعى بخطوات واثقة نحو التضامن والاتحاد ، وأمتنا مصرة على عدم التلاقي وتطبيق منهج الله ، متناسية أنها لن تصلح إلا بما صلح به أولها ، وما يمكن للأمة أن تستعيد مكانتها وتصون رسالتها إلا إذا صححت انتمائها وأصغت إلى قوله تعالى : ﴿ وان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ﴾ الأنبياء 92 .
إن الناظر إلي بلاد المسلمين يجد أن كثيراً من أبناء المسلمين قد أصابهم الإحباط من واقع المسلمين ويأسوا من أن تقوم لأمة الإسلام قائمة من جديد ويعتقدون أن سيادة المسلمين للعالم كانت تاريخاً مضى ، وأن المستقبل قد يكون للشرق أو للغرب من قبيل اليأس والقنوط ، وقد علق الشيخ الغزالي في كتابه سر تأخر العرب والمسلمين ، على هذه الفئة من الناس فقال ” وقد أفزعتنا أن يظهر في صحوتنا الإسلامية المعاصرة رجال أغرار ، لهم قدرة غريبة على نقل الأخطاء ، وتبنيها وبعثرتها في طريق نهضتنا ، وقد استيقنت أن زبانية الاستعمار العالمي يستبشرون بهذا الصنف من الموجهين الأغبياء ، وربما مكنوا لهم ورحبوا بهم ، فليس أسعد لأعدائنا من شعبٍ يَغْتصب قيادته ، سارقُ زعامته ، وليس أسعد له من بيت تديره امرأة جهول ، وليس أسعد من متدينين يستريحون لهذه الأوضاع ، ويحيون في ظلها أنصاف بشر ، ويرغّبون الناس في ذلك على أنه الإسلام ” وهنا نتساءل : أليس من العجيب حقاً أن يصيب الإحباط أمة تملك كتاباً مثل القرآن وحديثاً مثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العجيب حقاً أن بيأس شعب له تاريخ مثل تاريخ المسلمين وله رجال أمثال رجال المسلمين ، ومن العجيب حقاً أن يقنط قوم يملكون ثروات كثروات المسلمين وكنوزاً مثل كنوزهم ، وكيف تقنط أمةٌ قال ربها في كتابه: ﴿ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ﴾ لكنها حقيقة مشاهدة ، وواقع لا ينكر ، في غياب الأمل ، وضياع الحلم، وانحطاط الهدف ، فكانت الأحداث التي زرعت اليأس في القلوب الضعيفة فخضعت خضوعاً مذلاً حين كان يرجى لها الانتفاض وركعت ركوعاً مخزياً حين كان يرجى لها القيام.
والسؤال : لماذا صرنا إلى ما صرنا إليه؟!! هذا يرجع إلى الواقع الذي صنعه المسلمون بأيديهم لما فرطوا في دين الله ، وابتعدوا عن منهج الله ، فعانوا من الهزائم المتكررة ، والخيانات المستمرة التي أدت إلى ضياع البلاد والعباد ، وأدت إلى غياب القدوة ، وفقد الثقة في كل من يقود فظهرت ، المجاهرة بكل فسق ومجون وانحلال ، وإهمال لمشاعر الأمة التي عاشت قروناً وهي تحترم كل قانون إسلامي ، وكل أدب إسلامي وكل عرف إسلامي ، وأصبحنا نسمع عن السرقات والرشوة والفساد ، و الهروب بالمليارات من أموال المسلمين ، وزرع بذور اليأس في قلوب المسلمين ، وإقناعهم باستحالة النهوض من هذه الكبوة التي وقعوا فيها ، مما أدى إلى زيادة التدخل الأجنبي والذي أثر سلبياً على صناعة القرار السياسي وتعريضه للمزيد من الضغوطات .
فما الخلاص ؟ سأل عبدُ اللهِ بن مالك الفضيلَ بنَ عياض ما الخلاص مما نحن فيه ؟ قال: أخبرني، من أطاع الله هل تضره معصية أحد ؟ قال: لا ، قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد ؟ قال: لا قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *