إننا نعيش في أيام أصبحت الأمة الإسلامية ومقدراتها مقصد الطامعين ، فكيف ننتصر ؟ ومن هم جنود النصر المنشود ؟ ومن يقودنا في معركة الخلاص ؟ إذا علمنا أن الدعوة إلى الله هي التي لا تزال فارغة في خارطة العالم لا تشغلها أمةٌ ولا دعوة ، فإذا قادها المسلون أحسنوا إلى الإنسانية وإلى أنفسهم والمؤمن وحده في هذا العالم ، هو الذي يصلح للقيادة ، لأنه صاحب عقيدة لا تزول ولا تتحوَّل ، يحمل في جنبه قلباً يفيض حناناً ورحمة بالبشر دائم الحنين إلى ربه ، شديد الشوق على جنته ، لا يبالي أوقع عليه الموت أم على الموت وقع ، فهو معقل الإنسانية ومنتهى الرجاء ، وأمين الله في الأرض وخليفة الأنبياء هذا المؤمن بهذه الصفات ، وعد الله بنصره فقال تعالى :{ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } الروم 47 . فما المطلوب من المسلمين حتى يكون لدعوتهم تأثيرها هذه الأيام ويتوفر فيهم أهم شرط من شروط النصر وهو الإيمان كما كانوا في صدر الإسلام ؟ فكلمة الإسلام التي كانوا يتلفظون بها كانت ذات حقيقة ثابتة ، فتحولت هذه الأيام إلى ألفاظ مجردة ، ونطق فارغ ، ولأجل ذلك لا نرى لها تأثيراً في حياة الأمة ، تم نرى الناس يتوجهون إلى الله أن يمنحهم النصر المبين والاستخلاف والتمكين ، كما منحه لأجدادنا السابقين ، فنخدع بذلك أنفسنا ، لأنهم كانوا أصحاب جدٍ وحقيقة في الدين ، فقد كانت كلماتهم وأفعالهم تمثل حقيقة الإسلام ، بينما نحن متجردين عن هذه الحقائق ، لقد تمثلوا حقيقة الإسلام في كل ميدان ، فقد كان المسلمون في معركة اليرموك بضعة آلاف من المسلمين ، أما الروم فقد كان عددهم يبلغ أكثر من مائتي ألف ، فإذا بنصراني كان يقاتل تحت لواء المسلمين يقول : ما أكثر الروم وأقل المسلمين ، فيقول خالد : ” ويلك أتخوفني بالروم ؟ إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال .. ” .
فلماذا كان خالد مطمئناً ؟ ولماذا لم يشغل خاطره هذا العدد الهائل من جنود الروم ؟ لأنه كان مؤمناً بالله واثقا بنصره ، وكان يعلم أنه على الحقيقة ، وأن الروم صورة فارغةٌ عن الحقيقة وكان يعتقد أن الصورة مهما كثرت لا تقدر أن تقاوم حقيقة الإسلام وهكذا كان جيش المسلمين شجعاناً أقوياء ، لا يهابون العدو ولا يخافون الموت ، أتى رجلٌ من المسلمين يوم اليرموك وقال للأمير : إني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم تقرئه عني السلام وتقول : يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا . فهل يصدر هذا الكلام إلا من شخصٍ يوقن أنه مقتولٌ في سبيل الله ، وإذا حصل له هذا اليقين فما الذي يمنعه من استقبال الموت ؟ وما الذي يحول بينه وبين الشهادة ، إنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا لا يثبت لهم العدو فواق ناقةٍ عند اللقاء . روي أن هرقل لما انهزمت الروم قال لهم : ” ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم ؟ قالوا : بلى . قال : فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن . قال : فما بالكم تنهزمون ؟ فقال شيخٌ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ، ويوفون بالعهد ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصحون بينهم . ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغضب ونظلم ، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الأرض . فقال أنت صدقتني ” .
إن نظرة إلى واقعنا نجد أن نصيب صورة الإسلام في حياتنا أكثر من نصيب حقيقته وهذا سرُّ مصابنا وهزيمتنا إننا نؤمن جميعاً أن الآخرة حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والبعث بعد الموت حق ، ولكننا لسنا حاملين لحقيقة هذا الإيمان ، كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان . الذين عندما سمع أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) رمى بما معه من التمر وقال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلة وقاتل حتى قتل . لأن الجنة كانت عنده حقيقة لا يشك فيها . ففي تاريخنا المعاصر فضحتنا صورة الإسلام في كل معركة وحرب ، والذنب ذنبنا ، لأننا عقدنا الآمال الكبار بالصورة الضعيفة ، فخّيبت رجاءنا وكذبت أمانينا وخذلتنا في الميدان ويتكرر الصراع بين صورة الإسلام وشعوب العالم وجنودها ، وفي كل مرّة تنخذل وتنهزم الصورة ، ويعتقد الناس أنه هزيمة الإسلام وخذلانه ، حتى هان الإسلام عند بعض الناس ، وزالت مهابته في قلوبهم متناسين أن حقيقة الإسلام لم تتقدم إلى ساحة الحرب منذ زمن طويل ، ولم تنازله هذه الدول المعتدية ، وان الذي يبرز في الميدان هو صورة الإسلام لا حقيقته ، فتنهزم الصورة أمام الواقع ونولي الأدبار .
إن على كل مسلم أن يعلم أن وعد الله بالنصر والفتح في الدنيا ، والنجاة والغفران في الآخرة ، محصورٌ في حقيقة الإسلام وذلك في قوله تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } آل عمران 139 . جاء الخطاب للمؤمنين ، واشترط الإيمان لعزة المسلمين والعلو في الأرض . وقد أكد ذلك في آية أخرى فقال تعالى : { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } غافر 51 . وكل وعد من الله بالنصر في القرآن اشترط أن يكون في المسلمين حقيقة الإيمان .
إن أكبر مهمة مطلوبة للأمة هي الانتقال من صورة الإسلام إلى حقيقته ، بذلك تستطيع الأمة أن تذلل كل عقبة ، وتهزم كل قوة ، وتأتى بعجائب وآيات من الإيمان والشجاعة والإيثار يعجز الناس عن تعليلها ، كما عجزوا من قبل عن تعليل حوادث الفتح الإسلامي ، كما على الأمة أن تعلم أن النصر والخذلان من عند الله ، فعندما نقرأ قوله تعالى :{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم } . وقد نسأل ما هو المقابل ؟ والمقابل هو : {وإن يخذُلْكم فمنذ الذي ينصُرُكم من بعده } آل عمران 160 . إن للنصر قوانين وسنناً ، فإذا أخذنا بالأسباب التي أمرنا الله بها على قدر الاستطاعة ، فلا ينبغي أن نقارن عددنا بعدد أعدائنا ، ولا عدتنا بعدتهم لأن الله لا يكلفنا أن نقابل عددنا بعددهم أو عدتنا بعدتهم ، فقد طالبنا أن نعد ما استطعنا فقال تعالى :{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } . فالله يريد أن يصحب ركب الإيمان معونة المؤمن به وهو الله ، أما لو كنا متساوين معهم في العدد والإعداد ، لكانت القوة تقابلها قوة والغلبة للأقوى ، ولكن الله يريد أن يكون العدد قليلا وتكون العدة أقل ، وعند اللقاء نتوجه إلى الله بما قدرنا عليه وبالأسباب التي مكننا منها ، ونؤمن بأن الله مولانا يعيننا على أعدائنا ويمدنا بمدد من عنده قال تعالى : { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } . فعندما ننصر الله نضمن نصر الله لنا ، أما كيف نعرف أننا ننصر الله ؟ نعرف عندما تأتي النتيجة بنصرنا فمن نصر الله نصره الله ، قانون جاء بصيغة الشرط والجزاء قال تعالى:{ إن ينصركم الله فلا غالب لكم } . وإذا دلت الآية على أنه لا غالب لمن ينصره الله ، فلماذا لا ننتصر ؟ إن من سنن الله الجارية ، أنه إذا عصى الناس أمر الله واستباحوا محارمه ، وبغوا وظلموا وابتعدوا عن صراطه المستقيم ، ومنهجه القويم ، أن يجازيهم بسوء أعمالهم قال تعالى :
{ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } فاطر 43 .
ومن سنن الله أنه لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، من الانحراف عن المنهج ، وسلوك الطريق الخاطئ ، وتضييع الأمانة . قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الأنفال 53 . إنك لتجد الناس في مجالسهم يخوضوا ويتحدثوا عن حال الأمة الإسلامية ومآسيها ، ونكباتها وما أُصيبت به من الهوان والذل .
والسؤال هنا هل سألنا أنفسنا عن سبب ذلك ، أليس ما حل بنا راجع إلى تخاذلنا وضعفنا وتقاعسنا . أم أن هناك شيئاً آخر قد ضيعناه ونسيناه ؟ ثم لماذا تراجع المسلمون وهزموا ، وتقدم غيرهم وانتصروا ؟ ولماذا تفكك المسلمون وانقسموا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون وأعداء الله يرصون الصفوف ، ويجمعون الجموع ؟ ولماذا حورب الإسلام وأهله ، وفتح الباب على مصراعيه لأهل العلمنة والشر والفتنة وغيرهم ؟ وما هو الطريق الصحيح لتصحيح المسار، ومعالجة الأخطاء ، والرد على الكفار أعداء الله ؟ وإذا علمَ أن الداء منا فلم لا نبحث عن الدواء ولماذا لا نبحث عن أسباب المصائب التي تحل بالمسلمين ؟ إن ما أصاب المسلمين ما هو إلا بسبب معاصيهم وذنوبهم ومخالفتهم لأوامر ربهم ونواهيه قال تعالى:) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ( الشورى 30 وإذا كان ما أصابنا بسبب أنفسنا وذنوبنا وتقصيرنا في حق الله ، فإنه من المستحيل أن ننتصر لأننا ضيعنا الله ونسيناه ولا غرابة بعدها أن ينسانا قال تعالى : { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } الحشر 19 . وسنن الله لا تتغير ولا تتبدل فقد وعدنا بالنصر وأن يهزم عدونا ، إن نصرناه وجاهدنا لإعلاء كلمته ، وربينا أنفسنا على طاعته والفرار من معصيته قال تعالى:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } محمد 7 .
وعد الله المسلمين بالنصر والتمكين ، بشرط أن ينهضوا بتكاليف عقيدتهم التى بينها فى الآيات ، إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض ، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان .
والشر جامح والباطل مسلح . وهو يبطش غير متحرج ويضرب غير متورع ويمتلك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه ، وعن الحق إن تفتحت قلوبهم له إذن لابد للإيمان والخير والحق من قوة تحميه من البطش ، وتقيه وتحرسه من الفتنة .
ولم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير والحق وحيداً يكافح قوى الطغيان والشر والباطل ، اعتماداً على قوة الإيمان في النفوس ، إذ أن القوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب وتفتن النفوس . لهذا لم يشأ أن يترك المؤمنين للفتنة فأذن لهم في القتال لرد العدوان . وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة أخبرهم بأنه سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } . وأنه يَكْره أعداءهم لكفرهم وخيانتهم فهم مخذولون حتماّ قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } .
وقد حكم لهم بأحقية دفاعهم ، فهم مظلومون غير معتدين قال تعالى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } . وطمئنهم إلى أنه قادر على حمايتهم ونصره إياهم قال تعالى :
{ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } . وأن لهم ما يبرر خوضهم للمعركة لأنهم منتدبون لمهمة إنسانية كبيرة ، مهمة حمل الرسالة ونشر دين الله في الأرض ، التي لا يعود خيرها عليهم وحدهم ، وإنما يعود على المؤمنين كلهم ، لما فيها من ضمان لحرية العقيدة وحرية العبادة . لأنهم مظلومون أخرجوا من ديارهم بغير حق قال تعالى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } . وهى أصدق كلمة تقال وأحق بأن تقال . ومن أجل هذه الكلمة بل من أجل العقيدة التي اعتقدوها كان إخراجهم . فكانت الحاجة إلى الدفع عن هذه العقيدة ، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ، ويعتدون على أهلها قال تعالى :{ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } . فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول ، ولا يكفى الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه ، بل لابد من قوة تحميه وتدفع عنه . وهى قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان . والذي يفهم من الآيات إن الله يبدأ الإذن بالقتال للذين قاتلهم المشركون واعتدى عليهم المبطلون ، بأن الله يدافع عن الذين آمنوا ، وأنه يكره المعتدين من الكفار الخائنين قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } . وقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو الذي يدافع عنهم . ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتماً من عدوه ، ظاهر عليه فلم يأذن لهم بالقتال ، ويكتب عليهم الجهاد ؟ ولماذا يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح ، والجهد والمشقة ، والعاقبة معروفة ، والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة ، ولا قتل ولا قتال ؟ الجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا ، وأن لله الحجة البالغة .. والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ، ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من الكسالى ، الذين يجلسون في استرخاء ، ثم يتنـزل عليهم نصره سهلاً هيناً بلا عناء ، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء ! نعم يجب عليهم أن يقيموا الصلاة وأن يرتلوا القرآن ، وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء . ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها ، إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه المادي الذي يستطيعونه : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ويزيدون عنه بسلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله . لذلك شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم وهم يدفعوا ويدافعوا ، بكل ما أعدوا من قوة لمواجه القوة المهاجمة .
والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى حشد كل قواها واستعداداتها وتجميع كل طاقاتها ، كي تتهيأ لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها .
وإن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه . لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة . ولأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تحشد لكسبه . فهي بالتالي لا تستعد للدفاع عنه ، لذلك جعل الله دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ؛ ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء . وإن النصر قد يبطئ على الذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله . فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله .
قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم يتم بعد تمامها ولم يتم استعدادها وحشد طاقاتها ، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته لعدم قدرتها على حمايته طويلاً !
وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر . إنما يتنـزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله .
وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله ، وهى تعاني وتتألم وتبذل ، ولا تجد لها سندا إلا الله ، ولا متوجهاً إلا إليه وحده في الضراء . وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على المنهج بعد النصر عندما يتأذن به الله . فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله .
وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوتها فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها . والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفى سبيله بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليرى . فأيها في سبيل الله فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) رواه الشيخان . وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً . فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه ، لم يقنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة . فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية ! وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة . فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار . فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر ، ولاستبقائه ! وقد يبطئ النصر أيضاُ حتى تجرب الأمة السلام العالمي وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ! وحتى تجرب الانقياد تحت رايات علمانية تبعد الإسلام عن المعركة ! من أجل هذا كله ومن أجل غيره مما يعلمه الله ، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام . مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية . وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه ، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه قال تعالى:{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره .. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله ، فيستحقون نصره ، الذي لا يهزم من يتولاه ؟ إنهم هؤلاء قال تعالى :{الذين إن مكناهم في الأرض – أي حققنا لهم النصر وثبتنا لهم الأمر – أَقَامُوا الصَّلَاةَ – عبدوا الله ووثقوا صلتهم به – وَآتَوُا الزَّكَاةَ – وأدوا حق المال ، وانتصروا على شح النفس ، وتطهروا من الحرص وكفلوا الضعاف فيها – وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ – ودعوا إلى الخير والصلاح ، ودفعوا إليه الناس – وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ } وقاوموا الشر والفساد وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقي على منكر وهى قادرة على تغييره ، ولا تقعد عن معروف وهى قادرة على تحقيقه ، هؤلاء هم الذين ينصرون الله ، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة ، معتزين بالله وحده دون سواه ، وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين .
إنه النصر القائم على أسبابه ومقتضياته والشروط بتكاليفه وأعبائه .. والأمر بعد ذلك لله يصرفه كيف يشاء : فيبدل الهزيمة نصراً ، والنصر هزيمة ، عندما تختل القوائم أو تهمل التكاليف : { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } .
إنه النصر الذي يؤدى إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة . ومن انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح . وهو نصر له سببه . وله ثمنه . وله تكاليفه . وله شروطه . فلن يعطى لأحد جزافاً أو محاباة ، وإن علينا أن نعرف أن إقامة النصر في الأرض ، وإعادة الخلافة فيها لا يقدم لنا مباشرة على طبق من ذهب بل لا بد من الكلل والتعب والوصب والنصَّب ، حتى يأتينا نصر الله بعد أن علم منا الصدق في القلوب والصلاح في الأعمال والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .
