لمن الولاء

يقول الناس لا إله إلا الله ، محمدُ رسولُ الله ، ويعلمون أنَّها شرطُ الإسلامِ وأساسُهُ الذي لا يقومُ بدونه ، ثم ينقضونها ويُكذِّبونها بصرفُ الولاءِ لغيرِ حكمِ الله وشرعه ، كمن صرف ولاءَه للظلمة والطواغيت ، ولمن شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ، وأفتوا بغيرِ علم، ومن سار في ركابِ أولئكَ الطواغيت، يأخذون عنهم تشريعاتِهم ويخضعون لحكمهم، فتحول هذا المظهَر إلى واقعٍ أليم .
فنرى من يُشرِّعون, ويحكمون , وآخرون يُنفَّذون ويَخضعون وقد استساغ َ هذا الواقعُ الأليم كثيرٌ من المسلمين وألِفُوهُ ، فترى القضاة يحكمونَ بين الناس بقوانين وضعية ، فأفلَتَ المجرمون، وشُربتِ الخمورُ وبيعت في المحلات ، فترى من يسخر من شعائرِ الدين ، ويسب الذات الإلهية ويتمادى في ألفاظ الكفر ولا حساب ولا عتاب .
نرى من عَبَّد المسلمين لغيرِ الله ، وأعطى ولاءهُ لغيرِ الله تعالى ونسي كتابَ ربه ، وهو يُحذِّرهُ عاقبةَ التبعيةِ لغيرِ اللهِ تعالى, ويُصورُ لهُ مواقِفَ حيةً لأولئكَ المتبوعين, والأتباعِ يومَ القيامة حين يرون العذاب بين يدي اللهِ , وكيف يتبرأُ بعضُهم من بعض, وتعلُوهم الحسرةُ والندامة ، ويتمنونَ لو عادوا إلى الدنيا ، فيخلصوا للهِ وحدهُ ويكفروا بهم وبقوانينهم . وفي هذا يقول الله تعالى : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ البقرة: 166
موقف مخيفٌ ، تتقطعُ فيه العلائقُ والأسباب, يومَ يقفُ المستكبرون من حكَّامٍ وأمراء ، وسادةٍ وكهنة ، وعلماءِ سوءٍ ، ويقفُ الأتباعُ من الشعوبِ المستضعفةِ الخانعةِ ، لأولئكَ المستكبرين أمامَ بعضهم فيرتَجفُ المستكبرون وهم يرون شاهدَ جريمتهِم أمامَهم، ويتبرؤونَ منهم ويُنكرون صِلَتَهم بهم , وهُنا يستأ سدُ أولئكَ المستضعفونَ على طواغيتهم ، بعد أن رأوا زيفَ سلطتِهم ، فيتمنونَ العودةَ إلى الدنيا ليكفروا بهم ، ويتمردُوا على سلطانِهم ,ولكن هيهات! فهي حسرةٌ مُستمرة , ولوعةٌ قاتلة, وما هم بخارجين من النارِ ، ويعرضُ القرآنُ الكريم موقفاً أخر، أكثرَ صراحةً, ورُعباً من سابقه ، يقولُ اللهُ تعالى عن أمثالِ هؤلاء : ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ سـبأ:31 موقفٌ آخر يومَ القيامةِ ، بين طغاةِ البشرِ, وبين الذين اتبعوهم وأطاعوهم في الدنيا من دونِ الله تعالى, وكيفَ يُلقي المستضعفونَ على الذين استكبروا تبعةَ الوَقفةِ المرهوبةِ , وما يتوقعونَ بعدها من البلاء .
يقولونَ لهم القول الذي كان يمنعهم من قوله ، الذلُ والضعفُ والاستسلامُ وبيعُ الحريةِ التي وهَبَهَا اللهُ لهم , والكرامةِ التي منحها إيَّاهم ، والإدراكِ الذي أنعمَ بهِ عليهم, أمَّا في الآخرة ، وقد سقطت القيمُ الزائفة , وواجهوا العذابَ الأليم, فهم يقولونها غيرَ خائفينَ ولا مبالين : ﴿ لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ﴾ وهُنا يضيقُ الذين استكبروا بالذين استضعفوا , فهم في البلاءِ سواء, وهؤلاءِ الضعفاءُ يُريدون أن يُحَمِلوهم تبعَةَ الإغواءِ , الذي صَارَ بهم إلى هذا البلاء ، فيَردُون عليهم باستنكار , ويُجابهونهم بالسبِ الغليظ : ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ . إنه التخلي عن التبعةِ والإقرارِ بالهدى , وقد كانوا في الدنيا لا يُقيمون وزناً للمستضعفين, ولا يأخذون منهم رأياً , ولا يعتبرونَ لهم وجوداً , ولا يقبلون لهم مخالفةً ولا مناقشة . ولكنهم أمامَ العذابِ الأليم, يَسألونهم باستنكار , أنحنُ صددناكم عن الهُدى بعد إذا جاءَكم ؟ : ﴿ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ﴾ من ذاتِ أنفسِكم لا تهتدون لأنَّكم مُجرمون في إعراضِكم عن التحذيرات الإلهيةِ , واتباعِكم إيَّانا , ولو كانوا في الدنيا, لما تكلموا . ولكنهم في الآخرةِ حيثُ تسقطُ الهالاتُ الكاذبة , والقيمُ الزائفة , وتتفتحُ العيونُ المغلقة , وتظهرُ الحقائقُ المستورةِ ، عندها لا يسكتُ المستضعفون ولا يخنعون, بل يجابهونَ المستكبرين بمكرهِم ، في الصدِ عن الهدى , وتمكينِ الباطل والأمرِ بالمنكرِ، واستخدامِ النفوذِ والسلطان في التظليلِ والإغواء : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً ﴾ . ولكنه حوار لا يُنجِّي المستكبرينَ ولا المستضعفين , فلكلٍ جريمتهُ وإثمه , المستكبرون عليهم وزرهم وعليهم تبعةُ إضلالِ الآخرينَ وإغوائِهم ، والمستضعفون عليهم وزرُهم . فهم مسئُولون عن اتباعهم للطُغاة ، ولا يُعفيهم أنَّهم كانوا مُستضعفين . لقد كرمهمُ اللهُ بالإدراكِ والحرية , فعطَّلوا الإدرَاكَ ، وباعوا الحرية ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً , وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مُستذلين ، فاستحقوا العذابَ جميعاً , وأصابهم الكمدُ والحسرةُ وأسرُّوا الندامةَ لما رأوا العذاب : ﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾.
وقد شهدَ الظالمون أنفسَهم في ذلك المشهد الحي , شهدوا أنفسهم هُناك, وهم بعدُ أحياءٌ في الأرضِ, وشاهدهم غيرُهم ، كأنَّما يرونهم وفي الوقت متسعٌ لتلافي ذلك الموقفِ لمن يشاء .
ومن هُنا وجبَ على كلِ ذي فهمٍ وإدراك، ألاَّ يصرفَ تبعيَتَه, وولاءَهُ لغير الله تعالى, وأن يستعلي بإيمانهِ الذي وهبهُ اللهُ إيَّاه , وأن يعتزَّ بالعبوديةِ التي شرَّفهُ اللهُ بها , وألاَّ يتنازلَ مثقالَ ذرةٍ, ولا أقلَّ منها عن عبوديتهِ لغيرِ اللهِ تعالى، هذا إن أرادَ العافيةَ والسلامة ، وإلاَّ فإنَّ اللهَ يقول : ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فصلت 40 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *