لمن بكون النصر

إن الأمة الإسلاميَّة عامة، وبعض الدول التي نالتْها الثورات والمظاهرات خاصة، يبذل فيها حملة الدعوة الإسلامية ، جهوداً مضنية مع التيارات والاتجاهات العَلْمانية والليبرالية، في معركةٍ عَقديَّة وأخلاقية كبيرة، لا انتهاء لها إلا أن يشاء الله بانتصار الحق والعدل ، وقد جعل الله للنصر سُننًا كونية وشرعية تقع بأمره، مع اتِّخاذ الوسيلة المشروعة إليها؛ كما قال تعالى : ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ الحج 40، فنصْرُ الله لنا متعلِّق بنصر دينه وشريعته، وبذْل الأسباب الموصِّلة، وإعداد العُدة، كما قال تعالى : ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ الأنفال 60 .
وحتى تستحق الأمة النصر لا بد من تأهيلها لمرحلة القيادة ، وهذا أمرٌ واجب على الأمة ودُعاتها وحَمَلة العلم فيها؛ لأن القيادة والخلافة أمر واقع لا محالة بموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، في الوقت الذي يشاؤه الله تعالى، والذي يعلم فيه بعلمه أن الأمة تستحِقُّ أن تَسود العالم من جديد بمنهج الله وشريعته.
كما روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال : كنا جلوسًا في المسجد، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد، أتحفَظُ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفَظ خُطبته فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تكون النُّبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون مُلْكًا جَبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكَت) وروى الإمام أحمد عن حذيفة صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ذهبتِ النُّبوة فكانت الخلافة على منهاج النبوة ) وصحَّحه الأرناؤوط، والذي عليه بعض من أهل العلم أن المُلْك الجبريَّ هو هذه الحِقبة الزمنية التي تمرُّ بها الأمة الإسلامية الآن ، وإن الله تعالى سيهيِّئ للأمة الإسلامية طريقًا للعودة لهذه الخلافة الراشدة على مِنهاج النبوة الأولى. إن التمكين للأمة يكون بإقامة العقائد والشعائر والشرائع التي أمر الله ورسوله بها في جميع مجالات الحياة البشرية، والتمكين لهم بالإعلان عن عبوديَّتهم لله وحده لا شريك له في حُكمه ، في حرية كاملة دون خوف من الطُّغاة أو الظالمين، أو وجَلٍ من أعداء الله المتربِّصين والمنافقين ، وأن يَحكموا الناس بشريعة الله، وأن يرفعوا ظُلْم الظالمين، وفساد المفسدين، وأن يُقيموا ميزان الحق والعدل بين الناس بما أنزل الله تعالى، وأن يَرفعوا عنهم الذُّل والمهانة التي طالما عاشوا فيها سنينَ طويلة، يَذِلون فيها لأعداء الله ويحكُمون بقوانينِ الظُّلم والجَور بين العالمين.
إن الذين يُحارِبون شريعة الله ومنهجه، وتحريرها من أن تَذِل لغير خالقها وموجِدها، ويتخاذلون عن نصرة الإسلام والمستضعفين في الأرض، ومجاهدة الباطل وأهله، لا يمكن أن يكونوا من أهل النصر والتمكين ، لأن للنصر والتمكين سُننًا شرعية ، لا يتوصَّل إليها إلا بها، أخرَج أبو داود عن ابن عمر قال: سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تَبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزَّرع وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). وصدق القائل:
وكان البِرُّ فعلاً دون قولٍ فصار البِرُّ نُطقًا بالكلامِ
وقال الرصافي في ديوانه:
مَلأنا الجوَّ بالجَدلِ اصطِخابًا وكنا قبْلُ نَملؤه هُتافَا
وما زِلنا نَهيم بكلِّ وادٍ مِن الأقوال نُرسِلها جُزافَا
وإن استعجال بوارق النصر بطريق متلوِّن مع كل موقف، أو بخفض الجناح للمنافقين وأذنابهم ، فيه مخالفة لسنن النصر والتمكين قال تعالى : ﴿ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ ص 26 . ما يدل على أن معالم الاستخلاف والنصر والتمكين ، لم يتركها الله لأهواء الناس وأذواقهم ، لأن مصلحة الأمة تتمثَّل في تحقيق مناط العبودية لله ، والطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة والاعتصام بمنهج إقامة التمكين للطائفة المؤمنة المنصورة في الأرض، وذلك بتحقيق مَناط التمكين الحق، المذكور في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾النور 54 . ” وعدهم اللهُ بذلك وقت نزول الآية ، ولم يكن وقتها الاستخلافَ في الأرض والتمكين فيها ، فقام صدْرُ هذه الأمَّة، من الإيمان والعمل الصالح بما يَفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصَل الأمن والتمكين التام، وهذا من آيات الله العجيبة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، ما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجَد ما وعدهم الله، وإنما يسلِّط عليهم الكفار والمنافقين، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح. ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ الذين خرجوا عن طاعة الله، وفسَدوا، فلم يَصلُحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية للخير؛ لأن الذي يترك الإيمان في حال عِزِّه وقهْره، وعدم وجود الأسباب المانِعة منه، يدل على فساد نيَّته، وخُبْث طويَّته؛ لأنه لا داعي له لترك الدين إلا ذلك، وقد جاءت النصوص من الله ورسوله تدل على أنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمةَ الناس والولاةَ عليهم، وبهم تَصلُح البلاد، وتَخضع لهم العباد، ولَيُبدلَنَّهم من بعد خوفهم أمنًا وحُكْمًا فيهم ، كما دلت النصوص على أنه لا وعْد من الله بالنصر، إلا مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فالذين يمكِّن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يُقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهَون عن المنكر – فليس لهم وعْد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من أوليائه الذين وعَدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه ، وأن العاقبة لله ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ ﴾ فمَن سلَّطه الله على العباد من الملوك والحكام والأمراء ، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، والحالة الرشيدة، ومَن تسلَّط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصَل له مُلْك موقَّت، فإن عاقِبتَه غير حميدة، وولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *