ليس الإسلام مجرد تسابيح وأذكار وأدعيه

إن المدافع عن الإسلام ، لا ينقصه الحماس والإخلاص ، وإنما ينقصه عمق التجربة وحسن الفقه ، وحسبنا أن ثواب الله في كلمات تقال ، ومظاهر تقام، إن دين الله لا يقدر على حمله وتبليغه وحمايته ، الفاشلون في مجالات الحضارة الإنسانية ، كما أن العزلة عن الكون وعلومه ، جريمة في حق الإسلام ، وتأييد الحق الذي شرف الله به المسلمين لا يتم بالقصور العلمي ، إذ من المستحيل إقامة مجتمع إنساني ناجح ، إذا كان حملته جهالا بالدنيا عجزة في الحياة.
إن القطيعة بين الدين من ناحية‏,‏ وبين الكون والحياة من ناحية أخري ، ينكرها الإسلام كل الإنكار‏,‏ ويطلب من عباد الله الصالحين ، مسلكا يناقضها كل المناقضة‏ .
هناك من يريد المتاب ، والعمل للإسلام‏,‏ لكنه يدير ظهره للدنيا وعلومها‏‏ ، ويظن أن الذكر والشكر في العبادات المحضة‏!‏ ويتجاهل أن الإسلام رسالة توجب علي معتنقيها أن يجعلوا مجتمعهم أجدر بالحياة‏,‏ وأقدر على النجاح‏,‏ وكل ما يعين علي ذلك فهو دين وإذا نظرنا إلي العبادات السماوية ، نجد أداءها في اليوم والليلة لا يستغرق نصف ساعة‏ ويبقي الزمان بعد ذلك واسعا‏,‏ والمجال رحبا ، لفهم الحياة واكتشاف طاقاتها ، وتسخيرها لخدمة الدين‏.‏ وكل جهد يبذل في ذلك يسمى عملا صالحا‏,‏ وجهادا مبرورا‏ ، يؤهل العبد لرضوان الله‏ ،‏ ومن المستحيل إقامة مجتمع ناجح ، إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا عجزة في الحياة‏,‏ لأن الصالحات المطلوبة ، تصنعها فأس الفلاح ، وإبرة الخياط وقلم الكاتب ، ومشرط الطبيب ، ويصنعها الغواص في بحره‏,‏ والطيار في جوه‏ والباحث في معمله‏,‏ والمحاسب في دفتره‏ ، يصنعها المسلم ، صاحب الرسالة ، وهو يباشر كل شيء‏‏ ويجعل منه أداة لنصرة ربه وإعلاء كلمته‏.‏
ولقد دفعنا الثمن باهظا‏,‏ حينما فشلنا في ميادين الحياة‏,‏ وحسبنا أن مثوبة الله في كلمات تقال ، ومظاهر تقام‏ ،‏ نقول لمن اختزلوا الدين على الصلوات والأذكار‏,‏ وظنوا أن الأمم تقام بالهمهمة والبطالة‏,‏ من ينصر الله ورسله‏,‏ إذا كان أولئك جهالا بالحديد وأفرانه ومصانعه؟ هناك صناعات مدنية وعسكرية ، تتعلق بالنفط واستخراجه ، والانتفاع بمشتقاته‏ ، لا نعرف منها شيئا‏,‏ فهل نخدم عقيدة التوحيد ، وما ينبني عليها بهذا العجز المهين؟ ألا نرى لو قيل لكل شيء في البلاد الإسلامية‏,‏ عد من حيث جئت‏,‏ لخشيت أن يمشي الناس عراة‏,‏ لا يجدون ـ من صنع أيديهم ـ ما يكتسون ولا ما ينتعلون‏,‏ ولا ما يركبون‏ ، ولا ما يضيء لهم البيوت‏ ، بل لخشيت أن يجوعوا‏,‏ لأن بلادهم لا تستطيع الاكتفاء الذاتي من الحبوب‏!‏
إن الله لا يقبل تدينا يشينه هذا الشلل المستغرب‏,‏ ولا أدري كيف نزعم الإيمان والجهاد‏‏ ونحن نعاني من هذه الطفولة التي تجعل غيرنا يطعمنا ويداوينا‏,‏ ويمدنا بالسلاح إذا شاء؟
هناك الكثيرين من الذين يستحبون خدمة دينهم ، لكنهم لا يحسبون عرق الجبين في البحث عن البترول‏,‏ أو تلوث الجبهة وراء آلة دوارة‏,‏ لا يحسبون ذلك جهادا‏,‏ إن الجهاد في وهمهم تلاوات وأوراد‏,‏ وتكرار ما تيسر من ذلك مادام في الوقت متسع‏!‏ ولو أراد أعداؤهم أن يسمموا أمتهم في ميدان الدواء لفعلوا‏,‏ ولعجزوا عن مقاومتهم‏ ، لأن الإسلام في هذا الميدان مهزوم.‏ اليس الأولي بهم أن يصنعوا شيئا لدينهم في ميدان خلا منه‏,‏ بدل أن يختزلوا الدين في تسابيح وأدعية وبعض التلاوات ، وهناك من العلماء كالشيخ الغزالي وأمثاله من ذوي البصيرة‏,‏ من يرون في التدين الخاص‏,‏ المقصور علي العبادات المباشرة‏ قصورا في فهم الدين‏,‏ لا ينفع إلا إذا خرج المرء من ذاته ، وترجم تدينه في شيء ينفع الناس‏,‏ وفي شيء يحقق خلاص المجتمع والأمة مما تعاني ‏.‏
من المسلمين من لا يدري أبعاد المأساة التي تعيش فيها أمته‏,‏ ولا مدي التخلف الرهيب الذي يهدد يومها وغدها‏,‏ ومنهم من يهتم بمظهره الديني غاية الاهتمام ، ويؤدي الصلوات في مواعيدها‏,‏ لكنه يتهرب من مواعيد عمله‏,‏ ولا يتقن ما يوكل إليه‏,‏ ولا يمانع من أكل أموال الناس بالباطل‏,‏ ولا يَسْلَمْ الخلق من بذاءة لسانه وخشونة طبعه ، ومن أسف أن هذه الصورة من التدين هي الأكثر شيوعا في زماننا‏ ، هذا التدين الذي يمارسه البعض دون أن يكلفوا أنفسهم بأي تبعات في الأخلاق والسلوك ، ويتضاعف الأسف حين تدرك أن شيوع ذلك التدين الطقوسي والسهل ، يُضَيّع على المجتمع فرصة الإفادة من طاقات أولئك المتدينين‏,‏ ومن ثم يحرم المجتمع من خير كثير ،كان يمكن أن يتوافر له إذا ما بذل الجهد المطلوب في تصويب المفاهيم وترشيدها‏,‏ بحيث لا يعود الإيمان مجرد مشاعر وتصورات، ولا يعود الإسلام مجرد كلمات وشعارات، ولا مجرد شعائر تعبدية وصلوات. إنما هو إلى جانب هذا وذاك، وقبل هذا وذاك ، نظام يحكم ، ومنهج يتحكم وقيادة تطاع، ووضع يستند إلى نظام معين، ومنهج معين، وقيادة معينة. وبغير هذا كله لا يكون إسلام، ولا يكون مجتمع ، ينسب نفسه إلى الإسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *