إن الإسلام هو دين الله تعالى الذي يدعو إلى الاعتدال في جميع جوانب الحياة ولكن بعض المسلمين يركزون اهتمامهم على جانبٍ من الدين ويغفلون عن بقية الجوانب ، ويتصورون أنهم ينعمون بالطمأنينة في حياتهم في ظل أي نظام على وجه الأرض غير إسلامي مما يدعو للتساؤل : كيف يقبل المسلمون أن يستوردوا أصول مجتمعهم وقواعده من أية فكرة على وجه الأرض غير إسلامية ، وكيف يمكن أن يستوردوا تقاليدهم من أي مجتمعٍ غير مسلم ، ثم يظلوا مع ذلك مسلمين ، وكيف يمكن لمسلم أن يتصور أنه يستطيع أن يخالف تعاليم ربه في كل شيء ، ويخون أماناته كلها ، فيغش ويكذب ويخون ويخدع ، ويرتكب المحرمات ويقبل الذل والمهانة ، ولا يكلف نفسه عناء العمل على إيجاد المجتمع المسلم بسلوكه الذاتي أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع غير مسلم ، القائم على الظلم والانحراف والمعصية ، ثم بعد كل هذا يتصور أن بضع ركعاتٍ في النهار يمكن أن تسقط عنه تبعاته أمام الله وتسلكه في عداد المسلمين ، ناهيك عما ابتلى به المسلمون اليوم بالابتعاد عن منهج رب العالمين وكثير منهم من ركن إلى التقصير والتساهل بالأحكام الأصلية الصحيحة ، وقد ينسونها ويغفلون عنها ويهتمون بالدعوة إلى البدعة وتطبيقها والالتزام بها وفريق آخر ينابذون أصحاب الدعوة الحق ، ويشككون فيهم و يحملون عليهم ، وقد تصل الأمور إلى الملاسنة والشتائم والنظر إليهم يعين الحقد والكراهية ، مما يحقق لأعداء الله أهدافهم المرجوة من نشر الفرقة بين جماعة المسلمين ، وغرس العداوة والانشقاق بينهم ، الأمر الذي يؤدي إلى الانقسامات القاتلة التي تؤدي إلى الفساد والهلاك ، والخروج عن جادة الحق والصواب . وكيف يمكن أن تتصور المسلمة مخالفة تعاليم الإسلام فتخون الأمانة وتكذب وتغتاب ، وتخرج شبه عارية تعرض فتنتها في الطرقات ، وتخلّي نفسها من تبعة إقامة المجتمع المسلم ، سواء بالسلوك المستقيم في ذات نفسها أو بتربية أبنائها عليه ، أو بالدعوة إلى ذلك المجتمع ، ثم تشارك في إقامة مجتمع غير مسلم ، قائم على الظلم والانحراف والمعصية ، ثم يدور في خلدها بعد ذلك أن النية الطيبة في داخل قلبها يمكن أن تسقط عنها تبعاتها أمام الله ، وتسلكها في عداد المسلمات
وهنا سؤال : من أين أتت تلك الأفكار الغربية التي تقول ما للدين ونظام المجتمع ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة ؟ ما للدين والتقاليد ؟ ما للدين والفن ؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتلفزيون ؟ إلى غير ذلك من التساؤلات . لم يكن المجتمع المسلم كذلك ، لأنه كان يمارس أصول الإسلام و قواعده ، وتحكم حياته المفاهيم الإسلامية في الكليات والجزيئات وكان يستمد قوانينه كلها من شريعة الإسلام ، ولا يستمدها مصدر سواه ، ولم يفهم المسلمون في المجتمع الإسلامي كما فهم المسلمون في هذا العصر ، بأن الإسلام هو مجموعة من العبادات يؤديها الإنسان بمعزل عن السلوك العملي ، يتجه إلى الله مخلصاً إثناء العبادة ، ولا يهمه أن يتجه إلى غير الله في أي أمر من أمور الحياة . ولم يفهموا ما فهمه الأولون لمعنى لا إله إلا الله بأنه وحده الذي يملك ويحكم ، وهو الذي يشرِّع للبشر ويضع لهم قوانين حياتهم ودستور معيشتهم ، وأن النية وحدها لا يمكن أن تكون إسلاما ، وما لم تتحقق في أعمال محسوبة وسلوك واقعي ، فهي لا تساوي شيئاً في ميزان الواقع وميزان الله والرسول صلى الله عليه وسلم لحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال 🙁 ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقته العمل ) . فالنية وحدها لا تكفي لأنها لم تتحول إلى حركة وعمل ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركها حق إدراكها وهو يقول : وصدّقة العمل ، كما كان يدركها أصحابه الأوائل وهم يجاهدون ويجتهدون ليقيموا المجتمع على قواعد الإسلام ، ثم ما قيمة النية الطيبة التي يدعيها كثير من الناس ، حين يطلب منهم مطالبة الناس بالتحول عن انحرافهم أو مواجهة الطواغيت ، وما ينتج عن ذلك من أخطار على الحياة ، وما هو الرصيد الواقعي للنية الطيبة الكامنة في الضمير وما قيمة هذه النية إذا لم تتحول إلى قوة ظاهرة تعمل في واقع الحياة ، وهل كان تعنتاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم ليس الإيمان بالتمني ، أم أنه كان واقعياً إلى أقصى درجات الواقعية . إن الرصيد الحقيقي لهذه النية ، هو مقدرتها على مقاومة الهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها ، من أجل ذلك لم يكتف الإسلام فقط بالنية الطيبة ، ومن أجل ذلك لم يقل القرآن الذين آمنوا وإنما قال دائماً الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهو ما وقر في القلب وصدقه العمل ، فالإيمان لا بد أن يقترن بالعمل ، لأن العمل هو ثمرة الإيمان وبرهانه وعندما قال قومٌ فرَّطوا فيما يجب عليهم : نحن نحسن الظن بالله ، قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل ) . ولم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلماً بالنية الطيبة ، وهو يخالف الإسلام في سلوكه الواقعي اعتماداً على أن الله رب قلوب ، وأنه مطلع على بواطن النفوس ومدرك للنوايا الطيبة المختفية وراء الأعمال ، وإنما أدركوا أن النية والعمل وجهات لأمر واحد ، وأن العبادة تلتقي مع العمل في معنى واحد لأن الإنسان خُلق في هذه الأرض ليعمل ، وقد جعلت الدنيا مزرعةً للآخرة ، ومن لم يعمل فقد عطَّل حكمة الله في خلقه ، وعصى أمره إذ يقول الله تعالى :
﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسولُه والمؤمنون ﴾ التوبة 105 .
إن النية الطيبة بدون عمل هي تمني فارغ لا رصيد له من الواقع ، والعمل وحده المنقطع عن النية الطيبة عمل ضائع في السماء والأرض ، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصاً ، لذا لم يفهم أحد من المسلمين أنه بهذه النية يكون مسلماً ، وهو يتسابق مع هواة وشهواته ، أو أن يترك المجتمع غير المسلم على ما هو عليه ، وإنما فهموا أن معنى إسلامهم ، هو تحويل هذا المجتمع المنحرف إلى مجمع مسلم بالله ويلتزم ويحدد ما أنزل الله ، وأن التشريع الإلهي هو المصدر الدائم للحياة ولا مصدر سواه ، وإلا فما معنى هذا الإيمان إذا لم يكن معناه التصديق بما يقول الله للناس في كتابه ، بأنه أراد لهم الخير بما شرع لهم والزمهم بتنفيذ ما شرع لهم ، وأنه يعتبرهم كافرين وظالمين وفاسقين إذا لم يحكموا بما أنزل الله ؟ إن الدين ليس للمتاجرة ، وجعله صنعة وحرفة ليطبق بعضه حسب الأهواء والأذواق ، والحاجات والمصالح الشخصية ، ويهمل بعضه الآخر إذا تعارض مع الهوى والمصالح ليتم نسيانه ، وإن أغلب ما تتقزز منه النفس اليوم ، يأتي من هذا الجانب للتطبيق الجزئي للإسلام ، وتمزيق الدين سواء من ناحية الفرد أو الدولة .
وقد طلب الشرع الالتزام بأحكام الدين عقيدة وشريعة وسلوكا ، ليتم تطبيقه الفعلي في الحياة ، وندد القرآن بمن يعرف حكم الله ولا يعمل على تطبيقه وبمن يدعو الناس إلى دين الله وهو لا يلتزم به ويعفي نفسه من ذلك قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ﴾ . وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة من يدعو إلى عمل ثم يخالفه ، وكيف يكون مصيره وجزاؤه يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم : ﴿ يؤتى بالرَّجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابُ بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ، مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ﴾ .
ليس الإيمان بالتمني
