ماذا يحدث في سوريا

يتعرّض الشّعب السوريّ منذ بداية الثّورة إلى سياسة قمعٍ أمنيّ شامل تجلّت في إطلاق النّار على المتظاهرين بشكلٍ منهجيّ ومثابر وبالتّعذيب، ثمّ بقصف المدن والأحياء المأهولة والتّدمير والتّهجير. ولا يجوز لأيّ تحليلٍ لمظاهر العنف في الثّورة أن يغفل الحقيقة الأساس، وهي عنف النّظام ضدّ المجتمع والإنسان، وهو عنف شامل وغير محدود بقوانين أو قيم أو روادع. لقد تحوّل الصّراع في سورية إلى صراعٍ مسلّح نتيجة لإصرار النّظام على خيار القمع المسلّح طوال أكثر من عامٍ ونصف ، كانت الثورة تقول أنها ضد التدخل الأجنبي، وهي حاليا تطالب بإلحاح بالتدخل الأجنبي بعد أن وصل الرد إلى مستوى خيالي من القسوة المفرطة بدك المدن بالمدافع والطائرات.
سوريا تعيش كل يوم في مذبحة وهذا يذكرنا بمذابح المغول من العصور الوسطى فكيف نفهم الإعدمات الميدانية والذبح بالسكاكين حتى للنساء والأطفال! الذي تورع عنه النازيين .
وهناك أيادي خفية من أطراف خفية حريصة على طول الحرب وتفتيت سوريا ، فكانت مختلفة عن الثورات في تونس ومصر واليمن فتلك التظاهرات لم تكلف عشر معشار الثورة السورية أما ليبيا فقد أراح الناتو الليبيين من المخاض السوري جزئيا ، ولكن المجنون الليبي ونيرون السوري أوحيا إلى الشعوب العربية أن باب الثورات دموي جدا جدا ، ومكلف جدا جدا وآثارها مؤلمة مدمرة، ولذا فهو درس لأي شعب عربي آخر، بل أي شعب في البسيطة، أن حذاري من الثورة فتصيبك النار السورية التي لا تبق ولا تذر ، هذه النار قد تقوم بصهر الأمة وخلقها من جديد ، لكنها نار تؤدي إلى تدمير البنية التحتية لمؤسسات الدولة والجيش ، حتى ينشغل الشعب في إعادة البناء من جديد للدولة والجيش ، وتحويل الهم الأول بعد الثورة إلى هم داخلي قد يستمر لعشرات السنين يشغل الدولة ومعها الشعب عن التفكير حتى في مواجهة إسرائيل ، وها هي الأخبار تطالعنا كل يوم ، عن قوافل الشهداء، ومناظر الأشلاء وشلالات الدماء وعمليات الإجرام والحشية التي تمارس ، في ظل التخاذل العالمي عن نصرة المستضعفين ، ولعل أقرب حدث مشابه لما يجري على أرض سوريا اليوم ما قصه لنا القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود فحيثما كان الإيمان كان البلاء والامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، فحين أعلن أصحاب الأخدود إيمانهم بالله واجهوا الموت حرقاً بالنار، وحين أعلن سحرة فرعون إيمانهم برب هارون وموسى ،كان الصلب وتقطيع الأيدي والأرجل بانتظارهم، وها هو التاريخ يعيد نفسه مع أهل الشام، فما إن طالبوا برفع الظلم حتى أحاط بهم البلاء من كل جانب.
وهذا يدل على أن المعركة بين المسلمين والكفار هي معركة عقيدة وليست معركة اقتصادية، أو عسكرية أو سياسية قال تعالى: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾البروج 4. وإلا فلماذا ذبح المسلمون في البوسنة والهرسك وفي آسام الهندية وفي جزر الملوك ويذبحون اليوم في مالي وبورما وفي سوريا الآن ؟
تلك هي أخلاق الطغاة في مواجهة المؤمنين على مدار التاريخ ، إنها لغة التهديد والوعيد والتصفية الجسدية، والإبادة الجماعية، في مواجهة كل من يفكر أن يتخلص من العبودية لهم وإعلان العبودية لله. وها هي الأخبار تطالعنا عن كيفية ذبح الأطفال وكيف يدفن الناس أحياء وكيف تهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها، فما يزيد ذلك الناس إلا إقداما على الموت من أجل حياة العزة والكرامة ، ومن أجل انتصار العقيدة والدين ، ولو افترضنا عدم الانتصار المادي ، فإن الثوار بثباتهم حطموا أصنام الطواغيت والظلمة ، أما الانتصار المادي فهو بيد الله ، الذي لا يضيع لهم الأجر قال تعالى: ﴿ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ﴾ . فليطمئن كل ثائر على نظام البغي والطغيان وكل من فقد أحبابه، ومن أسر ابنه، ومن هدم بيته ومن ضاعت دنياه أن الله لن يضيع جهدهم وجهادهم ، إما النصر وإما الشهادة .
تعيش الثورة السورية ملحمة لم يشهد لها التاريخ مثيلا, فالثبات الأسطوري الذي تبديه في مواجهة آلة القمع يثير الإعجاب ويحير الألباب ، فتحية إجلال وإكبار نقدّمها لدماء الشهداء ولهامات الرجال والأطفال والنساء الذين يسطرون تاريخا ناصعا وثباتاً إسطوريا لذا فإن التحرك الدولي تجاهها بطيء ومتردد ، والمواقف منها مشوبة بالحذر، فاختلف تعامله مع القضية السورية عن تعامل مع قضية ليبيا, فاقتصر الموقف على التلويح بالعقوبات الاقتصادية كأداة ضغط ، مع إدراكها بعدم جدواها وقد يكون ذلك إشارة تطمين للنظام حتى يخمد الثورة ، دون أن يتوجس خيفة من التدخل الغربي وفي ذلك ما يدل على أنهم لا يريدون للنظام أن يسقط ، وأن لا قيمة لإرادة الشعوب وأن الاعتبار الوحيد لمواقفها هو مصالحها ليس غير, وحتى وقوف أوروبا مع الثورة السورية ليس من أجل الشعب السوري وليس من أجل نصرة للمظلومين من شعوب العالم, فالسياسة الغربية خالية من القيم الإنسانية والمعنوية والخلقية, لأن القيمة المادية هي المتحكمة, وهي الدافع وراء الرغبة في التدخل.
إن في عدم التدخل الأجنبي رحمة من الله بأهل سوريا ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ . فقد رأينا أن التدخل الأجنبي لم يرفع القتل والقمع عن أهل ليبيا بل ضاعفه عشرات المرات . وقد كشفت الثورة السورية عن أن الدم العربي بالنسبة لجهات دولية هي أرخص من أن يحرك إنسانيتهم ناهيك عن طائراتهم وأساطيلهم ، اللهم إنا نسألك أن تجعل كيدهم في نحورهم .

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *