ماذا ينتظر المسلمون

قال تعالى:{ إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصُمَّ الدعاء إذا ولَّو مدبرين وما أنت بهادي العُمْىِ عن ضلالتهم إن تُسْمِعُ إلا من يؤمنُ بآياتنا فهم مسلمون }النمل 80 هل يمكن لعاقل أن يرجو خيراً من الأموات ؟ وهل نتوقع من عالم لا يسمع ولا يرى أن يقدم لنا شيئا ؟ً وإن كانوا يسمعون ويشاهدون فما أدري ماذا ينتظرون ؟ وحتى متى هم صامتون ؟ ولماذا لا يحركهم الجور الذي فشا والعدل الذي عفا . وطغيان اليهود الذي غلا وعتا ؟ وتجاوز كل الحدود وتجرأ على البلاد والعباد ، بل أمعن في الطغيان والعناد .
أما آن لهم أن يخرجوا عن صمتهم غضباً لله ؟ أما يحرِّك ضمائرهم سفك الدماء وانتهاك محارم الله ؟ أما يستفزهم النهب والسلب والتقتيل والتهديد والتشريد ؟ ألا يكفي كل هذا لتحريك هذا العالم وإخراجه عن صمته ؟ بل إن البلاء الأشد الذي أصيبت به الأمة ، هو عزلها عن العمل بمنهج ربها ودينها ، الذي يدعوها للقيام بواجبها الجهادي ، لتقف في مواجهة قدرها عارية من حافز الإيمان ، فلا تتقي البلاء ولا تدفع عن نفسها المكارة ، فتعثرت في خطاها وضاعت هويتها الذاتية ، والعدو يعتقل ويفتك ويقتل ، تناسوا الواجب ، وغضوا الطرف عن الخطر الداهم ، والعدو ماض في الاحتلال والاقتحام ، يعدُّ العدة ثم يشن الغارة ، ويستكين ثم ينقض ، يتقدم ونتراجع ، يتوسع ونتقلص ، يزهو علينا ويستهين بنا ، ولو سرنا على منهج ربنا الذي أمرنا بقتالهم ما زها ولا استهان قال تعالى:{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصُرْكُمْ عليهم ويَشْفِ صُدورَ قوم مؤمنين } التوبة 13 . لقد دلكم الله أيها المسلمون على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، تشرف بكم على الخير والإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله ، وجعل ثوابه مغفرة الذنب ، ومساكن طيبة في جنات عدن ، وأخبر أنه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ، أما الذين تركوا الجهاد فإن سلموا من سيف العاجلة ، فلن يسلموا من سيف الآخرة ، ولا يهولنكم أيها الأخوة ما ترونه من صبر إخوانكم في فلسطين ، فوالله ما ترون فيهم إلا حمية العرب والمسلمين ، وصبراً تحت راية لا إله إلا الله ، وإنهم لعلى الحق يجاهدون محتسبين ، حتى يحكم الله بينهم وبين اليهود وهو خير الحاكمين .
إن عدائنا لليهود هو عداء مزدوج لا هوادة فيه ، وإنهم يستخفّون بعقولنا ويستهزئون بنا فمنذ سنة 1948 صدرت ألوف القرارات التي تدين إسرائيل ولكن دون جدوى ، فهم مستمرون اليوم وغداً بالاستهزاء بنا والاستخفاف بعقولنا ، يتباكون على السلم ويفجرون الصراع ، يريدون سلماً بشروطهم هم ، وإلا فهم ماضون دون هوادة في عدوانهم يحاورون ويداورون ويطاولون ، وفي بقية ما تبقى طامعون ، إلا أن شعب فلسطين أثبتوا للعالم أجمع أنه مهما غلا الثمن وعظمت التضحيات ، ورغم وسائل القمع والتعذيب والاضطهاد ، الذي يمارسه اليهود ضد هذا الشعب الصامد إلا أنهم فشلوا في ثلم صلابة الإيمان ، في نفوس المجاهدين في فلسطين الذين قرروا أن يموتوا عند مقدساتهم .
لقد باتت وحدة العمل الإسلامي والتنسيق بين العلماء الدعاة والتشاور بين الجماعات ، من الأمور المطلوبة أكثر من قبل ، وأشد إلحاحا ، لأن معاناة المسلمين وما يلاقونه من عذاب وقهر وإذلال وقتل وتشريد ، والذي يتطلب الوقوف لوضع حد للمعاناة ، وإيجاد مخرج لها ، وللبحث عن أسباب ووسائل التمكين والعزة ، لأن الدموع والآهات والحسرات ليست هي الرد الأمثل على ما اتفق عليه أعداء الإسلام على ألا تقوم للمسلمين قائمة ، كما أن التوجه إلى الله بالدعاء لإهلاك الأعداء ونحن على ما نحن عليه ، دون اعتماد المنهج الإلهي للتغيير ، لن يغير من الواقع شيئا لا يشك أحد أن المستقبل لهذا الدين ، وأنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار ، وأن النصر لأمة الإسلام ، وأن هذا النصر من الله تعالى جعله على أيدي المسلمين أنفسهم وبجهودهم ، وأن ذلك لن يحصل إلا بأخذ الأسباب ، فنحن لسنا أعز على الله تعالى من رسوله الكريم ، إذ أخذ بكافة الأسباب-حين أراد الهجرة من مكة –من رفيق الطريق والزاد و الدابة واستئجار الدليل ، كل ذلك والله قادر على إيصاله إلى المدينة بأقل من طرفة عين ، ولكنها السنن والمدرسة التي يجب أن نتعلم منها ونتلمس خطاها.
أما التمني وأحلام اليقظة ، فهي لا تنتج إلا حرابا تنحر رقاب المسلمين ، لهذا طلب الشرع الالتزام بأحكام الدين عقيدة وشريعة وسلوكا ، ليتم تطبيقه الفعلي في الحياة ، وندد القرآن بمن يعرف حكم الله ولا يعمل على تطبيقه ، وبمن يدعو الناس إلى دين الله وهو لا يلتزم به ، ويعفي نفسه من ذلك قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } .
وفي هذا المجال لا ننكر جهود بعض المخلصين ونداءاتهم من أجل وحدة العمل الإسلامي ورص الصفوف ، رغم ما يعترض ذلك من صعاب ، ولكن النتائج لم تظهر أية مبادرة عملية في هذا الاتجاه ، حيث كثرت الأقوال وقلت الأعمال ، وافتقرت إلى الإعداد والأخذ بالأسباب لقوله تعالى : {وأعدوا لهم ما استطعتم } .
إن المؤامرة أصبحت حقيقة واقعة ، لا مراء فيها، اليهود يعملون جاهدين في إحكام الحصار ، فماذا ننتظر؟ وماذا ينتظر المسلمون ؟ إنه العار الذي لم يرحمنا الله عليه وبه في الدنيا ولا في الآخرة ، والعار والذل لنا ولأبنائنا من بعدنا . فاليهود يعملون ، والعرب صامتون ، والصراع بيننا وبين اليهود ليس صراع أرض وحدود ، ولكنه صراع عقيدة ووجود . فاليهود يحاربوننا من منطلق عقيدتهم المزيفة المحرفة ، أما نحن فقد تركنا العقيدة ، وأبعدنا الإسلام عن ميدان الصراع ، لذا لا ولن ننتصر أبداً طالما ما لم نطبق منهج ربنا ، لأنه لا نصر ولا تأييد من الله إلا بإتباع منهج الله ، وإعلان الجهاد في سبيل الله من أجل المقدسات في الأرض التي بارك الله فيها ، لأن الغرب واليهود لا يعرفون سلاماً ، ولا يؤمنون به ، بل الحقيقة أنهم يكفرون بالسلام :
الغرب يكفر بالسـلام وإنما بسلامه المزعوم يستهوينا
الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا
نعم ليس لديهم رغبة في السلام ، لكنهم يريدون لنا الاستسلام ويخدرونا بوعود كاذبة ، لا تتحقق ولن تتحقق في أرض الواقع فمن يظن أن اليهود لهم عهد ، أو لهم ميثاق ، لقد نَقَضوا العهود مع الله ، ونقضوا العهود مع الأنبياء وقتلوهم وافتخروا بذلك ، وسجلهم مع أنبيائهم حافل بالتكذيب والإعراض ; حافل بالقتل والاعتداء حافل بتحكيم الشهوات والأهواء .
والسؤال الذي يطرح نفسه : إذا كان نصر الله للمؤمنين واقع لا محالة فما الذي يحقق ذلك ، إن ذلك يتعلق بالعودة إلى الله وتصحيح العقيدة والعبادة وتطبيق الشريعة ، وعقد العزم على رفع راية الجهاد في سبيل الله ، والتأسي بأبطال العقيدة والجهاد من سلفنا الصالح كصلاح الدين ، الذي قال والقدس في قبضة الصليبين : ” إن العمر قصير وإن الأجل غير مأمون، وإن ترك المغتصب يحتل شبراً واحداً من بلاد المسلمين، وفي استطاعتنا طرده أمر لا أستطيع أن أتحمل مسئوليته أمام الله ” . بهذه القلوب حُرِرَ الأقصى فالفارق بيننا وبينهم ، أننا نبحث عن الحياة ، وهم كانوا يبحثون عن الشهادة في سبيل الله ولسان حالهم :
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
وذاك في ذات الإله وإن يشأ يبـارك على أشـلاء شلوا ممـزع
فتطبيق الشريعة وتصحيح العقيدة ، بات من الضروريات حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان أو مجرد راية وشعار ، أو مجرد كلمة تقال باللسان ، والله سبحانه يريد من المسلم ، أن يسلم لمجرد أن الإسلام خير ، لا لأنه سيغلب أو سيمكن له في الأرض ; وكأن الله سبحانه يعلم ما سيكون على مدار الزمان مع أجيال المسلمين ، وها نحن أولاء رأينا ونرى أن أعداء هذا الدين ، وأعداء الجماعة المسلمة على مدار التاريخ ، أمس واليوم من الذين قالوا إنهم نصارى ، كانوا أكثر عداءً من اليهود ومن الكفار مجتمعين فهؤلاء كهؤلاء قد ناصبوا الإسلام العداء ، وترصدوه القرون تلو القرون ، وحاربوه حربا لا هوادة فيها ، منذ أن اصطدم الإسلام بالدولة الرومانية على عهد أبى بكر وعمر رضي الله عنهما ، وإلى أن كانت الحروب الصليبية ; ثم كانت المسألة الشرقية التي تكتلت فيها الدول الصليبية في أرجاء الأرض ، للإجهاز على الخلافة ; ثم كان الاستعمار الذي يخفي الصليبية بين أضلاعه ; ثم كان التبشير الذي مهد للاستعمار وسانده ; ثم كانت وما تزال تلك الحروب المشنونة على كل طلائع البعث الإسلامي في أي مكان في الأرض وكلها حملات يشترك فيها اليهود والنصارى ، والكفار والوثنيون ، وهذا القرآن جاء ليكون كتاب الأمة المسلمة في حياتها إلى يوم القيامة ، وها هو ذا يعلمها ألا يكون ولاؤها إلا لله ولرسوله وللمؤمنين ; وينهاها أن يكون ولاؤها لليهود والنصارى والكافرين ويجزم ذلك بالجزم الحاسم في هذه القضية ويأمر هذا الدين أهله بالسماحة وبحسن معاملة أهل الكتاب ، والذين قالوا إنهم نصارى منهم خاصة ، ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعا ، لأن السماحة وحسن المعاملة ، مسألة خلق وسلوك أما الولاء فمسألة عقيدة ومسألة تنظيم ، إن الولاء هو النصرة هو التناصر بين فريق وفريق ; ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب ، كما هو الشأن في الكفار ، لأن التناصر في حياة المسلم هو تناصر في الدين وفي الجهاد لإقامة منهجه ونظامه في حياة الناس قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين }. هذا قرار من الله وليس للمسلم أن يقرر غير ما قرره الله فقال تعالى:{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } . وكلمة الله باقية لا تغيرها الملابسات والظروف والذي يريد أن يكون مسلما ، يجب عليه بعد إقامة كتاب الله في نفسه وفي حياته أن يواجه الذين لا يقيمونه ، ودعوتهم إلى الإسلام من جديد فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاما ولا تحقق إيمانا ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله ، فدين الله ليس راية ولا شعارا ولا وراثة . إن دين الله حقيقة تتمثل في عقيدة تعمر القلب ، وشعائر تقام للتعبد ونظام يصرّف الحياة ، ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل ; ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم وكل اعتبار غير هذا الاعتبار ، تمييع للعقيدة وخداع للضمير لا يقدم عليه مسلم نظيف الضمير ، وعلى المسلم أن يجهر بهذه الحقيقة ; ويفاصل الناس كلهم على أساسها ; ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة والله هو العاصم ، والله لا يهدي القوم الكافرين ، وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله ; ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس ، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة ; ووصف لهم ما هم عليه ، كما هو في حقيقته بلا مجاملة ولا مداهنة ، وقد ينظر بعضنا اليوم مثلا ، فيرى أن الأعداء هم أصحاب الكثرة العددية ، وأصحاب القوة المادية وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض ، وهم أصحاب كلمة مسموعة في الشئون الدولية وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية ، أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة ، وينظر فيرى الذين يقولون إنهم مسلمون ليسوا على شيء ، لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنـزل إليهم فيخيفه عظم الأمر ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها ، بكلمة الحق الفاصلة ويرى عدم الجدوى من ذلك ، مع أن واجب صاحب الدعوة ، واجب لا تغيره كثرة الضلال ولا ضخامة الباطل ، وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة ، أنهم ليسوا على شيء ، كذلك ينبغي أن تبلّغ وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وناداه سبحانه وتعالى :{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم}

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *