ماضينا المشرق وحاضرنا المظلم

إن حاضر الأمة ومستقبلها مظلمٌ موحش ، وكيف لا يكون ذلك ؟ وهم يعيشون عصر الفقر وموالاة الأعداء ، حتى أصبح الفجور في الخصومة ، والاستهانة بالدين ، والإضاعة للأمانة شيءٌ مألوف ، فلا التزام بالدين في ميادين الأخلاق عامة إلا من عصم الله ، على حين نجد أتباع الملل الأخرى يتحرّون في معاملاتهم ومسالكهم مكارم الأخلاق ويترفعون عن الفوضى والتسيب ، في الماضي كان الصف مجتمعاً فكيف انصدع ؟ إننا أمة تنتحر فهي كما جاء في القرآن الكريم ﴿ أو يلبِسكم شيعاً ويُديق بعضكم باس بعض ﴾ الأنعام 65 . لقد ابتليت أمتنا بما لم يُبتلَ غيرها بمثله، فقد انحدرت إلى أسفل السافلين ، وهي تعاني من جيوش المستعمرين ، الذين انتهكوا حرماتها واستباحوا عواصمها وقالوا عنا بأننا خياليون، واننا حين نعتز بأسلافنا وتاريخنا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي ، ونتكل على الموتى يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا ، إنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض ،حتى إذا استيقظنا من تنويمهم ونومنا ، لم نجد ماضيا نبني عليه حاضرنا ، فنندمج في حاضرهم ، الذي يبنون عليه ماضيهم، إنهم يعتزون بماضيهم ، ويخلدون رجال الفكر والأدب والفلسفة والجنود والفاتحين، فيذكرون حاضرهم وماضيهم ليبنوا عليهما مستقبلهم، أليس من حقنا، بل من واجبنا أن نعرف ماضينا والرجال الذين عمروه في ميادين الحياة فنعرف من هو أبو بكر؟ ومن هو عمر؟ وما صنع عقبة وطارق وموسى في الغرب وما صنع المثنى وسعد وخالد وقتيبة في الشرق،في حين يأتون أبنائنا بما يملأ عقولهم وأنفسهم ، حتى لا يبقى فيها متسع لذكريات ماضينا وأسلافنا ، فترى الكثير منهم من يعرف الكثير عن نابليون ، ولا يعرف شيئا عن عمر، ولا يحفظ شيئا عن عائشة وخديجة، إنها الخسارة التي لا تعوض كما راحوا يحرفوا أسماء أعلامنا ، عندما كانوا يأخذون العلم عنا، كأنهم أُلهموا من يومئذ ، أن الزمان سيدول ، وسنعود للأخذ عنهم ، وهكذا يقرأ أبناؤنا اليوم هذه الأسماء ولا يهتدون إلى أصحابها ، ولولا النزعة الموروثة عن الأجداد الذين قهروا الرومان ، ودفعوا الصليبيين عن الشرق، لما بقي لنا شيء من ذلك التراث الجليل ، وإذا رأيت من يفتخر بالماضي ، ولم يمر على حاضره أو المستقبل فاعرف بأنه انسان فاشل، اما اذا خطط للمستقبل وأعد فإنه إنسان ناجح خصوصاً إذا ذكر الماضي لأخذ الدروس والعبر لحاضره ومستقبله والسعي للاستفادة منها وتوظيفها في تحقيق النجاحات، ونحن إذ نستوحي من أعمال ماضينا الصفحات البيضاء ونسعى جاهدين في نشرها ، إنما نعمل على توعية شبابنا ، الذي أريد له أن لا يعلم شيئا عن ماضيه ، الذي قدم رجاله وضحوا وانجزوا ، ولكن ماذا عنا نحن الجيل الحاضر؟ وما الذي انجزناه؟ وماذا ينفعنا التاريخ المشرق، اذا كان الحاضر مظلما ، والمستقبل مجهول؟ وصدق الشاعر الذي قال :
ليس الفتى من يقول كان أبي إن الفتى من يقول ها أنذا
في الماضي ولاة كان همهم الاول والاخير، نصر دينهم والمحافطة على أرضهم وعرضهم ، والوقوف الى جانب المسلمين اينما حلوا ، أما زعماء اليوم فإن همهم المحافظة على كراسيهم ، وعندهم كامل الاستعداد لتسليم الارض وإباحة العرض ، وسفك الدماء من أجل البقاء على عروشهم
وأمة هذا حالها ، فيها من ينصر الظلم ويؤيد الاستعلاء والطغيان، وتباع فيها الذمم والهمم بيع البضائع في السوق السوداء، أمةٌ هذا حالها لا تنتصر على أعدائها ، وما انتصرت في الماضي إلا بصبر المؤمنين وثباتهم مع نبيهم وتمسكهم بمنهج ربهم فأتاهم نصر الله ، ومكن لهم ، وصدق فيهم قول الله عز وجل ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ ذلك هو ماضينا المشرق ، عندما طبقنا تعاليم الإسلام ، وكنا يدا واحدة ، نُحكم بشرع الله ، ونستقي من كتاب الله ، ونهتدي بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام .
أما حاضرنا اليوم ، فالإسلام يُحارب من قبل أعدائه ، ويَحل التنكيل بالمسلمين في كل مكان ، وما بيدهم حيلة ولا يستطيعون تحريك ساكنا ، بل خالفوا تعاليم الإسلام ونبذوا سنة الرسول وهجروا كتاب الله ، ووالوا أعداء الله ، هذا هو حاضرنا المظلم ، وأما المستقبل فبيد الله ، ولنعلم أن الله سبحانه ﴿ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ عندها نبني مجدنا من جديد ، ونؤسسه بتقوى الله ، لنسعد بمستقبل مشرق سعيد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *