لقد جعل الله الدنيا دار تكليف وعمل ، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء ، فلا غنى للإنسان عن التزود منها للآخرة ، لذا لا بد أن يوليها حظاً من عنايته وهذا لا يتناقض مع من قالوا بترك فضولها وزجر النفس عن الرغبة فيها ، لأن الراغب فيها إذا جاوز قدر الحاجة ملوم ، وطالب فضولها إذا زاد على قدر الكفاية مذموم قال تعالى : ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ وبهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) أخرجه البخاري . هذا الحديث أصلٌ في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها وكان عمر بن الخطاب يقول : ” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ” وقد ذم رجلٌ الدنيا عند علي رضي الله عنه فقال : ” الدنيا دار صدقٍ لمن صَدَقها ، ودار نجاةٍ لمن فهم عنها ، ودار غنىً لمن تزود منها ” ولقد صدق القائل :
لا تتـبع الدنـيا وأيامـها ذمّاً وإن دارت بك الدائرة
من شرف الدنيا ومن فضلها أن بـها تستدرك الآخـرة
قال ابن عباس إن الله جعل الدنيا ثلاثة أجزاء : ” جزء للمؤمن ، وجزء للمنافق ، وجزء للكافر . فالمؤمن يتزود والمنافق يتـزين والكافر يتمتع “. قال عيسى عليه السلام : “يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين ، كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا ” وقد جاء في هذا المعنى قول الشاعر :
أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا وما أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغنِ بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الـدين
هناك ستة أمور تصلح بها الدنيا لتصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة وهي : دِينٌ مُتّبَع وسلطانٌ قاهر وعدلٌ شامل ، وأمنٌ عام ، وخِصْبٌ دائم ، وأملٌ فسيح . أما الدين المتبع : فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها ويعطف القلوب عن إيراداتها ، حتى يصير قاهراً للسرائر ، زاجراً للضمائر ، رقيباً على النفوس نصوحاً لها ، ولا يوصل لذلك بغير الدين ، لأنه أقوى الأمور في صلاح الدنيا واستقامتها ، وأجداها نفعاً في انتظامها وسلامتها . ولقد صدق القائل :
ما صِحَّةٌ أبداً بنافعةٍ حتى يصحَّ الدين والخلُقُ
وإن صاحب الدين يختار من الدنيا حلالها وطيبها ليعمل صالحاً به ، والفاجر يستعمل هذا النعيم في شهواته فيهوي بها في جهنم أما السلطان القاهر : فلأن رهبة السلطان أشد زاجراً وأقوى رادعاً روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم ) وقال : ( إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ) رواه الماوردي . وقال عبد الله بن مسعود : ” السلطان يَفْسُد ، وما يُصْلِح الله به أكثر فإن عدل فله الأجر وعليكم الشكر ، وإن جار فعليه الوزر وعليكم الصبر ” . وقال أحد البلغاء : ” السلطان في نفسه إمامٌ متبوع وفي سيرته دينٌ مشروع فإن ظلم لم يعدل أحدٌ في حكم ، وإن عدل لم يجسر أحدٌ على ظلم ” .
أما العدل الشامل : فلأنه يدعو إلى الألفة ، ويبعث على الطاعة ، وتعمر به البلاد ويأمن به السلطان لذا قال رسول كسرى لعمر عندما وجده نائماً : عدلت فأمنت فنمت . كما أنه لبس أسرع في خراب الأرض ولا افسد لضمائر الخلق من الجور روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( بئس الزاد إلى المعاد والعُدوان على العباد ) وقال بعض البلغاء : ” إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ونصبه للحق ، فلا تخالفه في ميزان ، ولا تعارضه في سلطان ، وإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا ، التي لا انتظام لها إلا به ، ولا صلاح فيها إلا معه وجب أن يُبْدَأ بعدل الإنسان في نفسه ثم بعدله في غيره ، أما عدله في نفسه : فيكون بحملها على المصالح وكفها عن القبائح ، ثم بالوقوف في أحوالها على أعدل الأمرين : من تجاوزٍ أو تقصير ، إذ التجاوز فيها جَوْر ، والتقصير فيها ظلم ، ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم ، ومن جار عليها فهو على غيرها أجور . أما عدله مع غيره فقد ينقسم حال الإنسان مع غيره إلى ثلاثة أقسام : الأول : عدله فيمن دونه كالسلطان في رعيته والرئيس مع صحابته كترك التسلط وابتغاء الحق روى أن رسول الله قال : ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمه ) وقد قيل : ” ليس للجائر دار ولا تَعْمُر به دار ” . والثاني : عدل الإنسان مع من فوقه كالرعية مع سلطانها والصحابة مع رئيسها وهذا يكون بإخلاص الطاعة وبذل النصرة وصدق الولاء .
الثالث : عدل الإنسان مع أكفائه ويكون بترك الاستطالة ومجانبة الإذلال وكف الأذى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا أنبئكم بشرار الناس ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : من أكل وحده ومنع رفده وجلد عبده ، ثم قال : أفلا أنبئكم بشرٍّ من ذلك ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه ثم قال : ألا أنبئكم من شرٍّ من ذلك ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : من يبغض الناس ويبغضونه ) . أما الأمن العام : وهو ما تطمئن به النفوس ، ويسكن فيه البريء ويأنس به الضعيف قال بعض الحكماء : ” الأمن أهنأ عيش والعدل أقوى جيش ” . فإنه لا يعرف الإنسان قدر النعمة حتى يخاف ، ولا يعرف المعافى نعمة العافية حتى يصاب
قال أبو تمام :
والحادثات وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمها
أما الخصب الدائم : حيث تتسع النفوس به في الأحوال ، فيقل في الناس الحسد ، وينتفي عنهم التباغض قال بعض السلف : ” إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر ” . فكما أن صلاح الخصب عام فإن فساد الجدب عام ، وما عم به الصلاح إن وجد ، عم به الفساد إن فقد وقال الشاعر :
ولم أرى بعد الدين خيراً من الغنى ولم أر بعد الكفر شرّاً من الفقر
أما الأمل الفسيح : فلولا الأمل ما تجاوز الواحد منا حاجة يومه ، ولا تعدّى ضرورة وقته روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الأمل رحمةٌ من الله لأمتي ، ولولاه ما غرس غارس شجرا ، ولا أرضعت أمٌ ولدا ) .
قال الشاعر :
وللنفوس وإن كانت على وجل مـن المنـية آمـالٌ تقـويها
فالصبر يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها
أما ما ورد في ذم الدنيا كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الدنيا ملعونة ٌملعونٌ ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً أو متعلماً ) ابن ماجة والترمذي . فلا يفهم من هذا الحديث لعن الدنيا وسبها مطلقاً لما روي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن الدنيا عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر ، وإذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله أعصانا لربه ) وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها ووجه الجمع بين الحديثين ، أن المباح لعنه من الدنيا ما كان مبعداً عن الله وشاغلاً عنه وهو الذي نبه على ذمه بقوله تعالى : ﴿ إنما الحياة الدنيا لعبُ ولهوٌ وزينة ، وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ﴾ وأما ما كان من الدنيا يقرِّب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود ، ومثل هذا لا يسب بل يرغب فيه وإليه الإشارة بقوله عليه السلام ( إلا ذكر الله وما والاه ) .
ما الذي يصلح حالنا في الدنيا
