إن اتباع الهوى في الفتوى ،أمر خطير فترى من أحل الربا الذي حرم الله؛ يبرر موقفه بالأماني الكاذبة ، والفتاوى الضالة ، فيتتبع زلات العلماء ، حتى يأكل الربا، الذي كان وما زال بطبيعته البشعة العدوانية ، معارضاً لسلام البشرية وخيرها وتقدمها ، وما يزال العامل الخطيرُ ، في استنـزاف ثروات العالم الإسلامي باسم القروض والفوائد ، لهذا لا بد أن يكون تحريم الربا منهجاً أساسياً ، لتحرير الاقتصاد الإسلامي ، وقد جعل الإسلام التجارة عملاً أخلاقياً ، لا أساساً اقتصادياً للتقايض ولذلك نهى عن تبادل سلعتين من نوعٍ واحد لأنه لا يجوز تغريم المدين مبلغاً من المال ، إذا تأخر في وفاء دينه ، لأن الزمن ليس سلعةً تجاريةً تباع وتشترى ، ومن يعتمد على حل القرض ،باسم المرابحة ، وهو أحد أنواع بيوع الأمانة في الفقه الإسلامي ، جرى التعامل به في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بيع يكون بين اثنين لا بين ثلاثة ، والسلعة في ملك البائع ، وهو بيعٌ بمثل الثمن الأول ، مع ربح مبلغ معلوم يصّرح به البائع على وجه الأمانة ، أما كيفية الشراء عن طريق البنك ، فتتم بطلب العميل من البنك شراء سلعة ليست عنده ،مع وعد من العميل بشراء السلعة ، بعد شراء البنك لها بثمن آخر ، ووعد البنك بيع السلعة له بعد شرائها ، فبيع المرابحة بهذه الطريقة ، كما يتعامل البنك ، يكون الثمن الذي يدفعه العميل مؤجلاً ، بينما الأصل في بيع المرابحة أن يدفع ثمن السلعة عند العقد ، أما ما يجري التعامل به ، فإن البيع يتم فيه إبرام عقدين- أي بيعتين- بين البنك والبائع للسلعة ، وعقد بين البنك والآخر بالشراء ، وهذا غير جائز لأن المرابحة ، تتم بإجراء عقد واحد ، لما روى الترمذي قال حكيم : يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي ، أأبتاع له من السوق ثم أبيعه ؟ ولم يقل أبيعه ثم أشتريه ، فقال له الرسول عليه السلام : (لا تبع ما ليس عندك ) معنى قول رسول الله لا تعدْه بالبيع ثم تذهب لتشتريه ، لأن ذلك يعتبر بيعاً ، فيكون بيع ما لا تملك ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صراحة عن بيعتين في بيعه ، قال الإمام مالك رحمه الله في باب النهى عن بيعتين في بيعه : أنه قد بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيعتين في بيعه ) وأنه بلغه أن رجلاً قال لرجل : ابتع لي هذا البعير بنقد حتى ابتاعه منك إلى أجل ، فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه إن ما يجري التعامل به على هذه الصورة يعتبر كبيع العينة ، وهي كما فسرها كثير من العلماء : بيع من طلبت منه سلعة ، قبل ملكه إياها لطالبها بعد شرائها ، وقد ورد النهى عنها عن ابن عمر قال : سمعت النبي عليه السلام يقول : ( إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد واتبعوا أذناب البقر أدخل الله عليهم ذلاً لا ينـزعه حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم ) أعلام الموقعين وإذا كانت الزيادة في ثمن السلعة قائمة على أساس سعر الفائدة ، كما يجري التعامل به ، إذ يتمثل عائد التمويل في صورة هامش مرابحة محدد مسبقاً ، على حسب المدة الزمنية التي يتم بها سداد الدين ، فهذا حرام كما قال به كثير من العلماء ، لأنه ربا ، والربا ممحوق البركة منزوع الخير ، قال تعالى : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ وهو من أشد الرزايا على المجتمعات وإن اختلفت أسماؤه وهيئاته وطرق التعامل به قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ في الآية تصويرٌ لبشاعة آكل الربا ، هذه الصورة التي لم يصورها القرآن ، لأي فاسقٍ يرتكب محرَّماً من المحرَّمات ، إنها صورةٌ مفزعةٌ في يوم البعث ، لكن هذه الصورةُ واقعةٌ بذاتها في حياة البشرية على هذه الأرض ، وهي تتفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار ، بحربٍ من الله ورسوله ، في الآية دلالةٌ على أن الله لم يتوعد مرتكبي منكر بحربٍ كما توعد آكلي الربا الذين لا ينتهون بعد التحريم ، وهذه الحرب واقعةٌ وقائمةٌ الآن , ومسلطةٌ على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في عقابيل النظام الربوي الذي جعله الله عنوان كفرٍ عظيم ، ومصدراً للذنوب والآثام وسبباً من أسباب مقته ، قال تعالى: ﴿ يمحق الله الربا ويُرْبي الصدقات والله لا يحب كل كفارٍ أثيم ﴾البقرة 276.كما ورد في الأحاديث النبوية ، ما يدل على منتهى التقبيح لآكل الربا ، ومنتهى المبالغةِ في تحريمه فقال عليه السلام : ( الربا ثلاثةٌ وسبعون بابا ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) والحديث يدل على أن الربا أنواعٌ كثيرةٌ كلها محرَّمةٌ صغيرها وكبيرها ، جلِّيها وخفِّيها ، مهما اختلفت الأسماء وتعددت الأشكال ، من فائدةٍ في مصرف أو صندوق توفير أو سند أو غير ذلك ، ولعل تصوير النبي عليه السلام هو أبلغ تصويرٍ لانتشار الربا بأنواعه المختلفةِ في زماننا حين قال:( سيأتي على الناس زمانٌ يأكلون فيه الربا ، قال قائل : يا رسول الله : كلهم ؟ قال : من لم يأكله ناله غباره ) أخرجه أحمد ، ولقد جاء التحذير من خطورة الربا أو التعامل به في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ ) أخرجه مسلم وهو كبيرة من كبائر الذنوب وجريمة من أعظم الجرائم ، وإني لأعجب ممن أباحوا الربا لأنفسهم ، بدعوى الاضطرار التي استندوا إليها ، وما دروا أنهم بذلك بعدوا عن الله ، وإن ذكروه وصلوا وصاموا وحجوا ، وإذا ما نظرت إلى هذه الضرورة ، كأن يقول بأنه محتاج لسيارة أو شقة يسكنها أو قرضٌ يتزوج به ، فهذا واهم يتحمّل إثم كبيرة من الكبائر سواء كان ذلك عمداً أو جهلاً أو تجاهلاً لأن هذه المحرمات من المعلوم من الدين بالضرورة ، وليست كل ضرورة تدخل في باب الاضطرار ، فالضرورات تبيح المحظورات بشرط أن تكون هناك ضرورة بمعنى الوقوع في الهلاك أو في دائرة الموت جوعا ، أو أنه سيبيت في الشارع فإذا توافرت ظروف الضرورة هذه فإنه يمكن أن يقال بالحِل ، علماً بأن توافر ظروف الضرورة هذه حالة محدودة ونادرة جداً وقلما ينطبق على مقترض من البنوك الربوية معنى الضرورة هذه ، لأن لها ضوابط مشددة ينبغي أولا أن تحقق معنى الضرورة في المعايير الشرعية ثم نطبق القاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” أو “الحاجة العامة تنـزل منـزلة الضرورة” فإذا وجدت المعايير الشرعية جاز ذلك ، إلا أن حالات الضرورة هذه نادرة جدا ، لذا ينبغي عدم التذرع بذريعة الضرورة من أجل الحصول على مسكن أفضل أو تنشيط تجارة أو توسيع مصنع أو تنشيط متجر ويقول بأنه في حال ضرورة ، وهو في الواقع ليس في حال ضرورة على الإطلاق ، هذا في الواقع مترفِّه وليس مضطرا ، لأن المضطر هو الذي يقترض من أجل الحفاظ على حياته من الوقوع في الموت ، بسبب الجوع الشديد أو العطش الشديد ، أو التحقق من وجود ضرر في النفس أو المال أو الأهل ، فإذا توافر ظرف الضرورة بالمعنى الشرعي ، حينئذ يجوز ، إلا أن توافر الضرورة بالمعنى الشرعي هذا، غير محقق في أغلب الحالات ،كما أن دعوى الاضطرار للعمل أو التعامل بالربا غير صحيح ، لأن النص في الإباحة للاضطرار ، ورد في آيات كلها تبيح أكل ما حرّم الله من المنصوص عليها للاضطرار الذي يخشى منه لو لم يُبح الأكل مما حرّمه الله أن يموت الإنسان جوعاً أو يهلك عطشاً قال تعالى : ﴿ إنما حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنـزيرِ وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفورٌ رحيم ﴾ البقرة 173 قال تعالى : ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم فإن الله غفورٌ رحيم ﴾ المائدة 3 في هذه الآيات دليل على أنه ما أبيحت هذه المطعومات إلا عند الاضطرار في المجاعة المهلكة ، لكي يحفظ الإنسان حياته ، وهذه الضرورة غير قائمة في التعامل الربوي ، وإن أي محاولة يراد بها إباحة ما حرّم الله ، إنما هي جرأة على الله وقولٌ عليه بغير علم ، وضعف في الدين . قال القرطبي في معنى الضرورة المبيحة لأكل الميتة ولحم الخنـزير والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية : هو من صيّره العدم والجوع إلى ذلك ، وهو الصحيح . وفي حديث أبي واقد الليثي قال يا رسول الله ؟ إنا نكون في الأرض تصيبنا المخمصة فمتى تحل لنا الميتة ؟ فقال ع متى لم تصطبحوا أو تفتبقوا أو تجدوا بقلا ) والفبوق العشاء والفِبوق بقلة تأكلونها .
وقال عبد الله بن عباس في قوله تعالى : ﴿ فمن اضطر ،يعني إلى شيءٍ مما حرّم الله ، وقوله تعالى : ﴿ غير باغٍ ولا عاد ، يقول : من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج ، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى . وقد تقرر فقهاً أن الضرورة تقدّر بقدرها ، وقدرها في المأكل والمشرب لسد الحاجة ، وإذا زال سبب الضرورة حرم التـزود وتكرار الفعل حتى قال الفقهاء : إن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق ولا يباح له الشبع ، ومن يستطيع دفع أجرة مسكن لا يحل له أخذ قرض لشراء مسكن ، وإذا كان لا بد من الدَين فقد شاء رب الإسلام ، أن تكون قروضاً حسنة ، بلا زيادةٍ على مبلغ الدَين الأساسي . فالضرورة التي يؤخذ بها تكون عند الإشراف على الهلكة ، وجوعٌ يؤدي إلى إزهاق الرّوح وليست كل ضرورة تدخل في باب الاضطرار ولو كان المجتمع يدفع إليها ، لأنه يمكن الاستغناء عنها كشراء بيت و سيارة أو أي شيءٍ من الكماليات ، فالشريعة لا تسمح بأخذ الربا في هذه الحالة ، ومن يقول إن اللجوء إلى الربا ضرورة من الضرورات لأن صلاح الأمة من الناحية الاقتصادية قائم على التعامل الربوي هذه الأيام ، وإلا توقف حال الأمة ، فهذه مغالطة وضعف أمام النظم التي يسير عليها أقوياء العالم ، وإن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرًم الله ، أو تبـرير ارتكابه بأي أنواع من أنواع التبـرير ، إنما هي جرأةٌ على الله وقولٌ عليه بغير علم ، وضعفٌ في الدين وتزلزلٌ في اليقين ، وإن القول بأن الربا ضرورةٌ عامة للأمة والمجتمع اتهامٌ لشريعة الله بالنقص ، هذه الشريعة التي شهد الله لها بالكمال ومن كمالها تحريم الربا قال تعالى : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ﴾ المائدة 3 ، وجاء قرار مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي بالإجماع على أن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان ويجب أن يوفر بالطرق الشرعية بمال حلال وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة- قلت أو كثرت- هي طريقة محرَّمة شرعًا لما فيها من التعامل بالربا». وليس المباح للضرورة أصلاً وقاعدة؛ بل هو استثناء مؤقت، يزال بزوال الضرورة؛ ولهذا أضاف العلماء إلى قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) قاعدة أخرى مكملة وضابطة لها وهي التي تقول: «ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها»، وهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومن تجاوز حد الضرورة زمانًا أو مقدارًا فقد بغى وعدا. (فوائد البنوك هي الربا الحرام: 110 ).
لأنه سيفتح الباب أمام عشرات من الصور والتطبيقات الأخرى التي لعل بعضها لم تدر بخلد من أطلقه، وقد تنتهي بنا إلى استباحة ما حرم الله بالكلية في باب المعاملات ، فنرى من يقول إنه محتاج إلى الاقتراض الربوي الذي
حذَّر الله منه، يغتر بفعل الناس، يقول: الناس فعلوا، قال تعالى:﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يوسف 103 والربا لم يُحل في شريعة قط ، ولم تصدر فتوىً بجوازه إلا كان صاحبها محارباً لله ولرسوله ، متبعاً لهواه يرضي الناس بسخط الله قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) ، فقد فاز من سلك سيبل ما أحل الله ، أما من سلك ما ألفه الناس في الحرام فهو ضلال لقوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الأنعام 116، فليست أفعال الناس قدوة في الباطل لأن الواجب اتباع الحق ، وإن قل أهله، ومن يقول بحل الربا فقد خالف المعلوم من الدين بالضرورة ولا حيلة لنا إلا أن نُذَكِّر ولعل هذه الذكرى تنفع المؤمنين .
ما حكم اتباع الهوى في الفتوى
