ما حكم التخفيف في الصلاة


عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ) رواه البخاري ومسلم. إن التخفيف المذكور في هذا الحديث ليس تخفيفا مبنيا أعلى أمزجة وأهواء الناس ، وإنما هو راجع إلى فعله عليه الصلاة والسلام ، عن أنس رضي الله عنه قال ( ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم، أما التطويل الزائد عن السنة فهو حرام كما قال السلف لأنه عليه الصلاة والسلام ما كان يغضب إلا من أجل محرم ، لأن السنة في الصلاة هي التخفيف والإيجاز، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ ثم قال : ( يا أيها الناس إن منكم منفرين فمن أم الناس فليتجوز فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة ) .وإن الأحاديث الواردة في التخفيف والإيجاز تفوق أحاديث التطويل صحة وكثرة وصراحة ، وأحاديث التطويل محمولة على أنها في أول الإسلام لما كان في المصلين قله, فلما كثروا واتسعت رقعة الإسلام شرع التخفيف وأمر به ، لأنه أدعى إلى القبول ومحبة العبادة لأن الصلاة المخففة يندر بها الوسواس؛ ومتى طالت استولى الوسواس فيها على المصلي فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره.
أما من يصلي وحده فليفعل ما شاء شريطة ألا يضر بنفسه ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة فتجوّز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذاً فقال: إنه منافق فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله، إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا – البعير الذي يستعمل في سقي الزروع- وإن معاذاً صلّى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوّزت فزعم أني منافق، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يا معاذ أفتّان أنت؟ – قالها ثلاثاً -، اقرأ ( والشمس وضحاها ) و( سبّح اسم ربك الأعلى ونحوها) متفق عليه واللفظ للبخاري ، وفي رواية أخرى: ( فلولا صليت بسبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة) ، وفي رواية مسلم : ( فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف ). روي أن معاذ انطلق في إحدى الليالي ، بعد أن فرغ رضي الله عنه من صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الآخر كعادته ليؤم المسلمين، وشرع في قراءة سورة البقرة، واستطرد في قراءتها، وفي القوم رجلٌ من عوام المسلمين الذين يكدّون طوال اليوم بالأعمال ، التي تتطلّب جهداً ووقتاً ، ولذلك استثقل الرجل طول الصلاة ورأى أنها ستؤخّره عن أعماله، فانفرد الرجل فأتمّ الصلاة لوحده ثم انصرف ، ولما علم معاذ بن جبل رضي الله عنه أن أحد المصلّين ترك الصلاة خلفه ، لم يتردّد معاذ رضي الله عنه في الحكم على الرجل بأنه من المنافقين ُصدم الرجل بمقولة معاذ رضي الله عنه، وحاول أن يدفع التهمة عن نفسه، لكن دفاعه لم يجد له صدىً، وهنا: اشتدّ عليه الكرب وحلّ به الهمّ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبره بما دار، ويعتذر مما صنع، محتجّاً بما يتطلّبه العمل في الزراعة من أوقات كثيرة لا يمكن معها الاسترسال في الصلاة والتطويل فيها، فلماذا إذن يُصْدِر عليه معاذ ذلك الحكم الجائر بالنفاق؟! غضب النبي صلى الله عليه وسلم واستيائه من موقف معاذ وعاتبه أشدّ عتاب: ( يا معاذ أفتّان أنت؟ – قالها ثلاثاً -) ثم يوجّهه إلى قراءة السور القصار كالشمس والليل والأعلى ونحوها مما يتناسب مع كبار السنّ والضعفاء من المسلمين وأصحاب الحاجات، وكان الجواب العمليّ لمعاذ رضي الله عنه السمع والطاعة، وسرعة الرجوع إلى الحق والتزامه، تكلّم العلماء في هذا الحديث النبويّ من الناحية السلوكيّة والناحية الفقهيّة، أما الناحية السلوكيّة: فهو التأكيد على ضرورة أن يعلم الإمام أحوال المأمومين خلفه وأن يراعيها فالناس ليسوا على شاكلة واحدة، والظروف تتباين ، فكان على الإمام أن يوازن بين مقدار قراءته ، وبين طبيعة المصلّين خلفه ونشاطهم، وبإدراك هذه القضيّة نستطيع أن نفهم التفاوت المذكور في مقدار قراءات النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته الواردة في كتب السنة، فلربما قرأ في المغرب بالطور، ولربما قرأ فيها بالمعوذتين، وكم بين الطور وبين المعوذتين من تفاوت ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا معاذ أفتّان أنت؟ ) نهيٌ عن كل ما يُنفّر عن الدين ويصد عن سبيله أو يوقع الناس في الفتنة سواءٌ أكان بالقول أم بالفعل ومن الناحية الفقهيّة ، فقد استدلّ العلماء به على جواز اختلاف نيّة المأموم والإمام كأن يُصلّي الإمام بنيّة النفل والمأموم بنيّة الفرض أو عكسه، كما استدلّوا به على أن المأموم إذا شقّت عليه متابعة الصلاة في الجماعة، بإجهادٍ أو غلبة نعاسٍ فله أن يفارق الجماعة ويتمّ الصلاة لوحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *