كثر في مساجدنا هذه الأيام المصلون على الكراسي لعذر ولغير عذر، في الفرائض والنوافل، فاضطرب الأمر على البعض وأصبح مما يحتاج إلى بيان.
وجود الكرسي لم يعهده المسلمون في مساجدهم قديمًا، أما وقد وجد فيقيد بالضرورة، وينبغي أن لا يكون في وسط الصف حتى لا يؤذي مَن خلفه مِن المصلين، وإن كان ولا بد فليكن في طرف الصف، أو في الصفوف الخلفية.
اتفق أهل العلم على أن القيام في صلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، لقوله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ البقرة 238،ولما ورد في الحديث عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنبك )رواه البخاري . قال الإمام الشوكاني: “وحديث عمران يدل على أنه يجوز لمن حصل له عذر لا يستطيع معه القيام أن يصلي قاعداً ولمن حصل له عذر لا يستطيع معه القعود أن يصلي على جنبه” نيل الأوطار 3/225. وبناءً على ذلك فإن من صلى الفريضة جالساً وهو قادر على القيام فصلاته باطلة. وقد اتفق أهل العلم على أن المريض الذي لا يستطيع القيام فإنه يصلي قاعداً ويركع ويسجد إذا قدر عليهما، فإن لم يستطع الركوع والسجود فإنه يصلي مومياً ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لأن المشقة تجلب التيسير، ومن المعلوم أن رفع الحرج ودفع المشقة أصل قطعي من أصول الشريعة ودلت عليه أدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلا وُسْعَهَا ﴾ البقرة 286 وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم )رواه البخاري ومسلم) قال ابن قدامة المقدسي: “أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالساً” المغني 2/106. وقال الإمام النووي: “…أجمعت الأمة علي أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعداً ولا إعادة عليه، قال أصحابنا ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام لأنه معذور وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً ﴾المجموع 4/310 . وقال : “ومن قدر على القيام، وعجز عن الركوع أو السجود لم يسقط عنه القيام. ويصلي قائماً فيومئ بالركوع. ثم يجلس فيومئ بالسجود”، وبهذا قال الشافعي ، ولنا قوله الله تعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم صل قائماً ، ولأن القيام ركن قدر عليه، فلزمه الإتيان به كالقراءة. والعجز عن غيره لا يقتضي سقوطه كما لو عجز عن القراءة” المغني 2/107. ويجب أن يعلم المريض أن حدَّ المرض الذي يجيز للمريض أن يصلي قاعداً هو أن يخاف المريض مشقة شديدة أو زيادة المرض أو تباطؤ برئه. قال الإمام النووي: “قال أصحابنا ولا يشترط في العجز أن لا يتأتى القيام ولا يكفى أدنى مشقة بل المعتبر المشقة الظاهرة فإذا خاف مشقةً شديدةً أو زيادة مرض أو نحو ذلك صلى قاعداً ولا إعادة” المجموع 4/310 ، وقال الإمام الشوكاني: “والمعتبر في عدم الاستطاعة عند الشافعية هو المشقة أو خوف زيادة المرض أو الهلاك لا مجرد التألم فإنه لا يبيح ذلك عند الجمهور” نيل الأوطار 3/225 . ويرى بعض أهل العلم أن ضابط ذلك يتعلق بالمشقة التي تذهب الخشوع: “قال إمام الحرمين: الذي أراه في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه لأن الخشوع مقصود الصلاة” المجموع 4/310 . وللمريض أن يصلي قاعداً ، إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه فليصل قاعداً . وبعض المصلين يتساهلون في هذه المسألة فيصلون قعوداً لغير عذر فهؤلاء صلاتهم باطلة.
أما صلاة النافلة فالأفضل فيها أن يصليها المصلي قائماً ويجوز فيها الجلوس حتى بغير عذر، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ) رواه البخاري ، وهناك بعض الملحوظات والأخطاء يفعلها بعض من يصلي على كرسي منها: يجب على المصلي أن يأتي بتكبيرة الإحرام وهو واقف إن كان يقدر على ذلك ، وألا يحرك الكرسي الذي هو جالس عليه في حالة الإيماء للركوع أو السجود، وأن يفرق بين الركوع والسجود بطريقة الإيماء، بحيث يكون إيماء السجود أخفض من الركوع. وألا يسجد على شيء يوضع له، بل يكفيه الإيماء، لأنه إذا عدم السجود والركوع على أصلها فلا يقوم مقامها شيء وأن يكون موضع الكرسي في جوانب الصفوف ، وألا يحجز مكانا دائما له يمنع الناس منه، إلا إذا كان المسجد فيه سعة.
ما حكم الصلاة جلوساً على الكرسي
