إذا رأيت الخلاف بين العلماء ، فاعلم أن القول الفصل هو ما عبّر عنه القرآن ) إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءَهم العلم بغياً بينهم ( آل عمران 19. والبغي هو طلب الاستعلاء بغير حق ، ومظاهر طلب الاستعلاء بغير حق ، هو إعطاء الفتاوى التي توافق أمزجة الخلق ، وتخالف ما أنزل الله بحجة أنه يأخذ الدين بروح العصر ، ويدّعي لنفسه عدم الجمود ، مع أنه من الواجب علينا أن نفهم أن الله إما أن ينـزِّل حكماً محكماً لا رأي فيه لأحد ، وإما أن ينـزل حكماً قابلاً للفهم والاجتهاد ، ولم يجعل الأحكام كلها من لون واحد ، حتى يحترم الإنسان ما وهبه الله له من عقل ، فيأتي بقضية ويبحثها ويرجح سبباً على سبب ومن هنا فإن الإفتاء يحتاجه الناس من الذي يعلم ، ولذلك جاءت كلمة يستفتونك ، أكثر من مرّة في القرآن ، لأن الذين يطلبون الفتوى هم الذين يحتاجون لتوضيح أمرٍ ما لأنهم مشغولون بقضية الإيمان ، ولذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين يحاولون إلقاء الفتاوى ، ويحذِّر المؤمنين أن يستمعوا لكل فتوى ، وقد حرّم الله القول عليه بغير علم فقال تعـالى : ) ولا تقولوا لما تَصِفُ ألسنَتُكُمُ الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامُ لتفتروا على الله الكذبَ إن الذين يفترون على الله الكذِبَ لا يفلحون ( النحل 116. فالآية تدل على أن الله وحده صاحب التحليل والتحريم فلا يجوز أن نحلل شيئاً من عند أنفسنا ، أو نحرّمه حسب هوانا ، والمفتي يخبر عن الله وعن دينه ، فإن لم يكن خبره مطابقاً لما شرعه الله ، كان قائلاً على الله بغير علم .
قال ابن عباس : ” إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون ” .
لقد أصبحنا نرى الكثيرين ممن لا يستطيعون التمييز عمن أخذوا ، ومن يستحق أن يستمع إليه في أمور الشرع ومن يستحق ألا يؤخذ منه ، ولا يلتفت إليه ، وإذا ما تكلم في أمور الشرع يستمع إليه ، دون التمييز عمن يؤخذ عنه ، ومن الذي يستحق أن يتكلم في مسائل الشرع ؟ فالمتكلم في أحكام الدين لا يعطينا رأيه الخاص أو وجهة نظره الشخصية ، ولا يسأل عن مزاجه أو عن هواه ، إنما يُسْأل عن حكم الله ، أو حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة ، ولذلك عبر الإمام القرافي -وهو من فقهاء المالكية وأصولييهم- عن المفتي ، بأنه ترجمانٌ عن الله تعالى ، فهو مترجم للنص الشرعي ، وقد كان السلف يحاولون أن يتخلصوا من الفتوى ويسندوها إلى غيرهم . لما جاء من التحذير من الفتيا في سنن الدارمي باب : من هاب الفتيا ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سُئل فقال: (لقد أدركت بهذا المسجد عشرين ومائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا يسأل عن فتيا إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا) ولكننا نرى من يتحلل من قيود الدين وأحكامه في فتواه بحجة مراعاة الواقع أو الظروف ، أو ما أشبه ذلك من المتغيرات ، التي تبنى عليها الفتوى ، متناسياً أن حكم الله ورسوله لا يتغير بحال من الأحوال .
وهناك بعض النفوس التي تواجه صعوبة في تغيير الواقع وصعوبة في إزالته أو تحويله إلى واقع آخر ، يرضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد يُدخِل البعض هذا في باب الضرورات ويقول : يا أخي هذه ضرورة وما علم أن الضرورة لها أحكام ولها ضوابط ، فليس كل شيء ظن الإنسان أنه يحتاجه أصبح ضرورة ، بل للضرورة ضوابط وشروط ، لا بد من تحققها فإذا تحققت هذه الضرورة فإنه يعمل بها في إطارها ، وتقدر الضرورة بقدرها ، دون أن يتعدى بها هذا الإطار إلى الناس كلهم بشكل عام فالناس قد يقعون في المعصية ، ولكن مع الوقوع ؛ ينبغي أن يكثر الإنسان من الاستغفار، وألا يتحول الأمر إلى أن يبحث الإنسان عن أمر يحلل له المعصية ، ففرق بين من يعصي ويقول : أستغفر الله ، وبين من يقع في المعصية ثم يذهب يبحث في بطون الكتب ، عن نص يبيح له هذه المعصية . وهل من الحكمة أن نتعامل مع الله عز وجل بهذا الأسلوب ؟ وكأننا نفترض أن الله تعالى سيسألنا أوجدنا في كتب المراجع ، أو في أقوال العلماء أن هذا الأمر حلال ؟! بالطبع هذا غير معقول ، لأن الله عز وجل سيحاسب عباده ، على حسب ما وصل إليهم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، إما آية محكمة ، أو سنة ماضية ثابتة قال تعالى:{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } القصص 65 . هذا هو السؤال : ماذا أجبتم المرسلين؟ فإذا عجزنا عن ترك معصية أو وقعنا فيها فهذا لا يبيح لنا أن نذهب للبحث عن تحليل لهذه المعصية ، وإذا عَجزنا كأمة أو مجتمع عن تغيير بعض المنكرات الواقعة ، من سفور واختلاط وربا فهذا لا يبـرر لنا أن نذهب للبحث عن تحليل لها ، بل ينبغي أن نقول للحرام : هذا حرام وهو موجود ، ونسأل الله أن يعيننا على إزالته ، ونبحث عن الوسائل والأسباب ، التي تعيننا على تغيير هذا المنكر أما أن نتحول من العجز عن التغيير ، إلى البحث عن مرتبة أقل من ذلك ، لنقنع أنفسنا بأن هذا الوضع أو هذا الحكم الذي نحن فيه مباح ، كعجز المسلمين في هذا الوقت بسبب ظروف وأوضاع داخلية وخارجية ، عن إخراج اليهود من أرض المسلمين ، نحن نقول عجزنا لأننا نأمل من الله أن يأتي الوقت الذي ستخرج اليهود منها حتماً كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ونكون من المجرمين لو أقررنا اليهود على هذا الأمر ، وأعطيناهم وثيقة نعترف لهم بالحق في فلسطين ، بحجة أننا عاجزون ، لأن وجودهم يصبح شرعياً ، بمقتضى هذا الاعتراف من المسلمين ، مع أن المفروض أن نقرَّ بالعجز عن تغيير هذا الواقع إلى حين ، ولا نعترف به كواقع أبدي .
لقد حذَّر أهل العلم من تتبع الرخص ، يقول سليمان التيمي : ” لو أخذت برخصة كل عالم ، اجتمع فيك الشر كله” ويقول ابن عبد البر في تحريم تتبع رخص العلماء :”لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم” وقد نُقل عن ابن حزم وابن الصلاح وغيرهم من العلماء ، إجماع العلماء ، على أنه لا يحل لمسلم أن يكون شأنه تتبع الرخص ، كأن يقول : قال فلان : هذا يجوز، وقال فلان : هذا مباح ، وقال فلان : لا يصل الأمر إلى التحريم بل أقصى أحواله الكراهة وهكذا . وعليه فإن تتبع الرخص بهذه الطريقة حرام بإجماع العلماء ، قال الأوزاعي :” من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام” لأن النوادر والشذوذات لا تنتهي بحال من الأحوال ، وهي أصلاً ما اجتمعت في واحد من العلماء ، بل تجد العالم بحراً زاخراً من الفضائل ، لكن عنده زلة واحدة ، فأنهم يأخذوا بهذه الزلة ، والزلة تجمع زلات ، فيتعاملوا بهذه الزلات ويقولوا هذه هي أقوال أهل العلم ، يقول الأوزاعي إمام أهل الشام : نحن نجتنب من أقوال أهل العراق خمساً ، أي خمس مسائل من مسائل فقهاء العراق لا نقبلها، ونتجنب من أقوال أهل مكة خمساً، وذكر مسائل لا نقبلها من فقه هؤلاء ، ولا من فقه هؤلاء حتى أن الإمام أحمد رحمه الله يقول :” لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وقول أهل المدينة في السماع ، وقول أهل مكة في المتعة لكان فاسقاً” مع أنه ما خرج عن أقوال العلماء ، ومع ذلك فسقه ، وقد ذهب الأوزاعي إلى أبعد من ذلك فقال :” يكفر ولو لم يخرج بعد من أقوال العلماء” وقال الإمام ابن حزم رحمه الله :” هناك قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل ، فهم يأخذون ما كان رخصةً في قول كل عالم غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم” ومن آثار هذا المسلك الخطير من تتبع الرخص وأخذها الاستهانة بالدين ، إذ يصير الدين بهذا الاعتبار كما ذكر الشاطبي في الموافقات قال :” يصير الدين سيالاً لا ينضبط ما دام أنه لم يبق شيء يمكن التحاكم والرجوع إليه” كما أن من الآثار السيئة لتتبع الرخص الإعراض عن الدليل الشرعي من الكتاب والسنة ، ونحن نقول : نطالب الناس بالرجوع إلى الكتاب والسنة لا إلى قول فلان أو علان لأن المطلوب هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وهذا أمر يجب أن يقبل به كل مسلم قال تعالى:{ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً }انساء 65 وقد حذر أهل العلم من مجاراة الظروف ، والأوضاع المستقرة في مجتمعات الناس ، وتطويع النصوص والأحكام الشرعية لها ، مع مخالفة هذه الأشياء لحكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وذلك لأن للواقع ضغطاً على كثير من النفوس ، فالإنسان بطبعه يحب أن يوافق من حوله وأن يقرهم على ما هم عليه ، ويكره أن يواجههم بشيء يكرهونه ، فلذلك إذا انتشر عند الناس أمر وشاع وذاع واستقر في حياتهم ، وأصبح جزءاً من واقعهم ، فقد يصعب على الإنسان أن يقول لهم هذا حرام ، أو هذا لا يجوز ، وبالتالي يذهب ليبحث عن مسوغ في تحليل هذا الحرام أو تجويزه ، حتى يسلم من هذا الحرج الذي يجده في نفسه. وهناك من يركز على قضية الرخصة والتيسير في الدين وأن الإسلام فيه تيسير عظيم ، ومن التيسير أن الله تعالى ما أغلق باباً إلى الحرام ، إلا وفتح باباً إلى الحلال ، فالمهم أن الدين فيه تيسير وسماحة ، فتجد من يقول لك يا أخي الدين يسر ، وقد رخص الفقهاء بهذا .
فما هي رخص الفقهاء ، الدارس للفقه يعرف أن لكل مذهب رخصة في مسائل ، فمثلاً تجد في مذهب من المذاهب ، هذا حلال وهذا حرام ، وفي المذهب نفسه ممكن أن يحرِّم مسألة أخرى ، يبيحها المذهب الأول وتجد بعض الناس ، يأتي إلى المذهب ، فيأخذ ما فيه من الرخص ، بأن يأخذ كل ما فيه من تحليل ، ويترك كل ما فيه من تحريم ، ثم يأتي إلى المذهب الآخر ، فيأخذ كل ما فيه من تحليل ، ويترك ما فيه من تحريم ، وهذه مسألة خطيرة ، لأنها عبارة عن تلفيق مجموعة من الآراء بغير ضابط ، إلا بمجرد أنها رخص ، ليس فيها مشقة على النفس ولا تكليف ، لكنها تناسب المزاج ، وخاصة مزاج الكسالى والقاعدين ، والذين لا يحبون أن يعملوا ، ولا أن يخضعوا حياتهم لحكم الله تعالى ، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم بل يصل الحال ببعض هؤلاء الذين لا يراقبون الله تعالى ولا يخافونه ، أن يصنفوا مصنفات ، يجمعون فيها رخص بعض العلماء ، وقد ذكر البيهقي وغيره أن إسماعيل القاضي قال :” دخلت على المعتضد وهو من أمراء بني العباس ، فرفع إلي كتاباً لأنظر فيه ، وقد جمع فيه رخص بعض العلماء ، من غير تثبت ولا نظر ، ولا مقارنة ولا ترجيح ، قال : فنظرت في هذا الكتاب ثم قلت : مصنف هذا الكتاب زنديق ، فسأله الخليفة لماذا ؟ قال له : هذه الأحاديث التي ذكر ، لم تصح على ما رويت فمن أفتى مثلاً بالمتعة ، لم يفت بإباحة الغناء والمسكر ، وصاحب الكتاب قال : الغناء حلال ، وأهل المدينة أباحوه والمسكر حلال لأن أهل العراق أباحوه ، والمتعة حلال لأن أهل مكة أباحوا المتعة بالنساء وهي معروفة . فقال له : الذي أباح مثلاً النبيذ ما أباح الغناء ، والذي أباح الغناء ما أباح النبيذ ، والذي أباح المتعة ما أباح هذين ، فكيف يأتي بترخيصات لهؤلاء جميعاً ويجمعها ” . وبالمناسبة أمر المعتضد بإحراق هذا الكتاب ، ما دام أن مؤلفه زنديق حتى روى أنهم قالوا : ما أحوجنا إلى نار المعتضد لتحرق كتباً من هذا القبيل! .
وبالمناسبة فإني بهذا لا أقصد الرخص الشرعية ، مثل الفطر للمسافر أو للمريض ، أو القصر وما أشبه ذلك ، فهذه يحب الله تعالى أن يأتيها الإنسان كما في الحديث الصحيح: ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه ) وقال الله عز وجل :{ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } البقرة 185 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يسروا ولا تعسروا ) فالدين هو دين اليسر ، وفي الدين من السماحة والتيسير ما يعرفه المختصون ، وليس معنى ذلك أنه كلما كان العالم أكثر منعاً وتحريماً ، كلما كان أوسع علماً ، لا؛ بل العكس فإن العالم الحقيقي أقرب إلى التيسير من غيره . وكما قال سفيان الثوري رحمه الله : “إنما العلم عندنا الرخصة عن ثقة ، فبين شيئاً فيه ترخص ، وتسامح ، وتيسير وتسهيل على الناس ” وليس ذلك إلا عن إنسان عالم ، يعرف أين يضع الرخصة ، وأين يضع العزيمة ، وأين يضع اليسر والشدة ، فلا بأس أن تقلد عالماً تثق بعلمه وبدينه ، على أن تقلده في الرخصة والعزيمة ، والتيسير والتشديد ، فلا حرج في ذلك ، لكن كونك تقول : بمجرد أن المسألة فيها أقوال ، أنا مأذون لي شرعاً أن أختار على مزاجي وحسب رغبتي من هذه الأقوال ، فأختار ما ترتاح له نفسي ، فهذا لا يجوز لأن الميزان واضح في قوله تعالى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر } النساء 59. فهذا هو الميزان أما من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، فهو يختار ما يشاء . وقال تعالى في آية أخرى : { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } النور:48-49 . يعني إذا وجد حكماً شرعياً يعجبه أخذ به ، وإذا وجد حكماً لا يعجبه رفضه ، وقال إن المسألة فيها خلاف ، وهذا ليس صحيحاً ، لأنهم بهذا يشددون ويضيقون على عباد الله فالتشهي في الشرع لا يجوز، لأن الشرع إنما جاء لإخراج الناس عن شهواتهم النفسية ، وأمزجتهم الذاتية إلى شريعة الله كما قال تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } الجاثية 18. وقال تعالى:{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } المائدة 49. فما أنـزل الله شيء ، والأهواء شيء آخر ، وأنت مطالب بالحكم بما أنـزل الله ، وترك الأهواء وعدم الالتفات إليها . فالعامي أو السائل أو المستفتي ، إذا جاء للعالم يقول : أفتني في المسألة الفلانية أو ما حكم الله ورسوله في المسألة الفلانية ؟ وكأنه يقول له : يا عالم أو يا إمام أو يا مفتي أخرجني من هواي ، لأن العامي أصلاً يعرف هواه . فعندما يسأله ما حكم شرب هذا الكأس ؟ هو يعرف أن نفسه تشتهي هذا الأمر أو لا تشتهيه ، وهو ما جاء يسأل العالم عن شهوته الذاتية أو عن مزاجه الشخصي ، بل جاء يسأل العالم عن حكم الشرع في هذه المسألة . فمن غير الصحيح أن المفتي أو العالم أو الفقيه سيقول له : المسألة فيها قولان ، وأنت اختر من القولين ما شئت ، لأن معنى ذلك أنه رده إلى هواه ، وهو ما جاء ليسأل عن هواه ، لأنه يعرف هواه قبل أن يأتي ، إنما يريد حكم الله ورسوله في المسألة .
فأصل مسألة “الحلال والحرام” ليست مسألة سهلة ، لأنك تعبر فيها عن حكم الشرع ، فأنت مترجم لحكم الله ورسوله ، وموقّع عن رب العالمين ولست تأتي بشيء من جيبك الخاص ، حتى تتساهل في هذا الأمر إلى هذا الحد ، أو تفرط فيه بحجة أو بأخرى ، فمن أفتى بدون علم ولا تثبت ولا دليل شرعي ، يحمل وزره ووزر من أضله بغير علم ، لقوله تعالى : { فمن أظلم مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الأنعام 144 . فمن تكلم في شأن دينيٍ بغير علمٍ ، فهو من أظلم الظالمين ، فهو ظالم لنفسه وظالم لغيره ، وظالم لأمتة ، وظالم للمجتمع ، وإثمه موقوف عليه ، وكذلك إثم من أضلهم بغير علم كما قال تعالى :{ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } النحل 25 .
ما حكم الفتوى بغير علم
