ما حكم سب الدين أو الرب


سب الدين أو الرب من أعظم الكبائر ومن أعظم المنكرات ، وقد اتّفق الفقهاء وأهل العلم جميعا في حُكم من سبَّ دين الله ، أو سبَّ الله وشتَمه، أو سبَّ رسوله، أو استهزأ به ، على أنه كافرٌ مُرتَدّ عن الإسلام إن كان مسلماً، سواءً كان ذلك السبُّ مباشراً بشتم الذّات الإلهيّة أو الدّين الإسلاميّ، أو غير مباشر عن طريق الاستهانة بتعاليم الله، وأحكامه، وكتبه، ورُسله، أو الاستهزاء بما جاء به أنبياؤه، وجاء بيان حُكم سبِّ الدّين أو الاستهزاء به في كتاب الله عزَّ وجلَّ قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ*لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ التوبة . أما مَن شتم دينَ مسلم ، فإنه لا تجوز المسارعة إلى تكفيره؛ لأنه وإن أقدم على أمر محرَّم شرعًا ، إلا أنه لَمّا كان محتملًا للدِّين ، بمعنى تدين الشخص وطريقته ، فإن هذا الاحتمال يرفع عنه وصف الكفر، إلا أنه مع ذلك لا ينفي عنه الإثم شرعًا؛ لأنه أقدم على سب مسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما أنه تجرأ بذلك على لفظ سَيِّئٍ قبيحٍ دائر بين الكفر والإثم ، فإن سلم من الكفر فإنه واقع في المعصية، وقد نهى الشرع عن إطلاق الألفاظ التي تحتمل معاني فاسدة، فكيف إذا احتملت الكفر وسب دين الإسلام! وعلى ذلك جرى كلام الفقهاء في تأثيم صاحبه وتعزيره من قبل الحاكم ، مع المنع مِن المبادرة بتكفيره ، بمقتضى كلام فقهاء الحنفية -كما يقول العلامة ابن عابدين في “رد المحتار على الدر المختار” : أنه لا يكفر بشتم دين مسلم؛ أي لا يحكم بكفره لإمكان التأويل بأن مراده أخلاقه الرديئة ، ومعاملته القبيحة ، لا حقيقة دين الإسلام فينبغي أن لا يكفر حينئذ، ونص على ذلك المالكية ؛ جاء في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك : ” يُؤخَذ مِن هذا الحكمُ فيمن سب الدين أو الملة أو المذهب وهو يقع كثيرًا مِن بعض سفلة العوام كالحمّارة والجمّالة والخدّامين، وربما وقع من غيرهم ، فإن قصد الشريعة المطهرة والأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو كافر قطعًا ، وإن قصد حالة شخص وتَدَيُّنَه فهو سب المسلم؛ ففيه الأدب أي التعزير باجتهاد الحاكم ويفرق بين القصدين بالإقرار والقرائن ” .
وعليه فإن سب الدين أمر محرم شرعًا؛ فإن قصد به المتلفظ طريقة الشخص وتدينه وأخلاقه فهو آثم شرعًا ، مرتكب لمعصية سمّاها النبي صلى الله عليه وسلم فسقًا، ولكنه لا يكون كافرًا ، ولا يجوز إطلاق الكفر عليه، أمّا مَن سب الدين مريدًا به دينَ الإسلام قاصدًا عالمًا فإنه يكون مرتدًا عن الإسلام ، ويكون كافرًا يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل من جهة ولي الأمر ، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يستتاب بل يقتل؛ لأن جريمته عظيمة ، ولكن الأرجح أنه يستتاب لعل الله يمن عليه بالهداية فيلتزم الحق ، ولكن لا مانع من تعزيره، وهو الصواب كما قال جمع من أهل العلم ، وينبغي أن يعزر بالجلد والسجن حتى لا يعود لمثل هذا ، وقال آخرون: لا يستتاب بل يقتل بكل حال وهو قول قوي ، لكن استتابته أولى إن شاء الله ، مع التأديب المناسب والسجن المناسب ، حتى لا يعود إلى هذا المنكر، وهكذا لو سب القرآن أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن سب الدين وسب الرسول صلى الله عليه وسلم وسب الرب من نواقض الإسلام ، وكذا الاستهزاء بالله أو برسوله أو بالجنة أو بالنار أو بأوامر الله كالصلاة والزكاة، فإن القول الراجح عند المحققين من أهل العلم وهو مذهب الجمهور أن من سب الله عز وجل أو سب الرسل أو بعضهم يجب قتله حدا ، ولا تقبل توبته إن تاب ، يدل عليه قول الله عز وجل : ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ماكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ﴾ وقد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه الآية على أن المسلم يقتل من غير استتابة إذا سب الرسول صلى الله عليه وسلم وإن تاب بعد أخذه ، فقال في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ، بأن هذا يقتضي قتله ويقتضي تحتم قتله ، وإن تاب قبل الأخذ ، لأنه سبحانه ذكر الذين يؤذون الله ورسوله ويؤذون المؤمنين والمؤمنات ، فإذا كانت عقوبة هؤلاء لا تسقط إذا تابوا قبل الأخذ ، فعقوبة هؤلاء أولى وأحق ، يعني أن من قذف مؤمنا أو مؤمنة فإن العقوبة المترتبة على القذف لا تسقط وإن أظهر القاذف توبته ، وكذلك عقوبة من سب الله أو سب رسوله فإن عقوبته لا تُسقِط بلسانه ، كفر هو باق عليه ، إلا أن العقوبتين تتفاوت فعقوبة سب المسلم إن كانت قذفا فالحد ، وإن كانت شتما فالتعزير أما عقوبة سب الله أو سب رسوله فهي القتل حدا :
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أهدر دم عبد الله بن خطل لأنه أسلم ثم ارتد ، فكان يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ، وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ، وأمر بقتل كعب بن الأشرف فقال : من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله وأمر بقتل امرأة كانت تتغنى بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم ولما قتلها رجل من المسلمين ، قال لا ينتطح فيها عنزان ، وأمر الأعمى بقتل جاريته التي كانت تتغنى بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاها فأبت فقتلها ، إلى غير ذلك من الأدلة التي حصرها يطول وقد استقصى جميعها أو أكثرها شيخ الإسلام في كتابه المذكور، الصارم المسلول ، فقال إن سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم كفر ظاهرا وباطنا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهبا عن اعتقاده .
هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية ، وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد ، قال قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من الأنبياء أنه كافر، وإن كان مقرا بما أنزل الله ، وكذلك قال محمد بن سحنون ، وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك قال : أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك في كفره وعذابه كفر ، وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة ، ثم ذُكِر عن الإمامين أحمد بن حنبل والشافعي ما يؤيد هذا المذهب ثم قال : وكذلك قال أصحابنا وغيرهم من سب الله كفر سواء كان مازحا أو جادا لهذه الآية قال تعالى : ﴿ قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴾ ثم قال وهذا هو الصواب المقطوع به
أما حكم سبّ الدّين في حالة الغضب الشديد :
يرى الفقهاء أنّ من سبَّ الدّين الإسلاميّ أو الذّات الإلهيّة، أو أساء إلى الله أو رسوله فعلاً أو قولاً بعد أن وصل إلى حالة غضبٍ شديدٍ؛ بحيث لم يعلم ما صدر عنه من أفعال أو كلمات فإنّه لا يؤاخذ على ما صدر منه ولا يترتّب عليه شيءٌ عن ذلك حتّى لو فعل ما فعل، ويمكن أن التحقُّق من حالته بسؤاله عمّا فعل، فإن ذَكَرَه فإنّما يكون مُدرِكاً لفعله وقوله فهو كافر مرتد عن الدين ، أمّا إن لم يَذكُر ما فعله أو قاله فيكون قد خرج عن طوره، ولم يعِ أقواله وأفعاله، فيدخل بذلك في حُكم المدهوش
أما عن قبول توبة سابّ الدّين :
اختلف أهل العلم في قبول توبة سابّ الدّين أو سابّ الله على قولين الأول : أنّ توبته لا تُقبَل، بل يُحكَم عليه بالقتل لكفره، ولا تجوز الصّلاة عليه، ولا الدُّعاء له بالرّحمة، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، وقد ذهب إلى ذلك فُقهاء الحنابلة. الرّأي الثاني: تُقبّل توبته إذا عُلِم عنه صِدق توبته إلى الله، وأقرَّ بأنّه قد أخطأ بحقّ الله وحقّ نفسه، ثمّ وصف الله -سبحانه وتعالى- بما يليق به من صفات الكمال والتّعظيم. شروط توبة سابّ الدّين فقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ فإذا تاب سابُّ الدّين من فعله، أو قوله فإنّ الله يتوب عليه ما دامت توبته صحيحةً مُستوفيةً الشّروط الشرعيّة، فهو كغيره من العصاة والمرتدّين؛ إن تابوا قُبلت توبتهم، أمّا شروط التّوبة النَّصوح التي ينبغي توفّرها فيمن يُريد التوبة من شتم الدّين الإسلاميّ، فهي: أن تكون التوبة خالصةً لله سبحانه وتعالى؛ وذلك بألّا يكون القصد من التوبة الرِّياء أو السُّمعة، أو مخافة مخلوق، أو رجاء نعمةٍ دنيويّة ينالها كأن تكون وظيفةً، أو مالاً، أو منصباً، فإذا أخلص التائب في توبته لله، وكان الدافع لها تقوى الله عزّ وجلّ، ومخافة عقابه، ورجاء ثوابه يكون قد حقّق الشرط الأوّل الأهمّ في صحّة التّوبة. أن يندم الذي سبَّ الدّين الإسلاميّ أو الذات الإلهيّة على ما فعل من الشتائم، والاستهانة بالإسلام وأحكامه وشرائعه، أو شتمه لشيءٍ من ذلك، بحيث يجد في قلبه حسرةً لما فعل، وحزناً على ما بدر منه، وأن يرى أنّ ما فعله سابقاً كان كبيرةً من الكبائر، ويجب عليه التوبة عنها، وترك العودة إليها قَطعاً. أن يعزم على الإقلاع عمّا فعله من شتم الدّين، والإساءة إلى أحكام الإسلام، فلا يبقى مُصرّاً على فعله، يُعيده مرّةً بعد مرّة. أن يعزم التائب على ألّا يعود إلى ذلك الفعل بعد ذلك في المستقبل مهما جرت الظروف، ومهما تغيّرت الأحوال؛ وذلك بأن ينوي بقلبه متيقّناً، ويعزم مؤكّداً أنّه لن يعود إلى تلك المعصية ما دام على قيد الحياة.
أما حكم زوجة من سب الدين :
وبما أن سبّ الدين ردّة عن الإسلام، والمرتدّة لا تكون زوجة لمسلم والمرتدّ لا يكون زوجًا لمسلمة؛ فإذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول حُكِمَ بفسخ عقد النكاح بينهما، ولا عدّة لها، فلا تحلّ له إلا بعد أن يسلم من ارتدّ منهما ، فينطق بالشهادتين ثم يعقد عقد نكاح جديد على تلك المرأة ، وإن كانت الردة بعد الدخول حُكِم بالتوقف؛ فليس له أن يعاشرها معاشرة الأزواج بل ينتظران: فإن عاد المرتد منهما إلى الإسلام وتاب وهي في العدة رجعت إليه من دون حاجة إلى شيء أي إذا تاب وأناب إلى الله رجعت إليه ، وأما إذا انتهت العدة وهو لم يتب فإنها تنكح من شاءت ، ويكون ذلك بمثابة الطلاق ، لا أنه طلاق ، لكن بمثابة الطلاق لأن الله حرم المسلمة على الكافر .
قبل انتهاء عدّة المرأة؛ استمرّ النكاح، وإلا بانت منه بينونة صغرى من حين الردة، ولا يُجَدَّد عقد النكاح بينهما إلا إذا عاد المرتدّ إلى الإسلام ، أما إن تاب بعد العدة وأراد أن يتزوجها فلا بأس ، ويكون بعقد جديد أحوط خروجاً من خلاف العلماء ، وإلا فإن بعض أهل العلم يرى أنها تحل له بدون عقد جديد ، إذا كانت تختاره ، ولم تتزوج بعد العدة بل بقيت على حالها ، فإن الأكثرين يقولون : متى خرجت من العدة بانت منه وصارت أجنبية لا تحل إلا بعقد جديد ، فالأولى والأحوط أن يعقد عقداً جديداً ، هذا إذا كانت قد خرجت من العدة قبل أن يتوب ، فأما إذا تاب وهي في العدة فهي زوجته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الذين أسلموا بعد إسلام زوجاتهم على أنكحتهم قبل خروج زوجاتهم من العدة .
والجدير بالملاحظة أن العدّة هنا كعدة المطلقة، وأن الفسخ بسبب الردة لا يُحسب طلاقاً؛ فلا يدخل في عدد الطلقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *