ما هو الإيمان


هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح ، إنه سر من الأسرار الخفية التي يودعها الله قلب من يشاء من عباده المخلصين والإيمان الحق : هو نور من الله يضئ جوانب النفوس وسعادة تغمر القلوب ، ويقظة تحيى الضمير ، وشعور بالطمأنينة ، وهو مصدر الطاقة المتحررة التي تسمو بالإنسان عقلاً وقلبا ، عن عبادة الأشخاص أو الأوضاع أو التقاليد ، وكما أن الإيمان طاقة تحرير فهو عامل تطهير ووسيلة امن ، ومصدر سكينة ، ورمز كرامة وعزة : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} النور40 . ولا يكون الإيمان مثمراً إلا إذا كان انطلاقاً إلى عمل جاد لصالح الفرد والأمة، ووقوفاً مع الله تعالى بإخلاص وصدق وتجرد ومن ثم نقول: إن الإيمان من غير عمل شجرة بلا ثمر ، فإبليس كان يعلم أن الله ربه ، وأنه لا إله إلا هو، وأن مصيره إليه يوم يبعثون ، ولكنه لما كلف بالعمل ، حين صدر إليه الأمر الإلهي بالسجود لآدم ، أبى واستكبر ، وقال :{ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً } الإسراء 61 . فلم تنفعه معرفته بالله ، ولم ينفعه علمه بأن البعث والمصير إلى الله لأن الإيمان الذي لا يستلزم الخضوع لله لا قيمة له ولأن المعرفة التي لا يصاحبها العمل لا وزن لها ، فكان الجزاء كما قال الله : { وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } الحجر 34 ، والإيمان من غير عمل لا يفيد ، والعمل من غير إيمان بالله لا ينفع ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً } الكهف 103 . وقد جاء ذكر الإيمان مقروناً بالعمل الصالح في القرآن قال تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } الكهف 30 . وماذا يبقى للإيمان من دور فاعل في الحياة ، حينما يحصر في التصديق والإقرار ؟ وهل ثمة إيمان قلبي تام لا يلازم عمل بدني ظاهر ؟ ثم أليس الإيمان القلبي يستلزم الأعمال الظاهرة ؟ وكيف يتحقق الإيمان ؟ وكيف يظهر صدق ذلك ؟ أيتحقق الإيمان بتصديق قلبي مع امتناع الجوارح عن العمل ؟ أم بإقرار لساني مع ترك جميع المحرمات ؟ وفي هذا قال الحسن البصري : “ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ” وقد أكد الله ذلك بقوله : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } الأنفال 2 . وقد أنكر أئمة السلف على من أخرج العمل من الإيمان إنكاراً شديداً وجعلوه من الأقوال المحدثة المردودة على أصحابها ، قيل لسفيان بن عينية :” إن قوماً يقولون : الإيمان كلام فقال : كان هذا قبل أن تنـزل الأحكام ، فأمر الناس أن يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا دمائهم وأموالهم فلما علم الله صدقهم ، أمرهم بالصلاة ففعلوا ، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار ، ثم ذكر الأركان إلى أن قال : فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض وقبولهم قـال :{ اليوم أكملت لكم دينكم } فمن ترك شيئاً من ذلك كسلاً أو مجوناً أدبناه عليه وكان ناقص الإيمان ، ومن تركها جحوداً كان كافراً ” وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدى عامله على الجزيرة :” إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ” ، لقد كانوا يملكون رصيداً حياً من مبررات الانطلاق والحركة ، التي تربوا عليها في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابة والتابعين ؛ لم يكونوا يفرقون بين الإيمان والعمل ، بل إن صدق الإيمان وعمق اليقين ، الذي استقر في قلوبهم ، أطلق جوارحهم بالعمل ، وجعلهم يسطرون بفاعليتهم صفحات في ميادين الفضيلة ، ودروب البر والخير ، وإلا فما الذي حمل حنظلة على مفارقة فراش زوجه الوثير ، في ليلة عرسه ؟ وهو القادر لو شاء أن يلتمس من الأعذار ما يعفيه من اللحاق بقافلة المجاهدين ؟ وما هي الدوافع التي حملت أولئك الكرام على التسابق في الإنفاق، والتنافس في البذل والعطاء ؟ يقول عمر : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ، فوافق ذلك مالاً عندي فقلت : اليوم اسبق أبا بكر إن سبقتة يوماً فجئت بنصف مالي ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ) وما الذي حدا بأبي طلحة حينما وقف على قوله تعالى :{ انفروا خفاقاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله } التوبة 41 . أن يقول لأبنائه : أرى ربما استنفرنا شيوخاً وشباناً ، جهزوني يا بني ، فقال بنوه : يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، ومع أبى بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك ، فأبى وركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها ، وهذا الصحابي عمرو بن الجموح – الأعرج شديد العرج – كان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ، فلما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، أراد أن يتوجه معه ، فقال له بنوه : إن الله قد جعل لك رخصة ، فلو قعدت ونحن نكفيك ، وقد وضع الله عنك الجهاد ، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك والله إني لأرجوا أن استشهد ، فأطا بعرجتي هذه الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد وضع عنك الجهاد ، وقال لبنيه : وما عليكم أن تدعوه ، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة ، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد .
إنها القوة الإيمانية الدافعة إلى الطاعات وفعل الخيرات قرأت قصة رجل استيقظ مبكراً ليصلي الفجر في المسجد لبس وتوضأ وذهب إلى المسجد ، وفي منتصف الطريق تعثر ووقع ، فاتسخت ملابسه ، فرجع إلى البيت إلي البيت ليستبدلها ، ثم رجع ثانية إلى المسجد ، وفي نفس المكان تعثر ووقع ، فاتسخت ملابسه ، فرجع إلى البيت واستبدلها ، ولما خرج من البيت إلى المسجد ، لقي شخصاً يحمل مصباحاً ينتظره ، فسأله من أنت قال : قال رأيتك وقعت مرتين ، وجئت لأنور لك الطريق إلى المسجد ، ولما وصلا باب المسجد ، قال له الرجل : ادخل لنصلي ، فرفض الدخول ، وعندما كرر عليه الطلب رفض وبشدة ، ولما سأله عن سبب الرفض قال له : أنا الشيطان ، أوقعتك في المرة الأولى لكي ترجع ولا تصلي بالمسجد ، لكنك رجعت ، فغفر الله ذنوبك ، ولما أوقعتك المرة الثانية ورجعت ، غفر الله لأهل بيتك ، وفي المرة الثالثة خشيت أن أوقعك فيغفر لأهل قريتك .
إن المسلمين اليوم فقدوا القوة الإيمانية التي ترغب في العمل والعطاء ، وتسرب إليهم الوهن لضعف إيمانهم وفتور هممهم ، وتناسوا أن القوة الإيمانية التي دفعت أسلافهم نحو البناء الحضاري ، لم تعد تملك الوقود اللازم الذي يتمثل في وضوح الفكرة ، وبذلك أصبح المسلمون عاجزين عن أداء رسالتهم الحضارية لأن من يفقد قوة الدفع اللازمة ، سيبقى ثابتاً في مكانه يدور حول نفسه ، والإيمان هو القوة الدافعة المحركة التي فقدوها ، وحينما يفهم المؤمنون ذلك ، فإن رياحه حينما تهب تأتى بالأعاجيب ، وتغير مجرى التاريخ ، وتحدث انعطافاً حاداً في مسيرة الزمن ،لأن له حلاوة لا يعرف طعمها إلا من ذاقها ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا ) مسلم . فهذا بلال بن رباح رأى حلاوة الإيمان بالله وهو يردد أَحَدٌ..أَحَدٌ، وهو ملقي على رمال مكة الملتهبة ، وهذا ابن تيمية قال سعيداً بإيمانه: ماذا يصنع أعدائي بي؟ جنتي في صدري ، لا يستطيعون أن ينـزعوها مني فإن نفوني فنفيي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة ، والدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، إنها جنة الإيمان في صدري كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمحبوس من حبس قلبه عن ربه ، والمأسور من أسره هواه ، والله لو بذلت ملء القلعة ذهباً ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ، اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولسان حاله :
أنا لست إلا مـؤمناً باللـه في سري وجهري
أنا نبضة في صدر هذا الكون فهل يضيق صدري
وقد قُرن الإيمان بحسن الخلق نلاحظ ذلك في قولـه صلى الله عليه وسلم : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً ) صحيح المستدرك للحاكم النيسابوري وقد كان المسلمون الأوائل إذا سمعوا آية فيها تكليف سارعوا إلى تطبيقه ، وإذا نزل تحريم لأمر انتهوا عند ذلك من صدق الإيمان وصلابة العقيدة .
وهنا سؤال : لماذا لا نرى ذلك الأثر في واقع المسلمين الآن ؟ لإننا نجد الفرق شاسعاً بين ما يدّعون من عقيدة وبين ما يسلكون ويتصرفون به في المعاملات والسلوك . والحقيقة : أن الدعوى شيء والإيمان الحقيقي شيء آخر إذ الإيمان حقيقة ، وكل حقيقة لها علامة، وعلامة الإيمان العمل به ، وإذا دخل الإيمان القلوب واستقر فيها دفع النفوس إلى العمل بموجبها ، وهؤلاء ممن : { يَقُولُونَ بَأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } آل عمران 167 . لأن معيار صدق الإيمان هو العمل الصالح ، والإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، والاعتقاد الصحيح يدفع إلى السلوك الطيب . وإن ما وصلت إليه الأمة من ضعف مرده إلى ضعف الإيمان أو فقدانه ، وقد أصبحت الشكوى مريرة ، لما أصاب الناس من انهيار في الأخلاق واضطراب في الموازين؛ فالجار يشكو جاره والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل : مَن يا رسول الله؟ قال : الذي لا يأمن جاره بوائقه ) رواه البخاري.
وثمرة الإيمان الكامل ، تكمن في القوة الدافعة لكل ما هو خير للإنسان, بدءا من جهاد النفس ومغالبة الهوى ووصولاً إلى الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ، ومنع الظلم والفساد في الأرض, وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وثمرة الإيمان الكامل لها ما لها من الآثار العظيمة في حياة الإنسان ، وفي القصة القصيرة التي رواها الإمام مسلم برهان مبين على مبلغ أثر الإيمان ،ذلك أن رجلاً كان ضيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت ، فشرب حلابها، ثم أمر له بثانية فشرب حلابها ثم بثالثة فرابعة حتى شرب حلاب سبع شياه وبات الرجل وتفتح قلبه للإسلام ، فأصبح مسلماً معلناً إيمانه بالله ورسوله ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم له في الصباح بشاة فشرب حلابها ثم أخرى لم يستتمه، وهنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن المؤمن ليشرب في معىً واحد والكافر ليشرب في سبعة أمعاء) . فيما بين يوم وليلة استحال الرجل من شرهٍ حريص على ملء بطنه ، إلى رجل قانع عفيف ماذا تغير فيه ؟ إن الذي تغير فيه قلبه حيث تحول من الكفر إلى الإيمان .
جاءت أمراه إلى داوود عليه السلام ، قالت: يا نبي الله ربك ظالم أم عادل ؟ فقال داود: ويحك يا امرأة هو العدل الذي لا يجور، ثم قال لها ما قصتك ؟ قالت : أنا أرملة عندي ثلاث بنات ، أقوم عليهن من غزل يدي فلما كان أمس شدّدت غزلي في خرقة حمراء ، وأردت أن أذهب إلى السوق لأبيعه وأبلّغ به أطفالي ، فإذا أنا بطائر قد انقض عليّ وأخذ الخرقة والغزل وذهب ، بقيت حزينة لا أملك شيئاً أبلّغ به أطفالي ، فبينما المرأة مع داود عليه السلام في الكلام ، إذا بطارق يطرق بالباب على داود فأذن له بالدخول ، وإذا بعشرة من التجار كل واحد بيده : مائة دينار ، فقالوا يا نبي الله أعطها لمستحقها ، فقال لهم داود عليه السلام : ما كان سبب حملكم هذا المال ؟ قالوا يا نبي الله ! كنا في مركب فهاجت علينا الريح ، وأشرفنا على الغرق ، فإذا بطائر قد ألقى علينا خرقة حمراء وفيها غزل ، فسدّدنا به عيب المركب ، فهانت علينا الريح وانسد العيب ، ونذرنا لله أن يتصدّق كل واحد منا بمائة دينار ، وهذا المال بين يديك فتصدق به على من أردت ، فالتفت داود- عليه السلام- إلى المرأة وقال لها : رب يتجر لكِ في البر والبحر وتجعلينه ظالمًا، وأعطاها الألف دينار وقال : أنفقيها على أطفالك .
فالمؤمن يسعد بإيمانه في الدنيا وبثوابه في الآخرة وذلك فضل الله على الناس ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *