ما هو حكم عقد الإيجار المنتهي بالتمليك


هذا العقد وجد أول ما وجد عام 1846م في إنجلترا، وأول من تعامل بهذا العقد، أحد تجار الآلات الموسيقية في إنجلترا، ثم بعد ذلك انتشر مثل هذا العقد وانتقل من الأفراد إلى المصانع، وكان أول هذه المصانع تطبيقًا لهذا العقد مصنع سنجر لآلات الخياطة في إنجلترا. ثم بعد ذلك تطور، وانتشر بصفة خاصة في شركات السكك الحديدية، التي تشتري المركبات، وتؤجرها لمناجم الفحم تأجيرًا ينتهي بالتمليك. ثم بعد ذلك انتشر هذا العقد، وانتقل إلى بقية دول العالم، فانتقل إلى الولايات المتحدة عام (1953م) ، وإلى فرنسا عام (1962م). ثم بعد ذلك انتقل إلى البلاد العربية والإسلامية عام (1397هـ).
إن عقد التأجير المنتهي بالتمليك اصطلاح معاصر ، لم يكن عند الفقهاء السابقين ، وهو مصطلح مركب من كلمتين: 1- التأجير أو الإجارة 2- التمليك ، أما الإجارة في اصطلاح العلماء: فهي عقد على منفعة معلومة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو على عمل معلوم بعوض معلوم مدة معلومة. والإجارة تنقسم إلى قسمين: 1- إجارة أعيان. 2- إجارة أعمال.
أما التمليك : فهو جعل الغير مالكًا للشيء ، وقد يكون تمليكًا للعين، وقد يكون تمليكًا للمنفعة، وقد يكون بعوض، وقد يكون بغير عوض. فإذا كان تمليكًا للعين بعوض : فهذا بيع ، وإذا كان تمليكًا للمنفعة بعوض : فهذه إجارة ، وإذا كان تمليكًا للعين بلا عوض : فهي الهبة ، وإذا كان تمليكًا للمنفعة بلا عوض فهذه عارية .
أما الإجارة المنتهية بالتمليك مركبة من كلمتين: تمليك منفعة من عين معلومة مدة معلومة، يتبعه تمليك العين على صفة مخصوصة بعوض معلوم. وقولهم: تمليك المنفعة فهي إجارة. وأما قولهم: يتبعه تمليك العين فهذا بيع .
وقبل الدخول في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك ، لابدّ من بحث بعض المسائل الفقهية التي يبنى عليها هذا العقد. فالذين منعوا هذا العقد قالوا: بأنه اشتراط عقد في عقد، وهذا لا يجوز عند جمهور أهل العلم. وقالوا : بأنه يتضمن تعليق عقد البيع على شرط مستقبل وهذا لا يجوز. وقالوا : بأنه تعليق الهبة، وهذا لا يجوز. وقالوا: هذا مبني على الوعد والإلزام به، والوعد غير لازم عند جمهور العلماء .
وإذا عرفنا الحكم في هذه المسائل يتبين لنا الإجابة عن قول من منع عقد الإجارة المنتهي بالتمليك مطلقًا بكل أقسامه وصوره ، لأنه عقد جامع بين عقدين على عين واحدة غير مستقر على أحدهما ، وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه . كمن اشترى سيارة بهذا العقد ، فإن هذه السيارة يجري عليها أحكام الإجارة، ويجري عليها أحكام البيع، فهذا العقد محرم، لما فيه من الغرر والجهالة؛ لأنه لا يعلم هل هذا عقد إجارة، أو عقد بيع، ولا يعلم أي أحكام العقدين يستقر على هذه العين ، فالبيع : يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري ، فلا يصح عقد الإجارة هذا على المبيع لأنه ملك للمشتري ، لأن الإيجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر . والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه ، فتلفه عليه عيناً ومنفعة ، فلا يرجع بشيء منهما على البائع ، لأن العين المستأجرة من ضمان مؤجرها ، فتلفها عليه ، عيناً ومنفعة ، إلا أن يحصل من المستأجر تعد أو تفريط .
كما أن الأجرة في هذا العقد تقدر سنوياً أو شهرياً بمقدار قسط يستوفي به قيمة المعقود عليه ، يعتبره البائع أجرة من أجل أن يتوثق بحقه حيث لا يمكن للمشتري بيعه . فمثلاً إذا كانت قيمة العين التي وقع عليها العقد خمسة آلاف دينار وأجرتها شهرياً مائة دينار حسب المعتاد ، جعلت الأجرة مائتان ، وهي في الحقيقة قسط من الثمن حتى تبلغ القيمة المقدرة ، فإذا قصّر عن دفع القسط الأخير مثلاً سحبت منه العين باعتبار أنها مؤجرة ولا يُردّ عليه ما أُخذَ منه بناء على أنه استوفى المنفعة . ولا يخفى ما في هذا من الظلم لأنه يضطر إلى الاستدانة لإيفاء القسط الأخير ، كما أن هذا العقد وأمثاله يؤدي إلى تساهل الفقراء في الديون ، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء .
وعليه فإن عقد الايجار المنتهي بالتمليك يتناقض مع أحكام البيع في الاسلام ، لأن البيع في الاسلام هو مبادلة مال بمال تمليكا وتملكا على سبيل التراضي، والبيع عن طريق هذه المعاملة لا يكون فيه تمليكا الا بعد السداد ، وهذا مناقض لأحكام البيع الشرعية ، حيث يملك المشتري السلعة بعد ابرام عقد البيع مباشرة ، ويجوز له أن يتصرف فيها جميع التصرفات الشرعية ، من بيع واجارة وهبة وهدية وعطية وصدقة وتبرع في سبيل الله ، والمدقق في واقع هذه المعاملة يجد أن لا صلة لها بالإيجارة، بل تنطبق عليها أحكام البيوع الفاسدة التي نهى عنها الاسلام كبيع الغرر والبيع بالشرط وغيره ، التي أفرد لها الفقهاء أبوابا خاصة في أبحاثهم الفقهية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *