هي التي ألفت رؤية المنكرات ورؤية النكبات التي تحيط بالأمة من كل جانب , حتى أضحت أخبار قتلى المسلمين ومناظر القصف والتشريد أمراً مألوفا ، قلوب انعدمت عندها عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم فقست قلوبهم وتحجرت ، فلم تعد الشدّة تثير فيهم الإحساس وتردهم إلى الله ، وأصبحت لا تلين عند ذكر الله ، ولا يزيدها التذكير بالله إلا قسوة ونفورًا فكانوا أبعد الناس عن الله ،كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب عن الله القلب القاسي ) . ويقول مالك بن دينار : ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم
أصحاب القلوب القاسية اشتغلوا باللهو والتمتع بمحرم الشهوات ، عن طاعة رب الأرض والسماوات فأسماعهم عن الخير مقفلة ، وأبصارهم عن النظر في العواقب معطلة ، وقلوبهم في وجه الحق مغلقة ، تتلى عليهم الآيات فلا يعتبرون ، وتطرقهم القوارع وتنزل بساحتهم الفواجع ، وهم بلهوهم وملذاتهم مشتغلون خدعهم طول الأمل ، فشغلهم عن صالح العمل والاعتذار عن الزلل .
لقد كثرت أسباب القسوة والغفلة ، فلم يبق للعبد إلا توفيق الله تعالى إلى العمل بأسباب صلاح القلوب واستقامتها، وقد كان المسلمون من قبل يعتنون بذلك ويخافون من أن تقسو قلوبهم ، فتجترئ على المعاصي وتهلك مع من هلك! وشتان بين القلب القاسي والقلب اللين لأن القلب القاسي مصدره التطرف والاستكبار والغرور ، والثاني مصدره الاعتدال والتواضع واللين الأول : غير قابل للمراجعة والتراجع ، المؤدي إلى الفرقة والجهل والتخلف والضعف ، والثاني : قابل للمراجعة والتراجع المؤدي إلى الإيمان ، الأول: خزي وندامة في الدنيا والآخرة ، لأنه نقمة ولعنة من الله على من سخط من عباده والثاني: علو وسعادة في الدنيا والآخرة لأنه نعمة ورحمة من الله .
وقد أوضح القرآن الكريم الفارق الكبير بن قسوة القلب وقوته ، فقد وصف الله تعالى الذين لم يؤمنوا بأنبيائه ورسله بالقسوة قال تعالى ] ويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله [الزمر 22. ويل ، عذاب ونكال لقلوب قست عن ذكر الله ، بينما النعيم والرحمة والسعادة والفوز لقلوب انكسرت وخشعت لله .
إن أصحاب القلوب القاسية ، لا يؤمنون بتعظيم الإسلام للنفس المسلمة والتشديد في النهي عن قتلها لأنهم لا يؤمنون بالله الذي صانها ، ووضع لها القيود للحفاظ عليها، قال تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقة مؤمنة ودية مسلمة الى أهله إلا أن يصدقوا ﴾ النساء92. مما يدل على التشديد في حرمة النفس المسلمة فإذا كان الإسلام قد وضع هذه القيود على من قتل مسلماً خطأ فكيف بمن يزهق الأرواح البريئة المسلمة بغير حق، كيف بمن يزرع القنابل والألغام والمتفجرات ، فيقتل العشرات ويجرح المئات ويروع الآلاف من المسلمين، كيف بمن يقتل الصغير والكبير إشباعاً لنزواته الشيطانية ، كيف بمن استعملوا نفوذهم كحكام وأباطرة للدول ، في تعذيب شعوبهم وإذاقتهم ويلات الظلم والقهر ، ومن يقرأ صفحات التاريخ يجد بعضها يقطر دماً ، ومن هذه الصفحات المؤلمة : ما قرأناه عن جرائم محاكم التفتيش ، فما مرّ أقسى ولا أشد منها ، فقد كانوا تعاقبون بالظنة ويأخذون بالشبهة ويحرقون الأطفال ويرهقون الشيوخ العجزة والنساء الضعيفات بصنوف العذاب وألوان الاضطهاد والإجرام .
ففي بلد المليون ونصف شهيد واصل الاستعمار الفرنسي طيلة سنوات الاحتلال حملة إبادة لشعب الجزائر بحيث كان جنوده يسجلون كل يوم صفحات جديدة من الجرائم كانت ادمي واشد آلاماً مما شهده تاريخ القرن العشرين ، قال الكاتب الفرنسي بيار هنري : إنني لا أتكلم كثيرا عن القسوة والتعذيب وإلقاء القنابل علي المدن والقرى بما فيها من نساء أطفال ومواشي ولا أتكلم عن حوادث القتل التي قام بها جنود المظلات إذ من السهل علي كل مسافر بالقطار أن يشاهد علي طول الطريق آثار حطام المنازل التي أوقدت فيها نيران رشاشاتنا للانتقام ، إن الجنود الفرنسيين يقومون غالباً بهدم المنازل وإحراقها دون شفقة أو رحمة وقال : لم يصيبني ملل من الحياة كما أصابني في الجزائر ، فان الألمان النازيين في وحشيتهم القاسية ليسوا إلا أطفالاً صغاراً أمامنا .
ولم تكن بريطانيا رائدة الاستعمار في العالم بأقل حظاً من فرنسا فما فعلته في مصر وفلسطين ، يفوقها وحشية وهمجية ، فقد كان جيشهم عندما يعجز أن ينال من المجاهدين ينقلب إلى الفلاحين المساكين الآمنين في بيوتهم ينتقم منهم ويشفي صدره بتعذيبهم بالضرب الشديد بأعقاب البنادق والهراوات الغليظة بلا شفقة ولا رحمة وبدون تفريق بين الصغار والكبار والرجال والنساء وكانوا يسمون هذا العمل عملية تفتيشية يرتكبون خلالها من الفظائع أشكالا وألوانا ، كتخريب البيوت ونسفها بالديناميت وإتلاف أمتعة الفلاحين ومؤنهم ونهب الحلي والأموال وترويع النساء والأطفال وقتل الآمنين على قارعة الطريق من رجال ونساء وأطفال
ومن الصفحات التاريخية المؤلمة تطل علينا شخصية نيرون الإمبراطور الروماني الذي لم يدخر جهداً في تعذيب أبناء شعبه وقتل القريب منه والبعيد، جاء ليدون واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت وهي حريق روما الشهير عام 64م، حيث عمل على زيادة تعذيب الشعب وجاءت أبشع صور طغيانه بإشعال النار في روما وجلس متفرجاً، متغنياً بأشعار هوميروس ومستعيداً لأحداث طروادة وانتشرت النيران في أرجاء روما واستمرت مندلعة لأكثر من أسبوع حاصدة معها أرواح البشر من رجال ونساء وأطفال، كما زاد في جوره وطغيانه للمسيحيين ولم يترك أي وسيلة لتعذيبهم إلا وفعلها ، ولما تصاعدت النبرة الغاضبة الكارهة له سواء من شعبه أو من باقي ملوك أوربا، عمد إلي إيجاد ضحية جديدة ليفتدي بها نفسه فكان عليه أن يختار ما بين اليهود والمسيحيين، وبما أن اليهود كانوا تحت حماية إحدى زوجات نيرون، فقد ألصق تهمة الحريق بالمسيحيين فسفك دمائهم وعمد إلى اضطهادهم، وحشد الشعب من أجل قتلهم وتعذيبهم في مشاهد دموية بشعة ، وفي النهاية ولكل ظالم نهاية تم عزله وحكم عليه بالقتل ، لكنه أبى أن يقتل بيد شعبه فقتل نفسه
وها نحن نرى ما يفعله نيرون العرب في سوريا ، فقد فاقه قتلاً وهدما ، ولكن الصمت الدولي يفوق جرائمه بل إن الصمت على ما يجري جريمة أخرى لا يمكن السكوت عليها ، فالدماء التي تسفك في سوريا تستدعي وقفة العالم الذي يقف في حالة ذهول من بسالة وشجاعة وصبر وجلد الشعب السوري في مواجهة آلة قمع ليس لها مثيل أو شبيه في هذا الزمن ؛ حتى الصهاينة والصليبيين يتقززون منها ولا يجرؤن على فعل مثلها .
فلله دره من شعب يجاهد الظلم والطغيان فريدا وحيدا إلا من توكله على الله ، ولله در شهدائه الأبرار الذين ارتوت أرض الشام من دمائهم وستنبت بإذن الله أشجار العزة والحرية والإيمان ، ولله در شبابه الذين تركوا السفاسف وألقوا أثقال الأرض خلف ظهورهم ؛ وركبوا ظهور المنايا شامخي الرؤؤس يستقبلون الموت بابتسامة الرضا ، وقلوبهم تهتف وعجلت إليك ربي لترضى ، ولله در شيوخه الذين كسروا قيود الذل وحطموا أغلال العبودية ؛ فاستحالوا أسودا فتية في ميادين الكرامة على ضفاف العاصي والفرات وحول مسجد خالد بن الوليد وفي باحات درعا الريادة وبانياس النجدة ولاذقية النخوة ولله در علمائه ومثقفيه ومفكريه الذين خلعوا أرديت الضعف عن كهولهم ؛ ومزقوا صورة الهلع من عقولهم وصدعوا بكلمات سيسجلها التاريخ في أبواب البطولات وسيكتبها الزمان في كتب الهامات ، شعب توكل على الله وآمن بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسراً ) والله إن النصر قريب والفرج قاب قوسين أو أدنى , ولقد قالت العرب: (بين النصر والهزيمة صبر ساعة)، وهذا عنترة بن شداد الفارس الجاهلي لما سئل: بم تغلب خصمك؟ قال: (ما بارزت أحداً إلا قلت: الآن أفر، ثم قلت: أنتظر قليلاً فربما فر، فيفر، فأكون أنا الذي انتصرت) فهذا الذي يحدث الآن من هذا النظام الوحشي هو السهم الأخير في جعبته وبعده تبدأ قصة النهاية والانهيار الشامل بإذن الله ، وإنكم تعيشون أروع لحظاتكم فأنتم مابين جهاد سلمي للظلم والبغي والطغيان وهذا ذروة سنام الجهاد (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ؛ وما بين الفوز بالشهادة التي هي منتهى أمنيات الأنبياء والرسل والصحابة وأهل الصدق والإيمان وما بين كفالة يتيم ورعاية أرملة وإيثار عائلة وتقاسم لقمة واستضافة أخوة ، فهنيئا لكم اجتماع شرف هذه الأعمال وشرف المكان أرض الشام .
ما هي القلوب القاسية
