ما هي عاقبة القول بغير علم


القول على الله بغير علم ، من أشد المحرمات تحريما وأعظمها إثما والمحرمات هذه نوعان : محرم لذاته لا يباح بحال ، ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت قال تعالى في المحرم لذاته : ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه فقال : ﴿ والإثم والبغي بغير الحق ﴾ ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه فقال : ﴿ وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ﴾ ثم انتـقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال : ﴿ وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ الأعراف 33 . وتوعد من يكذب عليه في أحكامه ، والقول لما لم يحرمه : هذا حرام ولما لم يحله : هذا حلال ، إذ لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله أوحرمه فقال تعالى : ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ . فالقول على الله بغير علم ضربٌ من الكذب ، بل هو من أخطر أنواع الكذب قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾الأنعام 21 . فمن يقول على الله ما لا يعلم ، فقد وقع في إثم عظيم لقوله تعالى : ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ البقرة 169 . ولذلك قال بعض العلماء: لأن يرتكب العوام الكبائر ، أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون لأننا حين تقول على الله ما لا تعلم ، تطمئن العاصي أو تخوف التائب، فهذا ابن عمر يقول : دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا . لأن من استقام صدق ونطق بالحق ومن مال ظلم ، ومن ظلم أو أعان على ظلم سلط الله عليه ، كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم : ( من أعان ظالما سلطه الله عليه ) أخرجه ابن عساكر عن ابن مسعود وقال : ( من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله ) أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة ، لذلك قل الحق ولو كان مراً، لقي أبو جعفر المنصور أبا حنيفة النعمان، فقال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا – زرتنا- قال له : ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريت بي . ومن القول بغير علم ، من يقول عندما يرتكب الكبيرة هذه إرادة الله والمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ، ويتجاهل أن الإنسان مخير وفي اللحظة التي يتوهم فيها أنه مجبر ، يكون قد خرق أكبر محور للعقيدة : لأن الإنسان حينما يتوهم أن الله أجبره على ذنب ما ، يكون قد وقع في أكبر خطأ في العقيدة، جيء بشارب خمر إلى عمر بن الخطاب فقال: أقيموا عليه الحدّ، قال : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، فقال : أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾الكهف 29 ، ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ الإنسان 3، فالإنسان مخير وفي اللحظة التي يتوهم فيها أنه مجبر على أعماله يكون قد خرق أكبر محور للعقيدة، لأن الله لا يحاسب إلا المذنب ، روي أن رجلاً قال وهو يطوف حول الكعبة : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل؟ فقال له رجل سمعه : يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟ قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت ، أُبيحت لنا المدينة فدخلت أحد البيوت ، فرأيت فيه رجلاً وامرأة وطفلين، فقتلت الرجل، وقلت لامرأته : أعطيني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها، فقتلت ولدها الأول، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني ، أعطتني درعاً مذهبة – من الذهب-، أعجبتني أيما إعجاب تأملتها، فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ، البيتان :
إذا جار الأمير وحاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
في اليوم ألآخر قد تقع عين الأم على ابنها فتقول : يا بني، جعلت لك صدري سقاء، وبطني وعاء وحضني وطاء، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها؟ يقول لها ابنها : يا أمي، ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾المؤمنون101 المهم أن يكون العبد مستقيماً مع الله ولذلك قال النبي : (إن الله تعالى لا يعذب العامة ، بل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة) الفتن لنعيم بن حماد ، والدليل : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
قال صلى الله عليه وسلم : ( إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم ) ومع الأسف كثير من الناس لم يأخذوا بهذه النصيحة النبوية ، فيحذروا الكذابين ، ومنهم أصحاب الشعارات البراقة و الدعاوى الضالة .
وإن الصراع الدائر بين أهل الحق والباطل في كل زمان ومكان ، لا بد في هذا الصراع بين الفريقين أن ينتهي الحق إلى الغاية التي وعد الله بها لتشمل دينه وإظهار أهل الحق على أهل الباطل ، ولابد أن ينتهي الباطل وأهله إلى الهزيمة والفشل ، وما على أهل الحق إلا الثبات والصمود والسعي الجاد ، وعليهم أن يعلموا أن خصوم الحق ، قد بلغوا الغاية في المكر والكيد ، ومن ذلك استغلالهم لسكوت كثير من أهل الحق ، وإحجامهم عن مواجهة الباطل اللابس لباس الحق ، وإن هذا الصنف من أهل الباطل من أشد الناس كذبا وتدليسا ، وتشبعا بما لم يعطوا فهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( المتشبع بما لم يعطى كلابس ثوب زور ) فتجدهم من أشد الناس مدحا وتلميعا لأهل الباطل ، ومن أشد الناس طعنا في أهل الحق ودعاته ، وقد وضعوا لنصرة الباطل وحماية أهل المناهج الضالة ، القواعد الفاسدة وحاربوا أهل الحق ، بافتعال المكايد والقبائح وكشروا عن أنيابهم ، وأظهروا حقدهم وعداءهم لأهل الحق ، وسعوا من غير ملل ولا كلل في شحن الشباب ضد أهل الحق ، غير مبالين بما ينجم عن ذلك من ضرر وكراهية وبغضاء ، وقطع لأواصر المحبة والتآلف بين الناس ، وما فيها من غبن وقهر وسلب لحقوق الآخرين من خلال الظلم والغش والكذب ، الذي يكاد أن يكون ظاهرة وسلوكاً سائداً عند كثير من الناس، ولهذا كثرت الأحقاد والمفاسد بينهم ، وتجاهلوا أن الكذب يهدي إلى الفجور ، وأن الفجور يهدي إلى النار . ومما يؤسف له ذهاب الصدق في هذا الزمن ، وكثرة الكذب في الأعم والأغلب، فما أقل من يصدق في حديثه وعلاقاته ومعاملاته ووعوده ، وما أحوجنا أن نصدق ونتحرى الصدق ، لأنه نور ونجاة وأن نجتنب الكذب لأنه شيمة أهل النفاق ، كما الصدق من أمارات الفلاح للمؤمن في الدنيا والآخرة قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يُكتبَ عند الله صديقاً ) فلنتحرى الصدق في القول والفعل لنفلح في الدنيا والآخرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *