متى يستجاب الدعاء


الدعاء هو سؤال العبد ربه ، وقد طلب الله منا أن ندعوه فقال تعالى : ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ غافر 60 . وجاء أعربي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريبٌ ربنا فنناجيه أم بعيدٌ فنناديه فسكت عنه فانزل الله :﴿ وإذا سألك عبادي عني فأني قريبٌ أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون ﴾ البقرة 186 . فإن قيل ما للداعي يدعو فلا يجاب ؟ ذلك لأن قوله في الآيتين أجيب وأستجب ، لا يقتضي الإجابة مطلقاً لكل داع ولا بكل مطلوب لقوله تعالى في آيةٍ أخرى : ﴿ أدعو ربكم تضرّعاً وخفية إنه لا يُحبُ المعتدين ﴾ الأعراف 55 . فكل مُصرٍّ على كبيرةٍ عالماً بها أو جاهلا فهو معتدٍ والله لا يحبُ المعتدين ، فكيف يستجيب له قد ورد الترغيب في الدعاء أخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يسأل الله يغضب عليه ) فالدعاء إلى الله نوعٌ من العبادة والخضوع والتذلل والداعي يشعرُ دائماً بالحاجة الملحة إلى ربه ، وطلب المدد والعون في المحن والبلايا وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدعاء هو العبادة ) وهو مفيدٌ في مصارعة القضاء والقدر وفي تخفيف المصاب وفي رفع البلاء وجلب الرزق قال صلى الله عليه وسلم : ( الدعاء يرد القضاء وإن البر يزيد في الرزق وإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه ) .وقد يسأل سائل : كثيرٌ من الناس يلحون في الدعاء ولا يُستجاب فما سرُّ ذلك ؟ أولاً : ليس من الحكمة ولا من المصلحة ، أن يُستجاب دعاء الناس جميعا ، لذا فإن الإجابة تكون في الوقت الذي يريده الله ، وليس في الوقت الذي يريده الناس . لأن مطالبهم متباينة ، وحاجاتهم متناقضة متضاربة ثانياً : الدعاء إما أن يكون لطلب خيرٍ أو لدفع شر وليس كل ما يتصور الإنسان من خيرٍ أو شرٍّ يكون كذلك ، والله يستجيب حتماً لخير عبده المؤمن وما هو غيبٌ عنا لا يعلمه إلا الله ، وقد نطلبُ من الله شيئا وفيه ضرر كبير ، فالله يريدُ أن يحفظنا وأن يجعل لنا حظاً من الآخرة ، ومن هنا تكون كيفية الإجابة رحمة من الله ، والله إذا وجد في سابق علمه الأزلي خيراً عجل بالإجابة ، وإن وجد شرّاً أجّل ، ثم إن الحكمة من تأخّر ظهور الاستجابة حتى لا يتصور الإنسان أنها نتيجة حتمية للدعاء وعندها يصبح الدعاء وانتظار الاستجابة دون ضجر ولا قلق جزءاً لا يجزأ من العبادة وروحها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انتظار الفرج عبادة ) رواه ابن عساكر ، وما على المسلم إلا أن يَجتهدَ في الدعاء بإخلاصٍ وخشوع ويترك النتائج لله يفعل ما يشاء ومن يقول لقد دعوت ربي فلم يستجب لي نقول له لا تكن قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تجاب إلى ما طلبت لأن الله يعطيك الخير في الوقت الذي يريده ، وشيء آخر قد يحجب عنك الإجابة لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك من خير الدنيا الفانية وهو يحبك فيُبقي لك الإجابة إلى خير الباقية ، ولأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها فما دامت لم تأت فهو يقول دائماً يا رب وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من العبد فيقول ( إن من عبادي من أحب دعائهم فأنا أبتليهم ليقولوا : يا رب ) وإن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب ، إنما حظه من الدعاء ما قاله الله : ﴿ قل ما يعبأُ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ . ومن ناحية أخرى فإن استجابة الدعاء تتطلب شروطاً لا بد من تحققها وهي :- أن يستجيب العبد لله فيما دعاه إليه ، وبذلك يكون العباد أهلاً للدعاء جاء في الحديث القدسي ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين -مناجاة الله في تذلل وخشوع .
-التوبة الصادقة النصوح من سائر الذنوب والمعاصي .
-التطهر من الحرام في المأكل والملبس والمشرب لما روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم . وقال : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام وملبسه حرام ، وغذِّيَ بالحرام ، فأنى يُسْتجابُ لذلك ) . ولما قال سعد بن أبي وقاص يا رسول الله ؟ أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة قال له : (أطب طعمتك تُستجاب دعوتك ) . -المسارعة في الخيرات لقوله تعالى ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهبا وكانوا لنا خاشعين ﴾ .
فعلينا أن نلتزم آداب الدعاء وشروطه ، حتى يكون مرجوا مقبولا عند الله وما أروع ما قاله ابن عطاء :”إن للدعاء أركانا وأسبابا وأوقاتا ، فإن وافق أركانه قوي ، وإن وافق مواقيته فاز ، وإن وافق أسبابه نجح ” .
لذا فإن شرط تحقق النصر على الأعداء يتطلب منا أن ندعوه ونحن نواجه الأعداء في ميدان المعركة ونحن نرفع راية الجهاد ونضحي في سبيل الله ، أما أن ندعوه وقد قطعنا الصلة ما بيننا وبين الله بفعل المعاصي وارتكاب الموبقات والتهاون في فرائض الله والإعراض عن شرع الله ، وتحكيم منهجه في الحياة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا إجابة لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر ، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم ) . وعلى الإنسان أن يلحّ في الدعاء وإن أمكن بالأدعية التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم كحديث ابن مسعود الذي رواه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أصاب أحد قط ، همٌ ولا حزنٌ فقال إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حُكمك عدْلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك ، أو علّمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري ، وجلاء حزني وذهاب همي ، إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها ؟ قال : بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *