الغفلة هي التي تحجب العقل عن التفكر في العواقب وتحجب القلب عن استشعار مراقبة الخالق؛ فإذا كان يوم القيامة ، وجد العبد الغافل حصاد عمره جبالاً من الأوزار ، ينأى عن حملها، فبسبب الغفلة وتحت تأثيرها وقعت المعصية ، ونسي أن الله يحصيها عليه حتى تراكمت وصارت كالجبال!! فلا تكن أسير الغفلة ، وعد نفسك لساعة الحساب قال تعالى : ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ﴾الأنبياء1. والذي يتأمل أحوال الناس في هذا الزمن يرى تطابق الآية تماماً مع واقع كثير منهم ، وذلك ،بإعراضهم عن منهج الله وغفلتهم عن الآخرة وعن ما خلقوا من أجله، وكأنهم لم يخلقوا للعبادة، وإنما خلقوا للدنيا وشهواتها، فإن فكروا فللدنيا وإن أحبوا فللدنيا، وإن عملوا فللدنيا، فيها يتخاصمون ومن أجلها يتقاتلون وبسببها يتهاونون أو يتركون كثيرأ من أوامر ربهم فترى من يترك الصلاة أو يؤخرها عن وقتها ، من أجل اجتماع عمل ، أو من أجل مباراة ، أو موعد مهم ونحو ذلك !! كل شيء في حياتهم له مكان ! للوظيفة مكان، للرياضة مكان، للتجارة مكان للرحلات مكان، للأفلام والمسلسلات وللأغاني مكان، للنوم مكان، للأكل والشرب مكان، كل شيء له مكان ، أما القرآن وتطبيق منهج الله فليس له مكان ، فانشغلوا براحة أبدانهم وسعادتها في الدنيا الفانية وأهملوا سعادتها وراحتها في الأخرى الباقية.
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران؟!
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنـسان
ما أحرص الناس على أموالهم ، وما أحرصهم على وظائفهم وصحتهم ، أما دينهم والتفقه فيه وتطبيقه والتقيد به فهي آخر ما يفكرون فيه ، فهم كما قيل:
نهارك يا مغرور سهو وغفـلة وليلك نوم والردى لك لازم
وشغلك فبما سوف تكره غبـه كذلك في الدنيا تعيش البهائم مات عند الكثير الشعور بالذنب والتقصير ، حتى ظن الكثير منهم أنه على خير عظيم ، وأن الجنة تنتظره بمجرد المحافظة على ركن من أركان الدين ، ونسي الذنوب والمعاصي التي يرتكبها من غيبة أو بهتان أو نظرة إلى الحرام أو شرب لحرام ، أو غير ذلك من المعاصي والمخالفات ، التي يستهين بها ولا يلقي لها بالاً ، ويظن أنها لا تضره شيئاً ، وهي التي قد تكون سبباً لهلاكه وخسارته في الدنيا والآخرة ن وهو لا يشعر ولذلك قال g : ( إياكم ومحقرات الذنوب فإنها إذا اجتمعت على العبد أهلكته ) ناهيك عن ما يرتكبه البعض من كبائر وموبقات ، من ربا وزنا ولواط ورشوة وعقوق وغير ذلك من الذنوب ، وقد غفلوا عن الموت والحساب ، والقبر والصراط، والنار والعذاب، أهوال وأهوال في يوم ذهبت فيه اللذات وبقيت التبعات وانقضت الشهوات ، متاع قليل ثم عذاب أليم :
تا الله لو عاش الفتى في عمره ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً فـيها بكل نعـيم متنعماً فيها بنعمى عصره
ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيت أول ليلة فـي قبره
سوف يندم الغافلون أشد الندم ، إذا استمروا في غيهم ولهوهم وعنادهم ، ولم يفيقوا من غفلتهم وسباتهم ويتوبوا إلى ربهم. أما آن لهم أن يعلموا الغاية التي من أجلها خلقوا ؟
أما والله لو علم الأنـام لما خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا لما لو أبصرته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
ممات ثم قـبرثم حشر وتـوبـيخ وأهوال عظام
فيا من تعصي الله إلى متى هذه الغفلة؟ إلى متى الإعراض عن الله؟ أما آن لك تصحو من غفلتك؟ أما آن لقلبك القاسي أن يلين ويخشع لرب العالمين قال تعالى : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ الحديد16 . أما آن لك أن تسير في قافلة التائبين؟ وإني لك من الناصحين ، باجتناب مسايرة الغافلين قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ ، وأحسن القائل :
إذا ما نهاك امرؤ ناصـح عن الفاحشات انزجر وانتهي
إن دنيا يا أخي من بعدها ظلمة القبر وصوت النائحي
لا تساوي حبة من خردل أو تساوي ريشة من جانحي
فالغفلة صفة ذم ونقص ، نهى الله عنها عباده وحذر منها ، ونزه نفسه عنها فقال تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾ . وقال تعالى : ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ وبين الله سبحانه ان اهل الغفلة من اهل النار فقال عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ *أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ ﴾. ومِن المحن التي أصابتْ أمَّتَنا في مقتلٍ: الغفلةَ بما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ وحقائق، فهي آفةٌ قاتلة، وداءٌ دبَّ في جَسَد الأمَّة الإسلامية فشغلها عن رسالتها وغايتها في هذه الحياة الدنيا، والمتأمِّل في آيات القرآن يرى أنَّ الله سبحانه أنذر وحذَّر مِن هذا الداء المهلِك، الذي أصابَ الأُمم، فحلَّ بها عقاب الله المعجَّل؛ كما قال تعالى في كتابه لرسوله g : ﴿ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يس 7. فهل آن الآوان لأن نفيق من غفلتنا ، ونستيقظ من نومتنا ، ونصحوا من سباتنا ونفتح أعيننا ، ونتحسس لندرك ما يدور بالعالم من حولنا ، قبل أن يفوتنا قطار الزمن وأحسبه قد كاد ، أما آن لنا أن نهب لننفض غبار الذل والوهن والعار عن جبيننا ، لاستعادة كرامتنا المفقودة وتحقيق وحدتنا المنشودة ، ونتوحد ونتجمع حول ديننا الحنيف الذي أكرمنا الله به ، وندرك قولة عظيمة من رجل عظيم من عظماء هذه الأمة عمر بن الخطاب : ” نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمتى ابتغينا العزة من غيره أذلنا الله ” ألا يكفنا ذلا ومهانة ، والذئب لا يأكل إلا القاصية من الغنم ، أين النخوة والشجاعة والكرامة ؟ أين التكافل والتضامن :
يا ويح أمتنا تساق إلى الردى ويسومها الخسف الذليل الأرذل
وإذا بساحتها ألمـت نـكبة يعلـوا صراخ نسائها وتولول
إلى متى سنطل نجري ونلهث وراء السراب ، ونحن المستهدفون والمظلومون والمقهورون ، أما آن لنا أن نحزم أمرنا ونشد أزرنا ونعتصم بحبل بربنا ) ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ( أما آن لنا أن نفيق من غفلتنا ونكفر بأعدائنا ) فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ( . لقد خلق الله الغافلين واعطاهم الاسماع والابصار والافئدة ، ولكنهم عطلوا هذه الجوارح عما ينفعهم في آخرتهم وعن التأمل والتدبر الموصل للحق ، لذا انزلهم الله منزلة الذي لا يسمع ولا يعقل بل هم يعترفون بذلك يوم القيامة قال تعالى : ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ . وذكر الله تعالى أن هذا الصنف الذي يعرض على النار يوم القيامة ، هم اولئك الذين غفلوا عن ذكر الله وصارت اعينهم في غطاء من تلك الغفلة قال تعالى : ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا *الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ولقد أحسن القائل :
وانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل
لقد أورثت الغفلة طول الأمل، فقست القلوب وكثر الفسوق والفجور، يقول ابن قدامة يرحمه الله: واعلم أن السبب في طول الأمل شيئان: أحدهما: حب الدنيا، والثاني: الجهل. أما حب الدنيا فإن الإنسان إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها ثقل على قلبه مفارقتها، فامتنع قلبه من التفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه والإنسان مشغول بالأماني الباطلة، فيمني نفسه أبداً بما يوافق مراده من البقاء في الدنيا، ما يحتاج إليه من مال وأهل ومسكن، فيلهو بذلك عن الموت ، فإذا خطر له الموت في بعض والحاجة للاستعداد له سوَّف بذلك ووعد نفسه بالتوبة بعد أن يفرغ من بناء الدار، وعمارة هذه الضيعة أو يرجع من هذه السفرة، فلا يزال يسوف ويؤخر إلى أن تتخطفه المنية في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته.
السبب الثاني: الجهل، وهو أن الإنسان يعول على شبابه ويستبعد قرب الموت مع الشباب، ولو تفكر المسكين أن مشايخ بلده ، لو عدوا لما كانوا عشرة ولأدرك أنهم إنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر وإلى أن يموت شيخ قد يموت ألف صبي، وقد يغتر بصحته ولا يدري أن الموت يأتي فجأة، ولو تفكر أن الموت ليس له وقت مخصوص ، ولا يبعده الشباب أو تدفعه الصحة واكتمال القوى ، لعظم ذلك عنده واستعد للموت وما بعده.
وحتى لا يكون الإنسان من الغافلين فاليذكر الله ولذلك أمر الله رسوله أن بذكره حتى لا يكون من الغافلين قال تعالى : ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ الأعراف 205 . وقد امتثل أمر ربه، وكان قدوة الذاكرين وموقظاً للغافلين ، وكان g مستحضراً لذكر الله آناء الليل وأطراف النهار مذكراً بأهوال يوم القيامة، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله g إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: “يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه”.
قال بعض العارفين : “في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى”. وقال رجل للحسن: “يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي؟ قال: أذبه بالذكر”. وإذا كان الذكر شفاء القلب ودواءه، فالغفلة داؤه وشقاؤه . وقد بلغت الغفلة عند بعض الناس إلى حد قول القائل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
وإذا كان الذكر علاجاً للغفلة، فقراءة كتاب الله وتدبر آياته ووعده ووعيده، والاتعاظ بقصصه كفيل بيقظة الإنسان وتذكره، قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ قّ 45. ومن أنفع الأدوية لعلاج الغفلة: المداومة على محاسبة النفس، وحسب العاقل أن يقف في محاسبته لنفسه على قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ﴾ آل عمران30. وصدق من قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا”. ومن رحمة الله بنا أن نهانا عن الغفلة وحذرنا منها وتوعدنا عليها قائلاً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ . أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ يونس7 . إنَّ الغفلة داء من أخطر ما تمر به الأمة اليوم هذا الداء القاتِل، الذي بدَتْ لنا مظاهرُه في حياة الأمَّة المعاصِرة اليوم، والتي ينبغي عليها أن تتخلَّص منه؛ لتصحوَ من رقادها، وتستبينَ طريقها، حتى لا تؤخَذ على غِرَّة مع الغافلين، سَأَلَ رجلٌ ابن الجوزي: أيجوز أن أفسح لنفسي في مباحِ الملاهي؟ فقال: “عندَ نفسك من الغفلة ما يَكْفيها” وفي الاعتصامُ بالله ورسوله نجاةٌ للأمَّة من طوق الغفلة، وهدايةٌ لها إلى الطريق الصحيح، فلا اعوجاج ولا زيغَ ولا انحراف ولا بِدعَ ولا أهواء قال تعالى :﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ .
