كثيراً ما نسمع ذكر التطرف في الصحف ولإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى وهناك من غالى وتشدد في فهمه ، وهناك من أفرط وتساهل ، والكل يفسر هذا المصطلح على حسب مدرسته الفكرية وميوله وهواه ، ومبادئه وأهدافه ، وما يرمي إليه من إطلاق عبارة التطرف ، وبننا وبين الغرب في تفسير مفهوم التطرف والإرهاب تباين كبير ، فهناك من يكره كل الكره ما أنزل الله ، وهناك من يريد قتل الشعب باسم الشعب ، ووأد الحرية باسم الحرية ، وهناك من يفعل بالمسلمين الأفاعيل باسم الديمقراطية ، وهناك من رجال الدين من يمشي في مواكبهم راغباً في دنياه زاهداً في أخراه ، مستوجباً لعنة الله ، لقد ضيقت الحرب الشاملة المعلنة على الإسلام والمسلمين الخناق على كل فرد وكل بيت وكل عائلة ، وأصبحت تمسهم في أعز ما يملكون في دينهم وعقيدتهم ونظام حياتهم . إن مفهوم التطرف والاعتدال والمعتدلين ، يتردد على ألسنة الحكام والمفكرين ووسائل الإعلام وذلك عند الحديث عن الحركات الإسلامية ، أو عند الحديث عن أفكار الإسلام ، بل لقد أصبح الغرب الكافر يرصد واقع المسلمين ، ويعد الدراسات والأبحاث لمواجهة ما يسمى بالتطرف وما هو في الحقيقة إلا لمحاربة الإسلام وحملة دعوته للحيلولة دون عودته إلى واقع الحياة . كما أنهم يعملون على توفير الجو الملائم لتسلط الطواغيت وإرهابهم للناس ، ورغم كل محاولاتهم فقد برز الإسلام على الساحة كعامل سياسي ، يتطلع إليه المسلمون ، ليتخلصوا من الواقع السيء ، وهذا ما دفعهم إلى محاربة الإسلام ، ووصف حملته بأنهم قتلة وإرهابيون ومتطرفون ، ليثيروا عداء الشعوب للإسلام والمسلمين ، فكانت ألفاظ التطرف والمتطرفين والإرهاب والإرهابيين، والاعتدال والمعتدلين، التي يشهرونها في وجوه المسلمين العاملين بالإسلام وللإسلام، وقد صرفوا هذه الألفاظ عن دلالتها والمعاني التي وضعت لها عن خبث وسوء نية ، فقد عابوا على المسلم إذا التزم تعاليم الإسلام ، التي توجب عليه الجهاد لرد العدوان إذا شنه البغاة ، وسياجاً لحفظ الحقوق ، إذا امتدت إليها أيدي الطامعين ، ولماذا يطلب منا أن نقطع صلتنا بالله ، وإعلان براءتنا من الإسلام ، عندما نثور لاسترجاع حقوقنا المغصوبة ولماذا يستغرب منا أن نستمد من ديننا روح الجهاد ، ولماذا يعتبرون المجاهدين متطرفين ، إنهم يتلاعبون بالألفاظ ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، فالذين يموتون من أجل المقدسات ، ويقاتلون من احتل أرض المسلمين ليسوا متطرفين ، إنهم مجاهدون وليسوا متطرفين ، لأن التطرف لون من الغلو الممجوج ، لكنها الصليبية التي ترى الفتك والقتل دينا ، وتجعل من ينكر على الحكام ظلمهم ، وحكمهم بأحكام الكفر متطرفا، وتجعل من يسير في ركابهم ، ويعمل للإصلاحات الجزئية مع بقاء العمل بأنظمة الكفر معتدلا . علماً بأن الاعتدال شرعاً : هو الالتزام بالأحكام الشرعية والاستقامة عليها ، والإتيان بها على الوجه الذي شرعه الله تعالى ، فالذي يزيد في عدد ركعات الفرائض، أو يوجب على نفسه لبس الخشن من اللباس تقربا إلى الله، أو يحرم العمل السياسي ، ويقصر الإسلام على العقائد والعبادات والأخلاق وبعض المعاملات ، او يمتنع عن الزواج لانه يلهي عن العبادة وقيام الليل، كل هؤلاء يعتبرون متطرفين ومتنطعين لأنهم جاوزوا حدود الأحكام الشرعية ، والذي يلتزم أحكام الله تعالى ويبتعد عن نواهيه ويجاهد الكفار ، ويقول الحق أينما كان ولمن كان دون خشية أو خوف ، فمن يفعل ذلك لا يكون متطرفا أو متزمتا ، وإنما هو معتدل وملتزم بأحكام الله تعالى .
والمسلمون جميعا ملزمون بالتقيد بأحكام الإسلام والإتيان بها كاملة ، وفق ما شرعه الله لعباده دون زيادة فيها أو نقصان، والوقوف عند حدود الله فيها وعدم تجاوزها ، حتى لو ناقضت مصالحهم وأهواءهم وعاداتهم وقوانينهم ، فدين الله أحق أن يتبع وحدود الله أولى أن تصان ، وأحكام الإسلام من الواجب أن تطبق ، وكل من يعمل لذلك فهو ملتزم ومعتدل ، أما من يخالف هذا فهو المتطرف والآثم : ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾. ومبادئ ديننا وعقيدتنا توجب على المسلمين الإنكار على الحكام الظالمين لما روى أبو إمامة عن النبي عليه السلام قوله : ( أعظم الجهاد كلمة حق تقال في وجه سلطان جائر ) وفي رواية لعبد الله بن مسعود : ( لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ) وتمام الرواية عن حذيفة ( أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه فتدعونه فلا يستجاب لكم ) . كما ويحظر على المسلمين موالاتهم قال تعالى : ﴿ لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ وقال : ﴿ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ﴾. ومن الجدير بالذكر أن التطرف ليس له دلالة شرعية لان هذه اللفظة لم ترد في النصوص الشرعية ولم يستعملها فقهاء الإسلام، ولذا فانه ليس لها سوى الدلالة اللغوية فحسب، والتطرف في اللغة : مشتق من الطرف ، وهو ناحية الشيء القصوى من إحدى الجهتين ، وهو مجاوزة حدّ الاعتدال ، ويقال رجل متطرف ، أي لا يثبت على أمر، وإذا أردنا أن نستعمل اللفظة في الشرع قلنا : إن التطرف هو مجاوزة الحدود التي وضعها الشرع، أي مخالفة أحكام الإسلام . وأما الوسطية فهي إحدى خصائص هذا الدين الإسلامي، فهو وسط بين الإفراط والتفريط ، وبين التشدد في العبادات والمروق من الدين بدعوى الترخصات ، والتطرف في الدين مذموم من كلا الجانبين، فالإفراط مذموم والتفريط مذموم، وقد حرم الله الغلو والتنطع في الدين قال تعالى: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ ﴾النساء171 وفي الحديث: ( إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ) . رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني. وفي الحديث: ( هلك المتنطعون ، قالها ثلاثاً ) مسلم . وقد أطلق العلماء قديما كلمة المتطرف على القول المخالف للشرع ، وعلى الفعل المخالف للشرع .
والتنطع : هو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة والتنطع داء لا دواء له ، إلا بتركك إياه برمته ، أما الغلو: فهو كما قال النووي : الزيادة على ما يطلب شرعا . وقال ابن حجر : هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ، ولذا يمكن القول : إن الغلو تجاوز ما أمر الله – تعالى – من جهة التشديد .
إن الإسلام قد حدد أحكاما شرعية ، وأمر المسلمين بالتزامها ، ونهاهم عن مخالفتها ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ وفي الحديث ( إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها ). والحدود التي أمر الله بالتزامها ، ونهى عن التعدي عليها ومجاوزتها ، هي أحكام شرعية بينتها الشريعة الإسلامية قال تعالى : ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ﴾ والإسلام يحرم أن يسود مجتمعه ، كل ما لم ينبثق عن العقيدة الإسلامية ، من أفكار وأحكام وآراء : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ وقال عليه السلام : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) . ومن قال بأن الإسلام دين عبادات وأخلاق ولا دخل له بالسياسة أو الدولة ، مستندا إلى مقولة : دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، فإن رأيه هذا مردود عليه ، لأنه ليس من الإسلام في شيء ، بل هو إنكار لما ثبت بالتواتر من أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاكما ورئيسا لدولة يحكم الناس فيها بأحكام الإسلام ، التي عالجت جميع نواحي الحياة
وعليه فإن من الخطأ الفادح أن يجعل التطرف سهما يطلق على كل رأي أو سلوك لمجرد وجود تخوف معين من نتائج هذا الرأي ، أو آثار ذلك السلوك أو لمجرد مخالفة أي منهما ، لهوى أو مصلحة، بل لا بد من أن يكون هناك مقياس يقاس به كل رأي وكل سلوك فتعرف شرعيته في الإسلام ، من عدم شرعيته ، ويتقرر حينئذ رفضه أو قبوله أو تبنيه أو محاربته ، والإسلام هو الحجة ، فإذا فُهم حق الفهم وتحقق عند المسلمين الوعي على أفكاره وأحكامه فإنهم عندئذ يكونون بمنأى عن الوقوع في التطرف ومغالطات التطرف ، ملتزمين بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ) .
