محاربة الظلم والظالمين

قال تعالى : ﴿ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ، ثم لا تنصرون ﴾ هود12. إن قضية الامتثال لأمر الله ، قضيةٌ جوهرية في بنية التشريع ، ولا أدل على ذلك من وصية الله تعالى لنبيه عليه السلام بالاستقامة ، التي هي المداومة على فعل ما ينبغي تركه ، وقد نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها لمن سأله عن قول فصل ، يصلح به جماع أمره ، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن سفيان بن عبدالله قال : قلت : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولاً ، لا أسأل عنه أحداً غيره ، قال : ( قل أمنت بالله ثم استقم) . وأما قوله سبحانه : ﴿ ولا تطغوا ﴾ وقوله : ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ . فإن هذا النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة ، لم يكن نهياً عن القصور والتقصير ، إنما كان نهياً عن الطغيان والمجاوزة ، وفي الآية أيضاً ما يشير إلى الأمر بأن لا نطمئن إلى الذين ظلموا ، و لا إلى الجبارين الطغاة الظالمين ، أصحاب القوة في الأرض ، الذين يقهرون العباد بقوتهم ، ويُعَبِّدونهم لغير الله من العبيد ، وأن لا نركن إليهم ، لأن ذلك يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر ، الذي يزاولونه ومشاركتهم إياه .
إن على المسلمين أن يحاربوا المنكر والظلم والبغي حيث كان ، حتى ولو كان ظلم الدولة لرعاياها . فحيثما كان على وجه هذه الأرض ظلم ، فإن الأمة المسلمة مكلفة أن تحاربه وتزيل أسبابه وتعمل على دفعه وتحقيق كلمة الله في الأرض وهذا هو الجهاد لإعلاء كلمة الله ، لا بالإكراه بل بإتاحة الفرصة لعباد الله ليتخلصوا من الظلم والذل ، وينالوا حريتهم بعيداً عن القوى الطاغية الضالة ويستمتعوا بالعدل الذي يريده الله لعباده قال تعالى : ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ النساء 76 .هذا هو الفارق بين الجهاد في سبيل الله ، و الجهاد في سبيل الشهوات .
لقد حقق الإسلام أكبر انقلاب عرفته البشرية ضد الظلم والجور ، بكل صنوفه وألوانه وفي كل المجالات ، ومحاربة النظم والحكومات والأوضاع التي تسند الظلم ، وتستبقيه لحساب فرد على جماعة ، في صورة طاغية أو جبار ، أو لحساب دولة على دولة في صورة محتلين ومستعمرين ، ولا بد من العمل على تحكم منهج الله وكلمته في الأرض ، واستنقاذ البشرية أفراداً وجماعات ، من جور الأشخاص والحكومات والنظم والأوضاع وحتى يقام السلام على أساس العدل وإرجاع الحقوق إلى أصحابها ، وعدم السكوت على إيقاع الظلم على الدول والشعوب ، وفرض السلم الرخيص عليها بأي ثمن .
إن الأمة المسلمة مكلفة بأن ترفع الظلم عن المظلومين ، وتمتعهم بالعدل وتمنحهم الطمأنينة وتصون إنسانيتهم ، دون اهتمام بالسيطرة أو المغانم ، بل إلى تحقيق السلام بكل صنوفه وألوانه وأشكاله ، سلام الضمير والبيت والمجتمع سلام الإنسانية كلها لمجرد أنه إنسان ، إنه تصوير لطبيعة الإسلام العالمية ، وليس هو سلام بالمعنى الضيق بتجنب القتال بأي ثمن ، مهما كانت الأسس التي يقوم عليها ترك القتال ، لأن السلم الذي يقام على حساب الحقوق البشرية ، سلم رخيص دنيء لا شك في ذلك ، لأنه لا يقوم على المبادئ التي أرادها الله لبني الإنسان ، ولهذا فإن الإسلام في جهاد دائم لا ينقطع ، لتحقيق كلمة الله في الأرض ، ولتحقيق النظام الصالح .
إن الإسلام مكلف أن لا يهادن القوى الظالمة وان يجاهدها ما استطاع ، وألا يعاونها ولا يقف في صفها بحال من الأحوال ، قال تعالى : ﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ . إن قوة الإسلام قوةً محررة ، واجبها أن تنطلق لتدك قواعد الظلم والاستغلال ، لا أن تداهن وتستكين للظالمين ، وإن المسلمين هم رواد الخير وصنّاع المجد ، وحملة الالوية الظافرة ، على طريق الأمن والنور والسلام ، ورسالة الإسلام تبني السلام العادل وتدعو إليه ، سلام يسعد البشرية ويهدئ روعها ، سلام لا يذل ولا يستسلم ، ولا يضعف ولا يهون ، وعندما يُضْطَهَدُ الإسلام فواجب المسلمين أن يبذلوا الأرواح رخيصة من أجله ، لأن أمة الإسلام ، هي أمة الخير والسلام ولأن واجب الجهاد جزء من طبيعة هذه الأمة لتدافع عن عقيدتها ورسالتها ، هذه الرسالة التي تحارب الشرّ في أنفسنا ، فلا تدعها للشهوات .
إن الحضارات الإنسانية التي ازدهرت حيناً من الزمن ، وكانت لها صولة ودولة ومنعة ، وأثار ضخمة وعمائر فخمة ، إنما سادت في ظل العدل والفضيلة وبادت في ظل الفجور والرذيلة وعلى الأمة المسلمة أن تتدبر ذلك وتستفيد منه وتنتفع به ، لأن ذلك هو سبيل بقائها ، وطريق عزها ومجدها .
إن التغيير هو وسيلة الإسلام لبناء مجتمع أفضل تزدهر فيه قوى الخير ، وتنصرف فيه إرادة الحق ، وتُعزُّ فيه مشيئة الله .
إن التغيير من قديم الزمان ، هو سبيل الإصلاح وأسلوب البناء ، وطريق البقاء وعندما تتنكر الأمم لصوت الحق ، وتصم آذانها عنه ، وتغرق في المآثم والشهوات فإن الله يأخذها بالنكال والعقوبة ويجعلها عبرةً لغيرها .
إن القارئ لتاريخ الأمم ، يلمس أن هناك أمماً طواها الظلم والجور ، وأودت بها المعاصي فأصبحت أثراً بعد عين ، قال تعالى في أثر الظلم والظالمين : ﴿ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، إن في ذلك لأية لقوم يعملون ﴾ رالنمل 52 . أقوام غيروا ما بأنفسهم من خير ، فغير الله حالهم إلى أسوأ حال .
أما ما هو سبيل الخلاص ؟ إنه يكمن في العودة إلى الله ، والتغيير الذي يقود إلى البناء ، والقضاء على المخالفات العفنة ، والرواسب الفاسدة ، واجتناب عوامل الفساد وأسباب التردي ودواعي الانحراف والضلال ، وما أروع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد : ( أصلحوا بواطنكم يصلح الله ظواهركم ) . وصدق الله : ﴿ ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمةً أنعمها على قوم ، حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وأن الله سميع عليم ﴾ الأنفال 53 .
فما أحرى الأمة المؤمنة ، أن تعتمد التغيير كلما لمحت بوادر التنكر لأوامر الله أو الإغراق في شهوات الحياة ، حتى تظل المسيرة على منهج الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والإسلام يحتم علينا أن ندفع الظلم ، وليس ظلم أقبح على وجه الأرض أشنع من الاستعمار ، الذي يدعونا الإسلام لمجاهدته في كل ميدان ، وأن نعد أنفسنا في حالة حرب معه حتى يزول خطره عن الإسلام والمسلمين .
قال تعالى : ﴿ وقاتلوا في سبيل الذين يقاتلونكم ﴾ إننا في حالة حرب مع الكفر وأعوانه ، حتى نسترد حقنا ، ونرد العدوان عنا ، تلك هي دعوة الإسلام التي تفتح لنا طريق الخلاص ، وترسم للبشرية كلها ، طريق السلام الكامل والشامل المبرأ من البغي والفساد والعدوان .
إن استسلام المظلوم لظالمه ، جريمة لا تغتفر ووقوفه في وجهه فريضة مقدسة ومقاومته له مهما كانت التضحيات أمرٌ لا بد منه ، والأمة مدعومة للرجوع إلى دينها ، الذي يؤمِّنُ لها حق العيش الكريم ، والأمل أن ينبثق فجر الإسلام بقدرته المذهلة ، على التقدم والانتشار ، رغم أشد الصعوبات وأقسى العقبات ، فيهيمن على عقول الناس وأفئدتهم ، ويملؤها بالنور واليقين ويعلمها كيف تتحرك في أجواء يسودها العدل والإخاء والتعاون . إننا نؤمن بأن الإسلام هو طريق الخلاص ، لما نعاني من أحزان وآلام وتعقيدات وهو المنقذ والمخلص للأمة ، من أدران الفساد الواقع في حياتهم ، بسبب عدم تحكيم الإسلام .
ويوم يُحْكَمُ بكتاب الله يفرح المؤمنون بنصر الله وتوفيقه ، والتمكين في الأرض ، ألا إن نصر الله قريب من المؤمنين .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *