إن الخطط المرسومة للقضاء على الإسلام والمسلمين تُنفذ بدهاء وخبث ، ذكر مايلز كوبلاند الذي عمل في جهاز المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط ذكر في كتاب لعبة الشعوب : ” أن الولايات المتحدة اتبعت منذ عام 1947 في هذه المنطقة وغيرها ، سياسة ذات وجهين ظاهر وخفي .. أما الظاهر فهو التمسك بمبادئ حرية الشعوب واستقلالها وإيمانها بالنظم الديمقراطية والدستورية .. وأما الخفي فهو سياسة التدخل في شؤون الدول الصغيرة خفية دون تقيد بالمثاليات والقيم الأخلاقية .. وإن وثائق البنتاجون أو المخابرات الأميركية تعطي انطباعاً بأننا كنا مثاليين في الظاهر وميكافيليين في الباطن .. وهذه العملية الخفية لا يمكن أن تتم إلا بتواطؤ بين القائمين على السياسة الأميركية الخفية التي يمثلها جهاز المخابرات الأميركية وبين بعض حكام أو زعماء الشرق الأوسط والعالم الثالث الذين يقبلون التعاون معهم في هذه السياسة ذات الوجهين ” وقد نشرت مجلتان أمريكيتان تقارير عن الشرق الأوسط الجديد ، وتقسيم الدول العربية إلى دويلات طائفية ، وأشارت مجلة القوة العسكرية ” إلى أنه يجب على الغرب أن يُدرك بأن العراق وسورية ولبنان وباقي الدول العربية مخلوقات اصطناعية، وأن القومية العربية هي الخطر الحقيقي على الغرب، والحل يكمُن في إقامة دويلات جديدة طائفية وعشائرية ، ويعرض التقرير المنشور في المجلة ، خرائط لمنطقة الشرق الأوسط بالحدود التي رسمتها كل من بريطانيا وفرنسا في القرن التاسع عشر وهي حدود غير عادلة ، لأنها حددت بشكل عشوائي ، لذا يجب أن يتم العمل على تعديله ، لتحقيق عدد من الأهداف الإنسانية ، التي تتعلق بالعدل والديمقراطية والتوازن ، وأهداف أخرى منها : إنهاء الظلم الذي يعاني منه عدد من الأقليات في الشرق الأوسط ، ومحاربة الإرهاب بشكل كامل بواسطة القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة وحلفائها من الدول المحلية أو العالمية ، وتأمين تدفق النفط بشكل تام وكامل للغرب دون أي قيود ، ويشير التقرير أن التغيير في الحدود المرسومة حالياً وتعديلها لإيجاد شرق أوسط جديد، لا يمكن أن يتمّ بسهولة وسرعة، لأن إعادة تصحيح الحدود الدولية يتطلب توافقاً لإرادات الشعوب التي قد تكون مستحيلة في الوقت الراهن، ولضيق الوقت فإنه لابد من (سفك الدماء) للوصول إلى هذه الغاية ، وأن دولاً جديدة ستنشأ، مما يعني فقدان بعض الدول الموجودة لأجزاء كبيرة من حدودها الحالية وزيادة حدود دول أخرى . إن هذه الإستراتيجية الأمريكية هي الوجه الحقيقي لـ”خريطة الدم الأمريكية” والتي لا تتوقف مؤامرتها البشعة عند سورية وفلسطين ولبنان وإنما ستمتد نيرانها لتحرق تركيا وقبلها الخليج العربي .
إننا كمسلمين بحاجة إلى أن نقف في وجه هذه المؤامرة التي تستهدف بلاد المسلمين كما تستهدف الإسلام دينا وتشريعا ونظاما ومنهجا للحياة ، في الوقت الذي تمرُّ الأمة الإسلامية بأسوأ محنة ، وليس أعجب من تجمع الأعداء عليها إلا ذهول أتباعها وانشغالهم بقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع ، وحين نسمع عن المجازر التي تنفذ ضد امتنا ، ونرى تكثير الضحايا وكأنما يحققون أمنيات أعداء الأمة ، ظناً منهم أن هزيمة المسلمين اليوم هي القاضية ، وأنه لن يبقى منهم من يأسف على ما حدث له أو لأبنائه ، وقد تكون هذه هي ضريبة التخلف والفرقة والضعف التي يجب أن ندفعها ، وإن كان الثمن فادحا وأما عن الغد فالغيب لله ، ولا ندري أيكون قصاصاً لنا أم امتداداً لمحنتنا ؟ ولكن من الخسَّة والنذالة بل والخيانة لأمتنا وديننا ، أن نترك المآسي النازلة بنا دون نكير ودون تذكير ، في وقت اشتد فيه الظلم وفسدت الأوضاع ، واختلت الموازين عند الشعوب العربية والإسلامية ، حتى وصلوا إلى حدٍ ألفوا قيه رؤية الطغيان يبطش ، وهم لا يتحركون ، حتى توهموا أن هذا هو الأصل وهو الصحيح ، وأن الذي يحاول أن يدفع الظلم يتعرض للوم والتوبيخ ، شعوب نسيت أو تناست أن من الفتنة والقصور أن يتعرض إخوانهم للأذى من الباطل وأهله ، ثم لا يجدون النصير الذي يساندهم ، ولا يجدون القوة التي يواجهون بها الطغيان ، بل قد يهتفون بهم ليسالموا أو يستسلموا ، إن ما يجري في بعض البلاد الإسلامية ، له دلالته من شعوبٍ امتلأت نفوسهم بالغيظ من الظلم والنقمة على البغي ، والضيق بالأذى الواقع عليهم ، ومن التصرفات الشاذة التي لا يكادون يطيقون رؤيتها فضلاً على معاناتها . إن الأمة مسؤولة عما يقع الآن للإسلام من أحزان ، فكما كان تفرقهم الشائن أيام الحملة الصليبية الأولى قد فتح الطريق إلى القدس ، فإنهم اليوم يكررون الخطأ القديم ، بل أضافوا إلى تقطيع الصفوف وتوهين العقيدة ، وتهوين الأخلاق وعربدة الشهوات ، أضافوا إلى ذلك المواقف المخزية التي تجاهلت في وضاعة عجيبة ما يجري على الساحة ، وأن ذلك سيسجل عليهم العار في صفحات التاريخ المعاصر ، والسؤال هنا ؟ هل نرجع إلى الإسلام عقيدة وجهادا لا سياسة وشعارا ؟ أليس هو الضمان الوحيد للوجود العربي في هذه الدنيا ، إذ لا يمكن للعرب أن يستعيدوا مكانتهم ويصونوا رسالتهم إلا إذا ساروا على الدرب الصحيح وتمثلوا قوله تعالى:﴿ إن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون ﴾ ولنا في سلفنا الصالح خير قدوة ، كان الواحد منهم يعترض الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته يطلب أن يعلمه الإسلام ، ويمسك بزمام الناقة حتى يسمع ، ويحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم بما عنده فيصنع منه إنساناً جديداً عامر القلب ، فلا تراه بعد ذلك إلا قذيفةً تدكُّ عروش المستبدين ، يسبح بحمد الله ويتلو كتابة الذي أخرجه من الظلمات إلى النور .نحن بحاجة إلى رسالة كهذه لتصنع نفوسنا على هذا النحو ، إنها الرسالة الإلهية التي صنعت أمتنتا أولاً ، والتي تنقذها مما هي فيه أخيراً . وعلينا أن نؤمن أن معركتنا هي معركة المصير الإنساني كله ، وإننا بانتظار المخلصين الأوفياء للعمل لتخليص الأمة ، مما هي فيه لتنزع ثياب المذلةِ والمهانة والوضاعة ، إننا بانتظار المخلصين ، في وقت ألمت بالأمة المحنُ من كل صوب ، وأحدقت بها الأخطار من كل ناحية ، فحلَّ بها القتل والتشريد يوماً بعد يوم ، ما يفرض علينا كمسلمين البحث عن الرؤيةِ الواضحةِ الصادقة ، التي يتلوها العمل الجاد والحازم لتغيير هذا الواقع ، ورد كيد الكافرين والمنافقين وأشياعهم ، وإعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها ، خير أمه أخرجت للناس . إن الحق لا يحق وان الباطل لا يبطل في المجتمع الإنساني ، بمجرد البيان النظري للحق والباطل و بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق وهذا باطل ، بل إن الحق حق ، وينبغي أن يوجد في واقع الناس ، وإن الباطل لا يزهق ويغيب من واقع الحياة ، إلا بتحطيم سلطان الباطل ، وإعلاء سلطان الإسلام ، وتطبيق أحكام الإسلام لأن الإسلام ليس مجرد نظريه للمعرفة والجدل ولا ديناً كهنوتياً لا يحرك صاحبه لتغيير المنكر وقهر الباطل ، بل هو الذي يجعل القائم بالحق والمدافع عنه بحياته سيد الشهداء ، استجابةً لقوله تعالى :﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذابٍ أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ﴾الصف 10 .
