مدرسة الصبر

الصبر: هو الترفع على الألم، والاستعلاء على الفتن، والثبات على المحن ، والثقة الكاملة في وعد الله بالنصر ، الذي يأتي كسنة ثابتة من سنن الله لمن هو أهله ، قال تعالى: ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾60الروم ،فقد أمر بالصبر، مع ذكر السبب المعين عليه، وهو أن وعد الله حق، وحذَّرَ من الذين لا يوقنون، ألَّا يستخفوا العقول ، ويحتقروا الاعمال، ويسخروا من الصبر والثبات .
إن الواقع الذي نعيشهُ قد يحول بيننا وبين ما نصبوا إليه من طاعة الله وعبادته، والاستقامة على دينه، وقد يحملنا هذا الواقع على فعل ما نكره وترك ما يحب، وقد تحول نظرات الآخرين وكلماتهم، وأفعالهم والنفس، والشيطان، والدنيا والهوى ، بين العبد وفلاحه ، وفوزه في الدنيا والآخرة. وهذه الأربعة هي حقاً أعدى أعدائنا، فمتى قهرناها ، كنا على قهر أعدائنا أقدر، وإن قهرتنا استوينا وأعداءنا في المعصية، وبقي لهم تفوقهم في القوة علينا ، وحتى نتغلب عليها ستواجهنا ابتلاءات ومتاعب ، وهذا بحاجة إلى صبر ، يقول عليه السلام : ( ومن يتصبر يصبره الله ) ويقول صلى الله عليه وسلم: (ومن يتحرَّ الخير يُعْطَهُ، ومن يتق الشر يوقَه ) فمن أخذ بأسباب الصبر ، رزقه الله الصبر، ومن أخذ بأسباب الوهن والضعف والخذلان، أصيب به قال تعالى : ﴿وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ آل عمران 117. فالدنيا متاع زائل، ولا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولا يعرفها حق المعرفة إلا أهل الإيمان والصلاح، والمعرفة الحقة بربهم ومولاهم الحق، فهؤلاء يعلمون أن زمانهم وزمان الطواغيت سينقضي ،ولنا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة ، فقد تحملوا الضرب والشتم والتعذيب ، وتركوا الديار والأهل ، وصبروا على دينهم وتواصوا بالصبر وتواصوا بالحق ، وما لان جانبهم وما استكانوا بل استمروا في نشر الدعوة والعمل على إخراج الناس من عبادة الأوثان ، إلى عبادة الله الواحد الأحد ، وإخراج الأمم من ظلم الأديان إلى عدل الإسلام ورحمته ، حتى كان لهم ما وعدهم الله من نصر وتمكين ، ويكفي أهل الإيمان شرفاً إذا أنهم إذا صبروا عند الشدائد ، وثبتوا على الحق بعد الابتلاء أن يكونوا ضمن خريجي مدرسة الابتلاء العظيمة التي يتربى فيها الرجال تربية خاصة، ويصقلون فيها صقلا خاصاً، ويتخرجون منها وقد صفت نفوسهم، وراقت قلوبهم، وحطت ذنوبهم ، وقبلت توبتهم، وخشعوا وخضعوا، واستسلموا لربهم، وتوكلوا عليه حق التوكل، فمن تخرج من مدرسة الابتلاء هذه بنجاح أصبح إماماً من أئمة الدين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ السجدة 24. لقد تخرّج من مدرسة الابتلاء ، عمار بن ياسر وبلال بن رباح وصهيب وسلمان وخباب وخبيب وغيرهم من الصحابة. ومن تلك المدرسة تخرج سعيد بن جبير ومالك ابن أنس وأبو حنيفة و الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم و غيرهم ، وكان رائد تلك المدرسة العظيمة، ومعلمها الأول الرسول الكريم الذي كان يقول: ( أوذيت في الله وما يؤذى أحد ) ، أترى لولا أن مشركي قريش استولوا على أموال صهيب الرومي ، أكان يحظى بدرجة: أبا يحيى، ربح البيع ، أترى لولا العذاب الذي ذاقه آل ياسر على يدي مشركي قريش أكانوا ينالون شرف:( صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة ) . ولولا تقطيع أنس بن النضر إرباً في غزوة أحد، أكان ينال شرف: ( لو أقسم على الله لأبره ) ولولا العذاب الذي ذاقه بلال بن رباح على يدي أمية ابن خلف وزبانيته، ما نال درجة: ( بلال سيدنا ) . ولولا صبر يوسف عليه السلام في السجن، ما نال درجة: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يوسف 46 ، ولولا صبر أصحاب الرجيع على ما لاقوه في سبيل الله، ما كانوا من أهل﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ البقرة 207 ، ولولا .. ولولا ، هناك ذنوب كبيرة لا تكفرها إلا الحسنات الكبيرة، أو الابتلاءات الشديدة، فيقدر الله عز وجل على أوليائه الابتلاء، ليكفر عنهم ذنوبهم ، حتى لا تبقى لهم خطيئة، فيقبلون على ربهم وقد حطت عنهم خطاياهم. وأكرم بذلك من فضل, وأنعم بها من درجة عالية، إن هؤلاء وأمثالهم جديرون حقاً بتمكين الله لهم، ونصر الله لهم، واصطفائه لهم ، إنهم قوم أحسوا أن سعادتهم لا تكون إلا في سيرهم في هذا الطريق، الذي استعذبوه ، ووجدوا له حلاوة أذهبت ألم الطريق، ووعورته، وصعوبته، وعذابه، بل حولت العذاب عذباً، والمر حلواً، والصعب سهلاً والغالي رخيصاً، فرضاهم في رضا مولاهم الحق، ومحبتهم للشيء هي من محبته سبحانه له . قال ابن القيم عن الصبر كلاما جامعاً في كتابه القيم (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) قال: ” الصبر: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحبس الجوارح عن المعاصي. وقسمه إلى ثلاثة أقسام، وهي: صبر على الطاعة أو صبر على المأمور، وصبر عن المعصية أو صبر عن المحظور، وصبر على البلاء والمصائب أو صبر على المقدور ، وصبر على المصائب والفتن والبلايا ” ولابد لكل مسلم يعاني من البلاء ، من التزود بأنواع الصبر الثلاثة، لابد أن يتزود ،بالصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، ولابد أن يتزود بالصبر على جميع الفتن والبلايا والمصائب ، التي ستكال على رأسه لمجرد أنه مسلم يوحد الله ، فمن المسلمين في عالم اليوم ، الإرهابي والأصولي ، والمتطرف والمتعنت والمتشدد ، والسطحي والساذج قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ﴾المطففين29 ، لا إله إلا الله! هذا وعد الله وشهادة من الله سبحانه .
قديماً قال المنافقون للصحابة بعد غزوة أحد: ارجعوا إلى دين آبائكم. وهذه الكلمات قالها وسيقولها المنافقون لأهل الإيمان، في كل زمان ومكان ، دعوكم مما أنتم عليه وارجعوا عنه، فإن هذا الدين هو الذي سبب لكم كل هذه المصائب والمتاعب ، فإذا قالوا ذلك قلنا لهم ما قاله الله تعالى : ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾إبراهيم12،ويقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض، عن المسلمين ما أدوا رسالة ولا استطاعوا أن يزيلوا المنكرات والموبقات، وقد ذكرهم الله فقال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ البقرة 204، كلمة تقال للمسلم إذا تكلم في السياسة ، أو دعا للجهاد والاستشهاد ، خليك على صلاتك وصومك ، كلمة قالها المنافقون ، ذكرها القرآن في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ آل عمران 168، لقد وعد الله المسلمين النصر والتمكين ، إن أقاموا هذا الدين ، إننا ننتظر يوماً ينتصر فيه الإسلام وأهله، إننا ننتظر يوماً كيوم أبي بكر في الردة، وخالد في اليرموك، وسعد في القادسية، وصلاح الدين في حطين، وقطزفي عين جالوت، ومحمد الفاتح في القسطنطينية، إننا نتمنى أن تقر أعيننا -ولو للحظات قبل أن نموت- ونرى أعلام الإسلام ترفرف على المشارق والمغارب، ونرى ظلالها الوارفة ، تملأ الدنيا عدلاً وحقاً ، ونوراً وهدىً ، إننا لفي شوق عظيم لذلك اليوم الذي يفتح الله فيه على المسلمين بالنصر المبين ، وفي شوق عظيم ، ليوم ينصر الله فيه دينه، فيعز أولياءه وحزبه كذلك اليوم الذي اقتحم فيه عقبة بن نافع المحيط الأطلسي بقوائم فرسه قائلاً: والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لغزوتها في سبيل الله، وقال وهو ينظر نحو السماء: يا رب! لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، إننا ننتظر يوماً من هذه الأيام، فهل يلبى هذا الرجاء؟ ويستجاب لهذا النداء؟ وما يكون ذلك إلا بالأعمال والأفعال لا بالأقوال : ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *