مسألة الخوف من الموت

مسألة الخوف من الموت
إن الموت هو امتداد لحياة الإنسان وبداية لعالم آخر هو غاية الحياة وكمال نظامها ، ونهاية لمرحلة معينة من حياة الإنسان ، وبداية لمرحلة أخرى ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الإيمان بالحياة بعد الموت مرتبط بعقيدة المعاد ، التي هي إحدى أصول العقيدة الإسلامية ، يخرج منكرها عن الإسلام .
والموت نهاية الحياة الدنيا بكل آمالها وطموحاتها ، ولذا يثير حالة من الرعب لدى الإنسان ، خوفا من أن يفقد كل ما يملكه ، سئل الإمام الحسن يا ابن رسول الله ! ما بالنا نكره الموت ، ولا نحبه ؟ قال الحسن : ” إنكم أخربتم آخرتكم وعمّرتم دنياكم ، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب” .
وإن سبب الخوف من الموت ، يرجع إلى أمر غريزي أودعه الله في الإنسان وسائر المخلوقات ، والذي يؤدي إلى النفور والفرار من الموت ، لأجل المحافظة على الحياة وحمايتها من المخاطر التي تحيط بها ، كما أن مدارك الإنسان محدودة فرغم الآيات والأحاديث الكثيرة جداً ، والتي تتحدث عن فترة ما بعد الموت إلا أنه يلفها الغموض وعدم الوضوح بسبب ضيق أفق الإنسان واختلاف المقاييس وبالتالي فإن صعوبة رسم صورة جلية في مخيلة الإنسان لما يرتقبه ، يثير الخوف لديه . لقد أخبرت الآيات القرآنية عن مرحلة الاحتضار، وتلك الساعات الحرجة من حياة الإنسان ، عندما تأتي سكرة الموت ، وعندما تبدأ الروح بالانسحاب من أطراف الجسد ، حتى تبلغ التراقي ثم تصل إلى الحلقوم ، حتى تخرج خروجا كاملا من البدن إلى العالم الآخر ، لتنال ما تستحق من عقاب أو ثواب وهو ما يثير الخوف والقلق ، وإذا ابتعد الإنسان عن الله تعالى زاد تمسكه بالحياة الدنيا ، وكان خوفه من الموت أكبر ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة وبما أن الموت يفسد على الإنسان دنياه لذا ينبغي أن يستعد لليوم الآخر . وقد صورت الآيات والأحاديث ما يحدث بعد الموت.. لأجل الحث على التأهب التام لتلك المرحلة وهي التي تعين على تهوين مسألة الموت ، وتحويله من حالة سلبية في الحياة إلى حالة إيجابية وعلاج حالة الخوف منه ، وذلك بالإيمان بأن الموت انتقال من دار إلى دار كما قال صلى الله عليه وسلم : (خلقتم للأبد وإنما تنقلون من دار إلى دار) وأن هذه الدار ستكون للمؤمن المتقي خير دار صنعها بنفسه بعيدة عن الظلم والعدوان ، وكل أنواع الشرور كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما الموت إلا قنطرة تعبر بكم من البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم.. فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر وهو لأعدائكم كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب ) ويكون بالرضا بقضاء الله وقدره ، حيث جعل الله الموت والفناء نهاية المسيرة ، وهذا ما لا مهرب منه قال تعالى : ﴿ كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ﴾ وأن البقاء لله حده والزوال أمر لا بد منه فقد جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا محمد!.. عش ما شئت، فإنّك ميّت!.. وأحبب مَنْ شئت ، فإنّك مفارقه!.. واعمل ما شئت، فإنّك ملاقيه ) ولن ينفعنا الفرار من الموت : ﴿ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ﴾ وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ) فعلينا أن ندرك أن الاعتراض على أمر الله سبحانه ومشيئته ، يعرضنا لسخطه عز وجل قال صلى الله عليه وسلم : (ألا إن في الله عز وجل عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا لما فات فبالله عز وجل فثقوا!.. وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب) .
وعلى الإنسان الاعتقاد بأن في خلق الموت مصلحة وفائدة للإنسان قال تعالى : ﴿ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾ ففي خلق الموت حث على حسن العمل وحتى تهون علينا مصائب الدنيا قال تعـالى : ﴿ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ إن الله تعالى هو أرحم الراحمين ى قد اختار لنا الرجوع إليه بعد رحلة الحياة قال تعالى : ﴿ كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ﴾ وهو سبحانه الذي سيتناول هذه الأنفس وافية تامة ويحيطها برعايته قال تعالى : ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ وليعلم المسلم أن الروح لا تفنى وأن فترة انفصالها عن الجسد فترة مؤقتة ، حتى يأذن الله تعالى وينفخ في الصور قال تعالى : ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ وأن أرواح المؤمنين تلتقي وتتعارف في وادي السلام ، بعد أن تتحرر من الآلام الدنيوية.. وأن الموتى يشعرون بمن حولهم كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يفرحون بالهدية والزيارة، كما كانوا يفرحون بها في دار الدنيا) وهذا ما يؤكد وجوب استمرار التواصل حتى بعد رحيل الإنسان ، وذلك بالدعاء والزيارة وغيرها من أعمال البر . وقد جاءت الأحاديث تحث على الموت للحث على العمل لما بعده كما جاء في الوصايا : “يابني!.. أكثر من ذكر الموت حتى يأتيك ، وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ” قال صلى الله عليه وسلم : ( بادروا الموت وغمراته، وامهدوا له قبل حلوله!.. وأعدوا له قبل نزوله!.. فإن الغاية القيامة ) كان نبي الله (يعقوب) عليه السلام مؤاخياً لملك الموت ، وكان من عادة المَلَك زيارته بين الحين والحين وذات يومٍ قال نبي الله يعقوب عليه السلام: – يا ملك الموت أزائراً جئت أم قابضاً روحي؟ فقال المَلَك: جئت زائراً قال يعقوب عليه السلام : لي عندك رجاء فقال المَلَك: أخبرني به ما هو؟. قال يعقوب عليه السلام: أن تُخبرني إذا دنا أجلي وأردت أن تقبض روحي فقال المَلَك : نعم سوف أُرسل لك نُذُراً من رسولين أو ثلاثة ، ومرت الأيام والشهور وانقطعت الزيارة بينهما ، فلما انقضى أجل يعقوب عليه السلام أتى إليه ملَك الموت فقال له نبي الله : زائراً جئت أم قابضاً؟. أجاب المَلَك بحزن : جئت قابضاً قال يعقوب عليه السلام : أولست كنت أخبرتني أنك سترسل لي رسولين أو ثلاثة قبل زيارتك هذه ، قال ملَك الموت : قد فعلت أرسلت لك ثلاثة رسل : بياض شعرك بعد سواده وضعف بدنك بعد قوّته . وانحناء ظهرك بعد استقامته. هذه رسلي يا نبي الله لأولاد آدم قبل زيارتي لهم .
إن علينا في الحياة الدنيا أن نكون متوازنين في تفاعلنا مع الأفراح والأحزان قال صلى الله عليه وسلم : ( ما نلت من دنياك، فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها، فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك فيما بعد الموت ) . وعلى المسلم الإيمان بأن الموت والحياة عمليتان متداخلتان ومتعاقبتان ، وأن من يميتنا قادر على إحيائنا قال تعالى : ﴿ فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ الروم 50 .
والموت يأتي للإنسان في وقته ، بعد أن يستوعب الإنسان مقدماته غالبا قال تعالى : ﴿ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ﴾ . وعلى المسلم أن يدرك الفرق بين الموت والنوم ليدرك حقيقة الموت ، فقد ورد في تفاسير القرآن : أن النفس التي بها العقل والتمييز تقبض عند النوم ، وتبقى الروح التي بها التنفس والحركة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه ) ولعل في هذا الموت اليومي أكبر عبرة لنا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالموت واعظا ) . وقد دلت النصوص على أن الغاية الحقيقية من الموت هي : الاختبار والابتلاء قال تعالى : ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ وقال : ﴿ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ﴾ . فمن علم أن هناك نهاية لا مفر منها، وهناك حسابا وجزاء على الأعمال فإن عليه أن يستعد لذلك ويعمل بجد لآخرته ، ولا يغتر بالدنيا ولا يركن إليها، فهي زائلة لامحالة قال تعالى : ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ﴾ . وليعلم أن البلاء له في الدنيا أفضل من الحساب في الآخرة وأنه مقياس لدرجة إيمانه قال صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاء أهل الخير والصلاح، بعد الأنبياء والرسل) .
وفي تربية النفس وتدريبها على حب الله والشوق إلى لقائه ما يخفف الخوف من الموت ، من خلال كثرة ذكر الله والتقرب إليه بالأعمال الصالحة وإخلاص النية وصدق العمل.. ولعله لا يوجد أبلغ مما جاء في الخبر الذي يؤصل في النفس حالة الشوق إلى الله ، والفرح بلقائه فقد كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : ( اللهم!.. فاجعل نفسي مطمئنة بقدرك ، راضية بقضائك مولعة بذكرك ودعائك ، محبة لصفوة أوليائك ، محبوبة في أرضك وسمائك ، صابرة على نزول بلائك ، شاكرة لفواضل نعمائك ذاكرة لسوابغ آلائك ، مشتاقة إلى فرحة لقائك ، متزودة التقوى ليوم جزائك ، مستنة بسنن أوليائك ، مفارقة لأخلاق أعدائك ، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك ) . ومما يهون من مصيبة الموت التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة الأطهار وكافة الأنبياء والصالحين ، وأنهم قد صاروا جميعا إلى نفس النهاية التي نصير إليها مع عظم منزلتهم عند الله وكذلك ذكر مصائبهم مما يؤدي إلى تهوين مصيبة الموت.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من عظمت مصيبته، فليذكر مصيبته بي، فإنها ستهون عليه). وليكن ذكر الموت حافزا لنا للعمل الدائم والمسابقة بالخيرات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ارتقب الموت، سارع إلى الخيرات ) وعلينا أن نسعى دائما لإعمار الأرض وتحقيق خلافة الإنسان فيها على أفضل صورة قال صلى الله عليه وسلم : ( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا!.. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا!)، ولا يكون ذلك باليأس والقنوط وترقب الموت ، بل بمراقبة أعمالنا ، وتهذيب نفوسنا ، واتباع الهدى ورفض الشرك والضلال ، وتربية أولادنا تربية طيبة ، ليكونوا خير معين يضاعف حسناتنا عند انقطاعنا عن الدنيا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) .
إن مسألة الشعور بخطر الموت والخوف منه ، هي من أكبر مسببات القلق والخوف في الحياة إلا أن إدراك حقيقة الموت ، تقلل من ذلك القلق والشعور بعدمية معنى الحياة ، فالموت ما هو إلا محطة من المحطات العديدة في حياتنا ، ولا يمثل النهاية الأبدية مطلقا ، وإنه من رحمة الله تعالى بالمؤمنين خاصة ليجدوا ثمرة أتعابهم وجهودهم الخيرة ،وبذا يتحقق في نفس الإنسان الرضا والطمأنينة ويحل محل الحزن والقلق ، لذا علينا أن نجهد أنفسنا لنكون حقا من المؤمنين الفائزين في الدنيا والآخرة قال تعالى : ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *