موضوع يشغل أبناء الإسلام وأعداء الإسلام ، ويشغل الخائفين على الإسلام والخائفين من الإسلام، وبما أن المستقبل غيب فلا يستطيع أحد أن يحكم عليه وعلى ما سيأتي به ، إلا بضروب من التخمين والتكهن وفي أحسن الحالات بضروب من التقدير والترجيح والتقريب ، ومما يساعد على التقدير والتقريب لمجريات المستقبل ومساراته ما نعلمه من سنن الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتخلف قال تعالى :{ سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } . ومن سنن الله أن ما نزرعه اليوم نحصده غدا وما نزرعه غدا نحصده بعد غد ، فكيف نتفاءل اليوم بأن المستقبل للإسلام، وعلى يد من ؟ إن مستقبل الإسلام يتم من خلال الدعاة الذين نذروا أنفسهم خالصةً لله ومن خلال الأيدي المتوضئة ، ومن خلال الجبهات التي تعفرت بطول السجود، ومن خلال القلوب التي اعتصرت بهمّ الإسلام وألمه ، هؤلاء هم الذين يقوم عليهم مستقبل الإسلام . والمسلمون اليوم يعايشون أزمات متلاحقة تضرب في جوانب حياتهم ودولهم بلا استثناء ، ولعل الأزمة التي يعاني منها العالم الإسلامي في حالة مخاض متواصلة يجد متاعبها وآلامها، ويدفع ثمنها، ولكنه لايشهد لها أثراً ولا يبصر لها نهاية .
وفي مثل هذه الحال يغدو التفريط والتساهل في دراسة المستقبل واحتمالاته ، ورسم الخطط المكافئة تفريطاً في الضروريات ، وغفلة عما أوجب الله على العباد من التدبر والنظر والتخطيط، ولعل من أثر ذلك الانشغالات الجزئية بالهموم الخاصة عن هموم الأمة ، ولعل من طريف ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أوقات الحرج يسائل أصحابه : ( هل رأى أحد منكم رؤيا ؟) والرؤيا الصالحة هي أحد النوافذ إلى قراءة المستقبل إذا كانت على حد الاعتدال والتوسط ، فمن المدهش أن تجد في ظل غياب التفكير الجاد في أمر المستقبل، سواءً كان المستقبل الشخصي للفرد في حياته العملية والاقتصادية والاجتماعية، أو المستقبل العام للأمة ، أن تجد حضوراً مذهلاً للعرافين والمنجمين الذين يفيضون على الناس خليطاً من التجربة العادية، ومن وحي الشياطين، ومن الحدس والبراعة، ومن الخداع والاستغفال ، ويتفننون في توظيف المشتركات البشرية التي لا يخلو عنها أحد فيستهوون بذلك السذج والبسطاء ويخدرون عقول العامة، ويقتحمون حرمة الغيب المصون قال تعالى : { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون } النمل 65 . وهذا ما تجده في برامج الحظ والأبراج في القنوات الفضائية أو الإذاعات أو الصحف، وهو ما تجده أيضاً في الزوايا المظلمة التي يقبع فيها السحرة ومستخدمو الجن والمشعوذون حيث تذبح الأديان والعقول، وتهدر الأموال بلا حساب .
وللمرء أن يطول عجبه من أمر هذه الأمة في غفلتها عما أوجب الله عليها، وهجومها على ما حرم ، وانتهاك بعض منتسبيها لأستار الشريعة وادعاؤهم ما ليس لهم به علم غافلين عما تمر به المنطقة من تحولات ، والتي قد تشهد أحداثاً جادة، وأزمة مفتوحة لا يعلم إلا الله وحده نهايتها وإذا كان هذا من الغيب فهو من الغيب الذي جعل الله له مفاتيح تلتمس بدراسة المقدمات والأسباب، وقراءة الواقع في المنطقة ذاتها ، وتحري أهداف السياسة الغربية والأمريكية خاصة، في مرحلتها المقبلة والعوامل المؤثرة فيها، واستحضار التجارب المشابهة ، فهل يصحو المخلصون من سباتهم ويفطنون لهذا ؟ وهل يستمع المعنيون إلى أصوات الرشد التي تدعو إلى مواكبة الأحداث وتطوير الذات، والامتثال لمخاطبات التغيير الناصحة المشفقة ، في مرحلة من اسوأ المراحل التاريخية التي يمر بها العالم الإسلامي ؟ فالأزمات الماضية لم تكن تصيب الأمة كلها في وقت واحد ، كما هو الحال في هذه المرة، ولم يكن الذل والهوان والضياع يشمل الأمة الإسلامية كلها كما يشملها في هذه الأيام ، وإذا اعتبرنا نكبة الأندلس مثلاً أسوأ ما مرّ بالمسلمين في القرون الماضية فنكبة فلسطين أسوأ، فعندما تقلص ظلُّ المسلمين في الأندلس كانت الدولة العثمانية قد فتحت القسطنطينية وأصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية وتوغلت بجيوشها في أوربا حتى وصلت إلى فيينا ، بينما حدثت نكبة فلسطين وقد انحسر ظلُّ المسلمين في كل أرض ، والمذابح تحل بهم في كل مكان ،في العراق , في الفلبين، في الحبشة، في أرتيريا في تشاد في الصومال، في نيجريا، في الصين في الهند في أفغانستان في الشيشان ، والمؤامرات تُحاك ضد الإسلام والمسلمين من كافة دول الشرك والكفر كلها ، تلك الدول التي تحتل في كل مرة جزءاً من أرض الإسلام وتستعبد من يبقى فيها من المسلمين ، فهل يفيق المسلمون من غفوتهم ؟ لقد الله تكفّل بإخراج الصحوة الإسلامية إلى الوجود قال تعالى : {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } يوسف22 ، فهي قدر الله الغالب الذي ستخرج به هذه الأمة – بإذن الله – من حالة الضياع التي تكتنفها إلى الاستقامة على الطريق وتطبيق منهج الله ، والقيام بدور جديد في حياتها، لتنقذ نفسها مما هي فيه من الذل والهوان ، وتطلق في الوقت ذاته بصيصاً من النور للبشرية الحائرة لعلها تهتدي إلى الطريق ، واسرائيل ودول الكفر يعلمون أن سر قوة المسلمين وانتصارهم يكمن في تمسكهم بإسلامهم ، واعتزازهم بدينهم واعتصامهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولذا يعملوا جاهدين في تغييب الإسلام عن المعركة فقد جاء في صحيفة من صحف اليهود مقالا جاء فيه : “إنّ على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة مهمة، هي جزء من إستراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، وهي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال الثلاثين عاماً، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة إلى الأبد، ولذا يجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأيّ شكل وبأي أسلوب”.
ولم يدخر الأعداء جهداً في إثارة الشعارات القومية والوطنية، فعندما كان هتافنا (أمجاد يا عرب أمجاد) لم تنصرنا أمجاد العرب، لأن مجد العرب ولد يوم ولد محمد صلى الله عليه وسلم، فلولا مبعث محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن للعرب إلا المعلقات، والمعارك بين القبائل، وتلك أمورٌ لم تبنِ مجداً، ولم تخلد ذكراً، فلم تسمع بها روما ولا مدائن كسرى، ولكنها سمعت بمحمد وأصحاب محمد لما جاء بالإسلام، الذي جعلهم سادة الدنيا.
لقد انتصر الإسلام، بحسب السنن الجارية لا بسنة خارقة ، فمن سنن الله الجارية أن ينتفش الباطل في غيبة الحق، فإذا جاء الحق زهق الباطل قال تعالى : {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً } الإسراء 81 ، ومن سنن الله الجارية أن يتدافع الحق والباطل ليتم إنقاذ الأرض من الفساد قال تعالى :{ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } البقرة 251 والناس إن لم يجمعهم الحق شعّبهم الباطل، وإن لم توحّدهم عبادة الرحمن مزّقتهم عبادة الشيطان ، وإن لم يستهويهم نعيم الآخرة ، تخاصموا على متاع الدنيا ، ولذلك كان هذا التطاحن من خصائص الجاهلية الجهلاء ، وديدن مَن لا إيمان له ، فجاء الإسلام والعرب في الجزيرة آنذاك فرق وطوائف لا تربطهم رابطة ، ولا تجمعهم جامعة ، إلا ما كان من دواعي العيش ومطالب الحياة ، في صورة لا تعدو وحدة قبلية، وعصبية جاهلية، وكانت على التفرق والخصام أقرب منها إلى الوحدة والوئام ، فألّف الإسلام بين قلوب المسلمين على حقيقة واحدة وهي الإيمان بإله واحد ، وجاءت تعاليم الإسلام ومناهجه تقوّي تلك الرابطة، وتدعم تلك الوحدة بما افترض الله عليهم من صلاة وصوم وحج وزكاة، وبما دعاهم إليه من الاعتصام بحبل الله المتين ، ودينه القويم ، والتحلّي بكلّ خلق كريم والتخلّي عن كلّ خلق ذميم فقال تعالى: { وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا }آل عمران 103 . فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدَّثُ عن المستقبل بصورة إيجابية ، فعندما رأى صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وهو طفل صغيرٌ، أخذه ، واحتضنه وقبّله ووضعه في حجره ثم قال : ( ابني هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وقال : ( مَثَلُ أُمَّتِى مَثَلُ الْمَطَرِ لاَ يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ) وهنا الإيمان الرباني الإيمان النبوي الذي يُعْطِينا إيمانًا بالمستقبل، وأنّ علينا أن نقرأ المستقبل قراءةً جيدةً ، وقد قال كثيرٌ من العلماء : ” إن علوم المستقبل من فروض الكفايات”، ففي القرآن الكريم مثلًا آيات كثيرة تدعو إلى المسارعة والمسابقة في الخير، وتتحدَّثُ عن بعض الأمور الغيبية، التي تُؤَكِّدُ أهمية قراءة المستقبل والتَّأَمُّلِ فيه ، فقد نزل القرآن الكريم من عند علاّم الغيوب تعالى، فلا عجب إن مزّق حاجز المكان، وحاجز الزمان بماضيه ومستقبله؛ فأخبر الإنسانَ (على لسان نبيّه) عن أمور غيبيّة ساهم المكان والزمان في حجبها وتغييبها عنه، وقصّ عليه قصص الأُمم الغابرة التي فصله عنها حاجز الزمن الماضي، وأنبأه بأمورٍ تَكشّفَ له بعضُها بعد حين، وظلّ بعضُها الآخر ينتظر دوره في التحقّق ، وقد تحدث القرآن عن غيب الماضي وغيب المستقبل حديث الجازم المتأكد ، وإذا بالواقع يوماً بعد يوم يكشف عن صدق كل ذلك كله , كما أيد الله نبيه بمعجزات غيبية عظيمة، فكان يخبر بأحداث ستقع بعد مئات السنين، في زمن لم يكن أحد يتوقع حدوث مثل هذه الأشياء ، مع أن النبي في ذلك الزمن لم يكن متفرغاً لمثل هذه المواضيع، فهو الذي يحمل همَّ الأمة وهمَّ الدعوة، ولديه مهام صعبة جداً في إقناع المشركين بتغيير عقيدتهم الفاسدة، فكانت المعجزة تسير مع سيدنا محمد في كل مكان ، ولسنا اليوم في زمن المعجزات ، لأننا بحاجة ماسة إلى التطبيقات حتى تتم التغيرات قال تعالى :{ إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم } .
مستقبل الإسلام
