إننا نعيش في بلادٍ إسلامية ، ومجتمعٍ إسلامي يؤمن بالعقيدة الإسلامية ، ولكن لا تحكمه الشريعة ولا النظام الإسلامي ، كما لا وجود فيه للإسلام ولا للحياة الإسلامية . لماذا ؟ لأنه لا يمكن أن تقوم في الضمير عقيدة ، ولا في واقع الحياة ديناً ، إلا أن تتمثل فيه العقيدة كنظامٍ واقعي في للحياة ، بتطبيق شريعة الله وعدم التشريع بما لم يأذن به الله ، مما يُتَخَذُ من أنظمةٍ وقوانين غير مستمدة من شريعة الله ، ولا يمكن ذلك أيضاً ، إلا إذا كانت ألحا كمية لله والتي تتمثل في قضائه وقدره وشرعه وأمره .
إن العودة إلى الإسلام ، لا تتم بمجرد وضع تشريعات وقوانين ، ونظم مستمدة من الشريعة الإسلامية ، فلا بد من العقيدة الصحيحة ، التي تفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية ، وشريعة الله تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد ، وأصول الحكم ، وأصول السلوك والمعرفة .. ويتمثل في العقيدة والتصور ، كما يتمثل في الأحكام التشريعية ، والقيم والموازين التي تسود المجتمع وفي هذا كله ، لا بد من التلقي عن الله .
إن الناظر إلى النصوص القطعية الثبوت ، التي لا سبيل إلى تأويلها ، كقوله تعالى : ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ وقوله : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ يجد أن الذي يحدد مدلول الدين ، ومفهوم الإسلام هو الله ، الذي يقرر أنه لا إسلام ولا إيمان ، بغير الإقرار بالحاكمية لله ، وتحقيق منهجه في الحياة .
وعلى ضوء هذا التقرير الإلهي ، لمفهوم الدين والإسلام ، فإن وجودهما قد توقف منذ أن تخلى المسلمون عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر ، وعن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة .
إن أعداء هذا الدين ، يعملون على تخدير مشاعر المسلمين ، وإيهامهم أن الناس بخير ، وأن الناس يمكن أن يكونوا مسلمين ، دون أن تحكمهم شريعة هذا الدين بل دون أن يعتقدوا أن الحاكمية لله وحده ، علماً بأن الإصرار على ذلك كفرٌ وخروجٌ من هذا الدين .
إننا على ثقةٍ بأن المستقبل لهذا الدين ، وأن التوقف عن العمل بشريعته لن يستمر ، ولن يطول بعون الله ، وسيعود هذا الدين إلى الوجود إن شاء الله ، رغم العقبات القائمة في وجه وجوده الفعلي .
لقد توالت الصدمات التي تعرض لها العالم الإسلامي ، وفي كلِّ مرَّة كانت تعود للإسلام عزَّته ، ويعود له كيانه ، فمن غزوات التتار المدمرة ، إلي الحروب الصليبية ، فقد ظلت الأمة الإسلامية متماسكة قوية ، وقائمة على أصول الدين
وظل الإسلام يعاني العداء الوحشي، من الروح الصليبية من ذلك الحين ، ظاهراً ومستتراً وحتى الآن وقد أصاب العالم الإسلامي ما أصابه ، من العداء الصليبي للإسلام ، والكامن في النفس الأوروبية وما اللورد أللنبي ، إلا مثلاً لضمير أوروبا كلِّها ، وهو يدخل بيت المقدس ويقول : ” اليوم فقط انتهت الحروب الصليبية” إن هذا العداء نلمسه من أعداء الإسلام ، الذين عملوا ويعملون ، على إقامة الأوضاع التي تسحق الإسلام ، بكل مقوماته العقيدية والحركية في جميع أنحاء العلم . إن أعداء الإسلام عملوا ، وما زالوا يعملون على تحطيم قوة الإسلام ورغم ذلك فإن روح الإسلام باقية ، فما من حركة سياسيةٍ أو حزبيةٍ في هذا العالم ، إلا ويحسب فيها للإسلام حساب ، إن العودة إلى النظام الإسلامي ، ليست مستحيلة ولكن ذلك بحاجة إلى جهود غير عادية ، وقبل كل شيء ، بحاجة إلى حماسة في الإيمان به ، وصبرٍ على الجهد الشاق الواجب له ، وثقةٍ في ضرورته للعالم الإسلامي ، لا بل للعالم الإنساني كله . إن التسلح بالإيمان ، هو الطريق الوحيد إلى النصر ، وليس بكثرة الجيوش والحصول على السلاح ، فقد مرَّ المسلمون بتجربة مؤلمة ، أدت إلى هزيمة منكرة في ساعاتٍ قلائل ، خلَّفت وراءها أسلحة كالجبال ، وذخائر كالتلال . فلو كانت الجهود تنصب إلى إعداد المؤمنين الصادقين الذين لا يخونون بسلاح ، ولا يدعون السلاح يخونهم ، ويطلبون النصر على الأعداء من الله بعد اتخاذ الأسباب التي طلبها الإسلام ، لكان النصر حليفهم .
قبل حرب حزيران في أحد الجامعات في لندن وقف طالب يهودي ، يراهن طلاب الجامعة على إسرائيل قائلاً : سوف نكسب الحرب إذا وقعت فلما انتهت الحرب وسئل عن أسباب ثقته بما يقول قال : ما دمتم تدعون إلي قومية .. وعروبة .. واشتراكية .. وغير ذلك من الشعارات غير الإسلامية ، فنحن لا نخافكم .. نحن منتصرون .. أما إذا ذكرتم الإسلام ، فإنا نخافكم ، وإن خضتم المعركة على أساسه كنا خاسرين . لقد حدد اليهودي الذي يعي حقيقة المعركة ، معالم على الطريق ، وكأنه يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ( لا زلتم منصورين على أعدائكم ما دمتم متمسكين بسنتي ، فإن أنتم خرجتم على سنتي ، سلط الله عليكم من أعدائكم ، مَنْ يخيفكم فلا ينزع خوفه من صدوركم حتى تعودوا إلي سنتي ) .
فهل تصحو الأمة على هذه الحقيقة ؟؟ فتربي الجيل على القوة ، وتبعث فيه معاني العزة وأحاسيس الكرامة والإيمان بالله ، والاعتزاز بالتراث ، وتنطلق في إيمان لا يعرف الكفران وتنظيم لا يعرف الفوضى ، وعلمٍ يمزق ظلمات الجهالة ، وخلقٍ لا يعرف الفجور ، وعزةٍ لا تعرف الذل والمهانة . اللهم أعنهم على ذلك واجعل النصر حليفهم ، اللهم آمين
