رأيت أن أتحدث عن ثورات الشعوب التي ابتليت بنار الظلم والقهر ونهب مقدراتها ؛ فهي ثورات لها أسبابها، ومفاهيمها ، ولها ضوابطها التي تحكمها وترشِّد سيرها، إنها ثورات على الظلم والخيانة وموالاة الأعداء ، الذين حذرنا الله من موالاتهم حتى لا نكون منهم فقال تعالى : ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ ولأن السلطة لا تكتب مشروعيتها إلا إذا كانت منا لقوله تعالى : ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ فإذا ما أسلمت أنظمة الأمة أرضها وحقوقها ومصالحها للأعداء ، فإن الثورة تكون واجبة ومشروعة ، وما يقوله بعض المنتسبين للعلم الشرعي ، الذين يعلنون أن هذه الثورات خروج على الحاكم وخرق لطاعة ولي الأمر، وأنها بدعة .. إلى غير ذلك من هذه التأويلات الفاسدة ، ومن يقول أن الخروج على الحاكم كان قديمًا يعنى شهر السلاح في وجهه، وما أظن أحدا ينتظر من الإسلام أن يبيح هذا الحق ، لمن يشاء متى يشاء، وكل ما ذكره الإسلام في إطفاء بذور الحرب الأهلية قول الرسول: ( ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ) وهذا حديث لا غبار عليه وأرقى الأمم الدستورية تعمل بوحيه في أيام حربها وسلامها، فإن حق الثورة المسلحة ليس كلأً مباحا يرعاه كلُّ غضبان، أما اعتبار المعارضة المشروعة خروجًا على الدين وحكومته ، يُقتل من أجلها المعارض ، استدلالاً من الحديث السابق ، فهو ما لا موضع له في أدمغة العلماء؛ لأن الظلمة والمستبدين قتلوا كثيرًا من الناس جريًا على طبائع الاستبداد ، لا اتباعا لأحكام الله، فلا ينبغي الاعتذار للمجرمين ، بأنهم تأولوا آيات الكتاب وأحاديث الرسول g فهم لا يعرفون لله حقًّا، ولا لرسوله حرمة .
كما أن التحذير من الثورات بدعوى الخوف من الفتنة ، والخوف على الدماء والأعراض ، متناسين الدماء التي سفكت ، والسجون التي ملأت من قبل الأيدي الظالمة ، ومتجاهلين أن النبي g أذِن لأصحابه حين تعرضوا للأذى والظلم بمكة ، أذن لهم بالهجرة للحبشة وعلل ذلك بقوله (فإن فيها رجلا لا يظلم عنده أحد ) .
وهذا يدل على أن الثورات ضد الظلم والطغيان والفساد، هي سنة من سنن الله في خلقه لا تتخلف في الانتقام من المجرمين، وقطع دابر الظالمين، كما قال تعالى : ﴿ إنا من المجرمين منتقمون ﴾ وقال سبحانه : ﴿ فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ فالله ينتقم من الظلمة ويقطع دابر الظالمين ، وربما أمهلهم الله إلى أجل ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) وقد وعد الله بنصر من ظُلم وبُغي عليه فقال تعالى : ﴿ ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغي عليه لينصُرنه الله ﴾ الحج 60 وفي الحديث القدسي (يقول الله للمظلوم وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ) . وقد رأينا كيف نصر الله المظلومين نصرا لم يتوقعوه ، ولم يخطر على بالهم ، وبهذا يتجلى عدل الله في الدنيا كما سيتجلى عدله يوم القيامة قال تعالى : ﴿ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ بتوريث المستضعفين الأرض ، وهي سنة من سنن الله في الخلق، فقد جعل الله الأيام بين الناس دولا ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ لتتجلى قدرته وعزته، وأنه وحده مالك الملك ﴿ يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء ﴾ ولهذا يرى الخلق جميعا كيف يعلي الله شأن المستضعفين ، وكيف يذل المستكبرين، وينزع ملكهم قال تعالى : ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ﴾ وقد شاهد العالم كله كيف أورث الله كثيرا من المستضعفين ملك بلدانهم فأخرجهم الله من السجون إلى العروش ، سنة كونية يراها الناس في كل عصر ، فكم قصم الله من الملأ المترفين، وكم دمر من المستكبرين ، حتى أصبحوا أحاديث، وجعلهم آية لمن خلفهم كما قال تعالى لفرعون حين أغرقه ﴿ الآن وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين. فاليوم ننَجِّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ﴾ يونس 91 فالله جل جلاله لا يرضى الفساد في الأرض ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ ولا يصلح عمل المفسدين : ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ وقد أفسد الطغاة الذين أطاحت بهم الثورات فسادا عظيما ضجت منه الأرض، وسخطت منه السماء، فتجاوزوا الفساد الأخلاقي، إلى فساد جنائي وسياسي ومالي وإداري، حتى صارت أموال الشعوب نهبا لهم ولزوجاتهم وأبنائهم، بينما يموت الفقراء في بلدانهم جوعا وفقرا ، فكان هذا سبب لحدوث التغيير ، فقد جعل الله لكل شيء أسبابه التي يوجد بوجودها، ويتخلف بتخلفها، ومن ذلك أن التغيير في المجتمع لا يحدث إلا حين يتغير الناس ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ فلما تغيرت بعض الشعوب وتحررت من الخوف وخرجت عليه، وتصدت له، جعل الله العاقبة لها، وغير أحوالها بعد عقود من الركود، وسنين من الجمود!
فهذه بعض سنن الله الجارية على الخلق جميعا، وهي سنن كونية لا فرق فيها بين مسلم وغير مسلم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة، ويخذل الدولة المسلمة الظالمة
أنها ثورات على الظلم والطغيان، وعلى البغي والعدوان، وقد أمر الشارع برد الظلم ، كما قال تعالى في أبرز صفات أهل الإيمان ﴿ والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ﴾ فأوجب الله على المؤمنين الانتصار ممن ظلمهم، والانتصاف لأنفسهم، ورد العدوان كما في قوله تعالى : ﴿ من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقد أوجب الله على المؤمنين التعاون على البر والتقوى، وحرم عليهم التعاون على الإثم والعدوان، كما قال تعالى : ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ وحرم الركون إلى الظالمين فقال تعالى : ﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ﴾ وكما في الحديث (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله) فكل من أعان الظالم على ظلمه ولو بكلمة فقد شاركه في ظلمه وباء به ، وكل من خذل مظلوما وهو يستطيع نصرته ، أو أسلمه للظالم فقد ظلمه! فالواجب التعاون على البر والتقوى ، ومن ذلك التعاون على القيام بالحق، والتصدي للجور والأخذ على يد الظالم، ونصرة من ثار عليه!
وما يجهل أحكام الله في الظالمين، وما يجري عليهم وما يجب تجاههم ، إلا من طمس الله على قلبه وأشرب حب الطاغوت وحزبه، والمرء مع من أحب، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور! .
