مصائب الأمة

قال صلى الله عليه وسلم : (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه) رواه أحمد في مسنده . واجب المسلمين قادة وزعماء وعلماء وغيرهم ، واجبهم الاهتمام بكل مصيبة تحل أو نكبة تقع ، واجبهم تذكير الناس وبيان ما وقعوا فيه ، وأن يكونوا القدوة الصالحة في العمل الصالح، والبحث عن مسببات غضب الله ونقمته ، والبحث عن العلاج والإصلاح ، لأن هداية العالم وحكمة الوالي وصلاحهما من أهم المؤثرات في الرعية (فكلكم راع وكل مسئول عن رعيته) وإذا استمرأ المسلمون المعاصي ولم ينكرها من بيده الأمر والحل والعقد ، يوشك أن يعم الله الأمة بغضب منه، وإذا وقع غضب الله وحلت نقمته فإن ذلك يشمل المحسن والمسيء نعوذ بالله من ذلك قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ . والحديث عن مصائب الأمة ، حديث يطول ، فهل نتحدث عن مصاب الأمةٍ وهي تئن من ضربات الأعداء ؟ أم نتحدث عن مصاب الكثيرين منهم وهم يموتون جوعاً وعرياً، وفقراً، على حين أنهم أغنى الأمم وأكثرها أموالاً وأولاد ؟ أم نتحدث عن مصاب هذه الأمة حين يقتل بعضها بعضاً، ويسفك بعضها دم بعض؟! أم نتحدث عن مصيبة هذه الأمة حين تفارق دينها وتجهل حدود ما أنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ فحين نقرأ في الأخبار، أو نسمع عن بعض المصائب، لو أردنا أن نتحدث عنها لعجزنا لأن الواقع يكون أحياناً أكبر من الكلمات .
جاء في بعض التقارير في الصومال أن أعداداً غفيرة من الناس، تقف طوابير عند إحدى المنظمات، لماذا؟ لأجل أن تسجل أولادها وأطفالها في قوائم الراغبين في السفر إلى أوروبا وأمريكا، حتى يجدوا الحياة المطمئنة هناك وهم أطفال ، وقطعاً سوف يتخرج هؤلاء قُسساً ورهباناً ومنصرين، ثم يعودون إلى الصومال بأسماء نصرانية ويحملون الصليب بيد، والإعانة بيدٍ أخرى .
وليس الوضع في إريتريا بأحسن حالا ففي السودان وحدها أكثر من مليون ونصف لاجئ إريتيري، منهم سبعمائة ألف في المعسكرات، في أوضاع في منتهى الفقر لا يجد الواحد منهم إلا ما يسد رمقه، أو يستر سوأته وعورته .
وفي فلسطين، نجد ألوان الاضطهاد الذي يلقاه المسلمون على يد اليهود، الذين هم أشد الناس عداوةً للذين آمنوا وحدث ولا حرج عما يدور في العراق وأفغانستان ، بل إنك لتجد في كل بلدٍ مصيبة، وفي كل منطقة كارثة، وفي كل ناحية نكبة ، كما انك لتجد ما يضحك ويبكي فتجد أغلى إنسان وأرخص إنسان ، فالمسلم الحق أغلى إنسان عند الله عندما يعمل لتحكيم شرع الله ، وهو أرخص إنسان عند الأعداء الذين لم يحركوا ساكناً على مليوني إنسان، غادروا أرض البوسنة والهرسك إلى مكان لا يعلمونه، ولا يغضب على مئات الألوف ممن هم في معسكرات الاعتقال، ولا يغضب لعشرات الألوف الذين سحقتهم الدبابات وقتلوا في حرب الشوارع، ولا يغضب أيضاً لتلك الأعداد الغفيرة ممن ماتوا في المجاعات، لماذا؟ لأنهم مسلمون ، وحتى عند بعض المسلمين نجد المسلم لا يحظى باهتمامهم كما تحظى به البهائم ، وقد سمعنا أن من الدول الإسلامية من دفعت إعانات ومساعدات، لبعض حدائق الحيوانات في لندن ، بل إن من المسلمين من هان على نفسه ، فأصبح لا يرى نفسه شيئاً ولا يري نفسه أهلاً لشيء لا يعمل، ولا يتكلم ولا يشارك ولا يناقش ولا يُفكِّر ولا يسمع ولا يبصر، فتجد من المسلمين يقول: لماذا أسمع الأخبار؟ أنا لست حاكماً كي أتصرف، فدع الناس وما هم فيه، لماذا أسمع وأزعج نفسي؟! فأنا لا أستطيع أن أقدم ولا أؤخر؟! والأمور خربانة، وليس باليد حيلة والشكوى إلى الله وهكذا ، فقد أصبحنا نخشى من الدول العظمى، ونخشى من خصومنا وأعدائنا ونخشى من اليهود والنصارى، ولا نخشى الذل ، ولذلك عاملتنا الأمم الغربية بالمنطق نفسه ، فرأت أن هذه الأمة التي قبلت الذل والخضوع، والخنوع هي أمةٌ جديرة بألوان الاضطهاد ، وقد أصبحت بالفعل سوقاً لنشر ثقافات الغرب ، ونظرياته ومبادئه واهتماماته ، وإنك لتجد العلمانية قد أصبحت ديناً يدين به قطاع عريض ، وهم ينادون بفصل الدين عن الحياة ، ومن لم يقع في فخ العلمانية ، فإنه يقع في شرك الإباحية الغربية ، هناك تقارير غربية تتكلم الآن عن جوعٍ في البلاد الإسلامية ورد فيها : إن العالم الإسلامي كما هو بحاجة إلى الإغاثة في مجال المساعدات المادية ، فهو أيضاً بحاجة إلى الإغاثة والمساعدة فيما يتعلق بنقل تعاليم المسيح إليهم .
أضف إلى ذلك وكما نعلم بأن بلاد المسلمين هي أغنى مناطق العالم ، هي في التصنيف من أفقر مناطق العالم مع أنها أغنى مناطق العالم بالثروات كالبترول وغيره، وأغنى مناطق العالم بوجود المنافذ المهمة والمواقع الحساسة: الجوية، والبرية، والبحرية، والمضايق التي يحتاج إليها العالم وأغنى مناطق العالم بالكثافة العددية والبشرية، ومع ذلك فهي أفقر مناطق العالم ، وإنه لمن المبكي أن تعلم أن الغرب يوزع خيرات المسلمين على المسلمين، فهذه الإغاثات التي تنقلها الأمم المتحدة -مثلاً- إلى الصومال من أين هي؟ هل هي من كد جبينهم، ومما عملت أيديهم، كلا. إنها بعض ثروات وخيرات المسلمين التي استطاع الغرب بخبرته ، وذكائه وسياسته ، أن يمتصها في بنوكه ومصانعه ، وفي ميزانياته، وفي وزارات دفاعه واقتصاده ، ثم يجعل جزءاً يسيراً منها إلى البلاد الإسلامية المنكوبة ، وهذا الجزء اليسير، إنما يستخدمه الغرب لتنصير المسلمين ، وشراء ذمم ضعفاء الإيمان منهم ، ولعلك تعجب أكثر حينما تعلم أن هناك أموالاً جمعها المسلمون في مساجدهم ، وبلادهم فقامت منظمات صليبية بتوزيعها على المسلمين أيام الفيضانات أو الزلازل ، أو أيام المجاعات سواءً في بنجلادش أو في كشمير أو في البوسنة والهرسك وغيرها ، وأعجب من ذلك أن الغرب يتكلم عن -صندوق التنمية- صندوق دولي للتنمية يقوم بمساعدة الدول الفقيرة أو الدول النامية ، أو دول العالم الثالث كما يسميها، وهذا الصندوق أمواله من البلاد الإسلامية ، وبالذات من دول الخليج العربي ، والذي يقوم بإدارته ، هي أمريكا، وتوزعه على المناطق الفقيرة وهذا يذكرني بنكته قيل : “إن رجلاً مغفلاً، جاء إلى أحد الأغنياء الأذكياء، فقا ل الغني له يا فلان: إنني سمعت أن هناك منطقة في الصحراء المحيطة بنا، يوجد فيها الكمأ فأريدك أن تذهب لتلتقط الكمأ مناصفةً بيني وبينك ، فهزَّ الفقير رأسه وذهب موافقاً وركب حماره ، وفي أول يوم ذهب إلى تلك المنطقة ، فأصبح يبحث في الأرض ويلتقط الكما، وذهب إلى التاجر فقسمه بينهما مناصفة أعطاه نصفه وأخذ النصف، وفي اليوم الثاني ذهب الفقير إلى المنطقة نفسها، وبدأ يلتقط الكمأ من الأرض ، ففي الطريق وهو راجع أصابته صحوة ، فهز رأسه وقال: الحمار حماري، وأنا أنا، والأرض لله ، والمطر من الله ، وأنا أعطي هذا التاجر نصف ما أجمع ، فهذا ليس بالعدل فألقى ما التقطه ، ورجع بلا شيء لماذا؟ لأنه يريد أن يحرم هذا التاجر من هذا الكمأ . وهذا فعلاً ما يقع فصندوق التنمية العالمية يُنفقُ عليه المسلمون وتديره الدول الغربية ليخدم مصالحها في بلاد المسلمين وبأموال لمسلمين وإذا ما اطلعت على الدراسات والتقارير لمجامع البحوث والدراسات العلمية ، فأنك لا تجد أي شعب في العالم يعاني ما يعانيه المسلمون، وإذا ما تساءلنا : أين توجد المجاعة ؟ وأين توجد عملية التصفية العرقية؟ وأين يوجد الحصار الاقتصادي على شعب بأكمله ؟ وأين يوجد الفقر؟ إنه في دول غالبها إن لم يكن كلها دولٌ إسلامية فالوقت الذي فيه للمسلمين نصيب الأسد من هذه المآسي، فإن المحزن والمؤلم ، أن الذين يُظهرون تبني قضايا المسلمين والدفاع عن حقوقهم ، هم من النصارى والكفار، وأي خيرٍ في أمة يتولى عدوها مساعدتها والدفاع عنها ، يُصاب المسلمون في أي بلد فلا يعلن الدفاع عنهم إلا منظمات حقوق الإنسان، ومنظمات العدل، والمنظمات الدولية الإنسانية في أوروبا وأمريكا وغيرها، التي هي في غالبها إن لم تكن كلها منظمات نصرانية ، فليس للمسلمين فيها أي وجود فيها ، لقد أصيب المسلمون بالجبن والخوف والتمزق، فأصبح المسلم لا يشعر بمصاب أخيه ولو شعر به فإنه لا يملك الشجاعة والجرأة بأن ينادي بإنصاف أخيه المسلم ، وإذا أردنا أن نعرف السبب فيما صرنا إليه ، فإنا نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ الشورى30 وقوله: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ آل عمران 165 وقوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾النحل112 . وغيرها من آيات في كتاب الله تعالى الناطقة التي لا تحتاج إلى تفسيرٍ أو بيان، وخلاصة هذه الآيات أن كل ما أصاب الناس من مصائب دينية أو دنيوية ، فهي من عند أنفسهم . وما الذي أوصل المسلمين إلى هذه الحال التي يألم لها كل مسلم ، إنه ضعف الإيمان في النفوس ، وانشغال أكثر المسلمين بالدنيا ومتاعها ، وبضعف الإيمان ضعفت شوكتهم وقوتهم ، فطمع فيهم أعداءهم ، وتوالت النكبات عليهم ، حيث أُبعد المسلمون من أجزاء من الأرض التي فتحها الإسلام ، واحتل الأعداء كثيرًا من أقطار المسلمين بجيوشهم ، وغزوا تلك الأقطار بكل ألوان الفساد، وأبعدوا الشريعة الإسلامية عن الحكم واستبدلوا بها قوانين من صنع البشر، ثم تآمروا وأسقطوا الخلافة الإسلامية ، وأثاروا الفرقة بين أقطار المسلمين، وغرسوا الكيان الصهيوني في قلب الأمة الإسلامية؛ ليضعفها ويمزقها ، ويتوسع على حساب أرض الإسلام .
ولمّا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والتحاكم إليهما ، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما ، عرض لهم فسادٌ في فِطَرهم وظلمةٌ في قلوبهم ومَحْقٌ في عقولهم ، وجعل الله تعالى بأسهم بينهم ، فها نحن نرى بأس المسلمين فيما بينهم تفرق إلى جماعات ، وأحزاب وتكتلات : ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ الروم 32 .
أيها الأخوة : إن الأمن والأمان لا يكون إلا في ظل شرع الله ، وفي تحقيق شريعة الله ، ولا يكون إلا في الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، وما عوقب المسلمون بهذه العقوبات إلا لأنهم فرّطوا في تمسكهم بهذا الدين ، وعصوا الله تعالى، ووالله ثم والله إذا تمسك المسلمون بشرع الله وطبقوه في حياتهم ومجتمعاتهم ، فإنهم سيظفرون بكل سعادة وهناء ، والله تعالى وعد كل من آمن واستقام على شرعه بالحياة الطيبة كما قال تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ النحل97 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *