مصائب حذَّرَنا الرسول من الوقوع فيها، وها نحن اليوم نشهدها عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أخاف عليكم ستاً : إمارة السفهاء، وسفك الدم، وبيع الحكم ، وقطيعة الرحم ، ونشواً يتخذون القرآن مزامير، وكثرة الشُّرَط ) أخرجه الطبراني. والسفهاء : وهم الجهلاء ، وخفاف العقول ، الذين يقدمون هواهم على الحق ويعارضونه ، مع علمهم بأنه الحق ، والذين يفعلون ما يضر ، ولا ينفع ، ويضيّعون أموالهم ولا يحسنون التصرف فيها ، ولعل إمارة السفهاء من أكبر المخاوف وأهمها، بل لعل بقية المخاوف تندرج تحتها، وما ذلك إلا لتصدير النبي صلى الله عليه وسلم لها لتكون هي رأس مخاوفه ومقدمتها كلها.
إن السفهاء هم أهل الخفة ، وناقصوا العقل والأهلية، وهم أهل الهوى والطيش وسوء التصرف والتقدير، وهم الذين لم يأتمنهم الإسلام على تسلم أموالكم قال تعالى : ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ وإذا كان السفهاء لا يؤتمنون على الأموال ، فكيف بهم إن تولوا رقاب الناس؟ وتعريف إمارة السفهاء ، جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لكعب بن عجرة : ( أعاذك الله من إمارة السفهاء ) قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: ( أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليَّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم ، فأولئك مني وأنا منهم وسيردون عليَّ حوضي ) رواه أحمد واللفظ له والبزار. وعندما يستن الحكام بسنن الغرب ، ويتخذوا شرائع الطغيان هدى لهم ، وعندما تخضع الأمة لإمرة السفهاء ، الذين يفاخروا بحكمهم العلماني ويجاهرون بعلاقاتهم المتميزة مع أكفر خلق الله ، وأشدهم حربًا على الإسلام ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يبين لنا المخرج من إمرتهم ، ويبين الحكم الشرعي في عنق كل مسلم تجاههم فيقول: ( فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون عليَّ حوضي ) ولا شك أن التصديق هو دون الطاعة، فإذا كان تصديقهم هو بمنزلة إعانتهم على الظلم ، فكيف بطاعتهم ؟ إذ به نطيل عمرهم ، ونمد ظلمهم ، وإذا كان الرسول يحرِّم علينا طاعة السفهاء ، فكيف بمن يبرر لهم ظلمهم ؟ وكيف بمن يروِّج لهم ويعينهم ، ويدعو لانتخابهم وانتخاب أحزابهم وتياراتهم ؟ علماً بأن الرسول يتبرأ منهم بقوله : ( أولئك ليسوا مني ولست منهم ) ما أشد أن يتبرأ الرسول منهم ، يوم يهرع الناس كلهم إليه ويُطْرَدون ، بسبب سكوتهم عن إمارة السفهاء! التي نعاني منها في هذا الزمان ، فنراهم يبددون الأموال الطائلة التي تفوق الخيال من أجل بناء قصر أو شراء يخت أو حفل زفاف أو سهرة ماجنة ، ومنهم من يتهم الإسلام معتبراً أن مشكلة الإرهاب تكمن بداخل الإسلام ، ويفاخر بمساعدة دول الكفر في ملاحقة المسلمين ، والحكم بغير ما أنزل الله ، وكفى به سفها. وقد بينت لنا الأحاديث النبوية الشريفة إمارة السفهاء ، جاء في الفتح -كتاب الفتن- في حديث لأبي هريرة رفعه ( أعوذ بالله من إمارة الصبيان، قالوا : وما إمارة الصبيان ؟ قال : إن أطعتموهم هلكتم – أي في دينكم – وإن عصيتموهم أهلكوكم ) أي في دنياكم بإزهاق الأنفس أو بإذهاب المال أو بهما . ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بالتحذير من إمارة الصبيان والسفهاء ، وإنما وضع آليات محددة ملزمة للمسلمين ، جعلت كيفيات واجبة على الرعية الالتزام بتنفيذها ، وهي اعتزالهم وقلعهم من جذورهم لا إصلاحهم دل على ذلك حديث حذيفة الذي رواه البخاري، عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: ( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت : وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : نعم ، وفيه دخن، قلت : وما دخنه؟ قال : قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت : فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله ، صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، قلت : فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت : فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) . ففي هذا الحديث رد واضح على القائلين بإصلاح هذه الفرق ، فدعاة الإصلاح يخالفون الأمر بالاعتزال، وهم آثمون بتقربهم إلى أمراء الفرقة ، وعدم اعتزالهم إياهم لأن الأمر بالاعتزال جازم، وهنالك قرينتان على أنه جازم: الأولى : وصفه صلى الله عليه وسلم إياهم بأنهم دعاة على أبواب جهنم. والثانية: أمره صلى الله عليه وسلم بأن يعض على أصل شجرة إمعانا باعتزالهم. وأمراء الفرقة هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم ، الذين سماهم صلى الله عليه وسلم بالسفهاء والصبيان، وهم الذين لا يستنون بسنة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يهتدون بهديه. وهنا ينبغي التنبيه إلى أن أمره صلى الله عليه وسلم ، باعتزال هذه الفرق كلها ، فالحديث يأمر باعتزال الفرق ، ولا ينهى عن العمل لإيجاد الجماعة على إمام والأوضح في الدلالة من هذا حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها ستكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن باراهم نجا، ومن اعتزلهم سلم أو كاد، ومن خالطهم هلك ) . فهذا الحديث واضح الدلالة لا باعتزالهم وعدم مخالطتهم وحسب، بل بمبارزتهم وقلعهم واستبدالهم ، وعدم السمع والطاعة لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن نافع عن عبدالله : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) وعدم الدخول عليهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ، ومن لم يدخل عليهم ويصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ) حتى إن سفيان الثوري حرم النظر إليهم فقال : ” النظر إلى وجه الظالم خطيئة ” .
أما ثاني المصائب فهي بيع الحكم: يصبح الحكم صفقة يشتريها من يملك المؤهلات اللازمة لينتخب أميرًا برتبة سفيه! وبالطبع لن يكون من ضمن هذه المؤهلات من يستنون بالسنة ويهتدون بالكتاب، وثمن الحكم غالبًا ما يكون رشوة تُدْفع على حساب الدين ، وإذا وسد الحكم إلى غير أهله فانتظر الساعة ، وثالها سفك الدم: عندما يغيب رادع التقوى ، تغيب معه وسائل الحجة والبرهان ، ولا يتبقى للأمراء غير الأسلوب الفرعوني ، ورابعها : كثرة الشُّرَط: وهم أعوان الولاة وكثرتهم بأبواب الأمراء والولاة، إذ بكثرتهم يكثر الظلم ، حيث تحصى أنفاس الأتقياء، لأن أمراء السفه يخافون من أمتهم، فيخافون من أدنى حراك، لذا يكثر في البلاد أعوان الولاة، الذين يحملون السياط كأذناب البقر ، يرهبون بها الناس ويضربون ظهورهم، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه ، وأما الخامسة فهي قطيعة الرحم: وإذا كانت إمرة السفهاء تمثل الفساد السياسي، وبيع الحكم يمثل الفساد الإداري والحياتي، وسفك الدم يندرج تحت الانفلات الأمني وكثرة الشُّرَط يمثل القمع العسكري، فإن قطيعة الرحم تختصر الفساد الاجتماعي في أجهزة حكم دولة السفهاء، فمن ينطفئ عنده وازع تقوى الله ، لن يحجزه عن معاصيه وازع خوف الأب أو الأم ، وأما السادس والأخير : ( نشوا يتخذون القرآن مزامير ،يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم ، ما يقدمونه إلا ليغنيهم ) وهذا عندما لا يُتْخَذ القرآن دستورًا، وعندما يباع حكمه ، وتُنْبذ أحكامه وشرائعه، عند ذلك يتحول القرآن على ألسنة مقرئي السفهاء ومشايخ بلاطهم إلى ما يشبه الأغنية، ويصبح أهله عند سلطان السفهاء ، مغنين ومطربي مجالس، ويكون المقدم في برامج الإعلام ، هو صاحب الصوت الجميل لا صاحب الفقه الأصيل .
وها نحن نعيش فساد بعض الأنظمة ، وخطورة إمارة السفهاء ، وأثره المدمر على البلاد والعباد ، فأي بيان أبلغ، وأي نصح أشفق من نصح رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وها نحن نشهد والله المخاوف الست التي ذكرها لنا ، ونذوق مرارتها ونكتوي بنارها، وكأننا برسول الله يخاطبنا وهو يتكلم مع كعب بن عجرة ، ويدعو الله أن يعيذه منها. اللهم يا من جعلت محمدًا إمام الأنبياء، نسألك أن تهدم بناء إمارة السفهاء، الذين ملؤوا الأرض فسادًا والبلاد ضلالًا .
مصائب حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم
