معاناة المسلمين في أوطانهم

قال تعالى : ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ البقرة 251 . تشير الآية القرآنية ، الى أن أي مجتمع لا تقوم فيه هيئة قويةٌ رادعةٌ ، لا بد أن تسوده الفوضى والانحلال ، حيث تتصارع القوى ، وتتنافس الطاقات في تدافع وتسابق ، إلى تحقيق المصالح والغايات ، وما يجري في البلقان وإبقاءه جرحاً تنزف منه دماء المسلمين ، من أجل تحقيق أهداف معينة ، باللجوء إلى أسلوب القوة والحروب المدمرة ، والصدامات الوحشية ، والكيد المتوالي على الإسلام والمسلمين
إننا في ظلِّ هذه الظروف ، نأمل من الله أن نرى الحق ينتصر ، وينتصف المظلوم وترتفعُ راياتُ الإيمان خفاقةً ، ويعم الخيرُ على كل المسلمين ، لأن يد الله الحكيمة المدبرة ، هي القادرة على أن تقود هذه المواكب المتصارعة ، إلى الخير والصلاح والنماء في نهاية المطاف .
وذلك بقيام الجماعة الخيَّرة المهتدية ، التي تعرف الحق وتسلك الطريق الموصل اليه ، وتؤمن بأنها مكلفةٌ بدفع الباطل ، وإقرار الحق في الأرض وأنه لا نجاة لها من عذاب الله ، إلا أن تنهض الأمة بالدور المطلوب منها لهداية البشرية إلى المنهج الرباني ، وأن تحتمل في سبيل ذلك ما تتطلبه هذه المهمة ابتغاء مرضاة الله . ليمضي أمرُ الله ، ويكون النصرُ حليف الفئة المؤمنة في نهاية المطاف ، لأنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض . إن ما جري في كوسوفا وما جرى في فلسطين يعيد إلى الأذهان الأوجاع الإنسانية ، التي نشبت في الربع الأول والثاني من هذا القرن .
مما يدعو للتسائل أي الحضارات أرحم بالإنسانية؟ حضارةٌ أنتجها الإسلام ثم شوهها الغرب ، أم حضارةٌ قامت على أشلاء الملايين من البشر .
إن ملامح المأساةِ واحدة ، وقصة النازحين والمهجّرين متشابهة ، فالعنصرية والتطهر العرفي في إسرائيل ، أقدم وأسوأ مما هو عليه في البلقان ، فما انتهكت حقوق الإنسان في مكان مثلما انتهكت في فلسطين ، وإن عشرات الفيتو التي حصدتها إسرائيل لصالحها من أمريكا ، هو الذي دفع بإسرائيل إلى العمل الحثيث لتهويد القدس وإلى بناء المزيد من المستوطنات اليهودية على أراضي فلسطين ، كما أن تهويدَ القدس كصربنة كوسوفا ، ذاك ظلم وقهر وتشريد وهذا ظلم وقهر وتشريد ، وفي كلا الحالين يُستهدف الإسلام ، وتهدر الكرامة وتضيع الحقوق وتتكررُ هذه الصورة في بلاد الإسلام ، وإن تعدد الفاعلون .
كما أن ردة فعلنا تكاد تكون واحدة ، تصريحات وبيانات واستنكاراتٌ ليس إلا
وعندما نطالب المسلمين بالتصدي لما أصاب الأمة من ضعف في فهم المبدأ الذي قامت على أساسه دولة الإسلام ، نسمع الجواب المتكرر وحتى من المتحمسين لنشر الدعوة ، لا نستطيع ، الله المستعان ، خلَّينا نأكل خبز ، وما شابه ذلك من الاعتذارات الواهية التي تتردد على ألسنة الكثيرين
إننا نتوجه إلى هؤلاء بهذه التساؤلات .
هل يستقسم فهم الأمة لمبدئها وهي تطلقُ العنان للهوى في التشريع ؟
وهل يستقيمُ لها ذلك وهي تمعن في موالاة أهل الكفر ، وإدخال أفكار الكفر بدل أفكار الإسلام وهل يمكن أن يطبق الإسلام إلا بدولةٍ تحمل دعوته إلى العالم بالحجة والجهاد ؟ ولماذا لا يغارُ المسلمون من أصحاب الأفكار الهدامة ، الذين يسترخصون كلَّ غالٍ ويستسهلون كلَّ صعب في سبيل تحقيق أهدافهم ، وإلا من سيعيد للأمة أمجادها ، هل هم الكافرون أم العَلْمانيون ؟ إنه لا هذا ولا ذاك ، لأن ذلك لا يكون إلا بالاقتداء بمن سبق من الدعاة ، الذين بذلوا كلَّ غال ورخيص من أجل دينهم وعقيدتهم ، إنه الطريق الوحيد لرجوع الأمة إلى الإسلام الذي جاء ليحقق الخير ويبسط العدل ويرفع الظلم عن كلِّ بني البشر .
إن الظلم يستحيل أن يبقى مستمراً في استعلائه على الحق ، لأن الله لا يريد للأمة أن تذل وتخزى ، فما جاء الإسلام إلا ليمنع الظلم والقهر الذي يصيب المسلمين ، كما حدث في فلسطين ويحدث في كوسوفا ، حيث يَحْرِقُ الصربُ قرى المسلمين ، فيقتلون من يقتلون ويجبرون الباقي على النـزوح من بلادهم .
إننا ونحن نعاني هذا النـزيف المستمر في الجسد الإسلامي ، لندرك أن واجباتنا حيال أزمات العالم كثيرة ، مما يدعو للتساؤل من يوقف هذا النزيف وكيف ؟ وهل ما يجري من حرب هو للدفاع عن المسلمين في البلقان ؟ أم هو العمل على تصفية الحسابات الاستراتيجية بين شطري أوروبا ؟ وما فائدة العالم الإسلامي والمسلمين من هذا الذي يجري ؟ إننا في هذا الوضع الذي نعيش ، لا نملك إلا أن نقول في غياب الموقف الإسلامي ، حيال هذه الأزمة بأن قوى الكفر تخطط لتمرير رؤيتها في رسم تسوية نهائية للمسألة البلقانية ، وستتبعها تسويات جغرافية وسياسية أخرى في أجزاء أخرى الأمر الذي يدعو كل مسلم مخلص في هذا العالم إلى الرجوع إلى الله قولاً وعملاً ، وإلا فالنهاية لن تكون مرضية من وجهة نظر الإسلام ، الذي يدعونا للعمل بكل ما وسعنا من طاقات فكرية وجسدية ، حتى تنشأ أجيالٌ تندفع تحت راية التوحيد وعقيدتها قال تعالى : ﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ﴾ .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *