مفهوم الأمن والأمان


يتحدث الناس عن الأمن والأمان والاستقرار الذي لا يتحقق إلا بالحفاظ على العقيدة السليمة الصحيحة ، التي تؤدي إلى ارتباط المسلم بربه ارتباطا وثيقا ، بعيداً عن الممارسات الخاطئة ، في تطبيق الشريعة الإسلامية وتعاليمها ، قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون ﴾ الأنعام 82 ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( من أُعطي فشكر ومُنِع فصبر وظَلَم فاستغفر وظُلِم فغفر، وسكت ، قال : فقالوا : يا رسول الله ما له ؟ قال: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) رواه ابن كثير في تفسير هذه الآية ، إذاً ليس كل من ادعى الإيمان له الأمن الموعود من الله إلا بشرط ألاّ يخلط ذلك الإيمان بشرك أو بمعصية من الكبائر والأمن في العرف : اطمئنان النفس وزوال الخوف وينقسم الأمن إلى قسمين : أمن في الدنيا : ويتحقق على الصعيد الفردي والاجتماعي بمختلف الأشكال الحياتية : من سياسية وعسكرية، واقتصادية وتعليمية ، واجتماعية وأمن في الآخرة : وهو الاطمئنان بعدم العذاب في جهنم ، وهذا خاص بالمؤمنين ، الذين عملوا الصالحات ، وقد وعد الله أن يستخلفهم في الأرض، ويمكن لهم فيها، كما مكن لمن قبلهم ممن عمل عملهم، واستقام على الإيمان والعمل الصالح، وأدى حق الله، وطبق شرعه ، قال تعالى : ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من فبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً ﴾ النور 55، وما ذلك إلا بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ، وقد ذكروا أن الخوف من العوامل التي تدفع الإنسان إلى تحقيق الأمن ومن هنا قالوا :” نعم مطية الأمن الخوف .” والأمن من أهم أسس ومقومات المجتمع الإسلامي، فقد روى عن الإمام جعفر الصادق :” ثلاثة أشياء يحتاج إليها جميع الناس الأمن والعدل والخصب .” فبالعدل تطمئن النفوس وتستقر البلاد , وبالعدل تصان الحقوق وينـتصف الناس . وبالخصب يُقضى على الفقر والعوز ” وإن شر البلاد بلد لا أمن فيه , فإذا انتشر الأمن بين الناس ، زادت الحركة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع ، وعلت سياسة دولته بين الدول ، ولذلك فإن الإسلام ينظر إلى استتباب الأمن في المجتمعات ، على أنه من أقدس الأهداف الإنسانية ، التي يوفق الله بها عباده الصالحين ،كي ينالوا رضاه ويفوزوا بجنته .
ولذلك فإن الدعوة إلى الأمن ، توجيه إسلامي لإقامة علاقات طيبة وحسنة بين الناس وإصلاح ذات بينهم، وإغاثة الضعيف وإنصاف المظلوم ، وإغاثة الخائف ، ونجدة الملهوف، ونصرة الحق، وردع المجرم لأن الحياة لا تهنأ بغير أمن ، والمجتمع لا يستقر بدون أمن ، فإذا ساد الأمن اطمأنت النفوس وانصرفت إلى العمل المثمر ، وساد العدل بين الناس ، فالأمن غاية العدل ، والعدل سبيل للأمن ، وإذا كان العدل يقتضي تحكيم الشرع ، والحكم بميزانه ، والشرع ما نزل إلا لتحقيق الأمن في الحياة، وغياب العدل يؤدي إلى غياب الأمن ولذا فإن الحكمة الجامعة تقول: “إن واجبات الدولة تنحصر في أمرين هما: عمران البلاد وأمن العباد “.
هناك من يقول بضرورة توفير الأمن ، كلمة حق يراد بها باطل ، فقد بتنا نسمعها في كثير من المناسبات ، بغية خلط الأوراق والتلبيس ليوهموا الناس ، بان احتلال بلاد المسلمين ، ليس فقدانا للأمن كما انه ليس من الأولويات ، التي يجب أن يضعها الناس في حساباتهم، بل إنهم زعموا ، أن وجود الأعداء وبقاءه في بلدانهم هو سبب استتباب الأمن مما يدل على أنهم لا يفكرون إلا بأمنهم ولو أدى ذلك إلى ضياع البلاد والعباد ، والتنازل عن دينهم ومبادئهم، غير مبالين بما يحصل للمسلمين ، من نكبات على أيدي الكفار والطامعين ، ويغمضون أعينهم عما يفعله أعداء الأمة ، من تدمير لأمن المسلمين ، مع أن الواجب شرعا وعقلا ، أن نقول الإسلام أولا ، وليس الأمن أولا، فلا أمن من غير إيمان، وما فائدة أن يكون الإنسان آمنا في بيته وبلده محتل من قبل الأجنبي؟ وما الطائل من أمنه الشخصي ، ودينه مهدد بالزوال ، على أيدي أعداءه المهيمنين على مقدرات حياته؟ فالأمن الحقيقي إذن ، هو في ظل الإسلام ، وفي طاعة الله ، وترك معاصيه، ولا بقاء لأمن إذا ابتعد الناس عن ربهم ، وقابلوا نعم الله بالكفر والمعصية ،لأن كثرة المعاصي ، وتحكيم القوانين الوضعية ، هو إيذان بذهاب الأمن وزواله ، وحلول الخوف محله، وما البلايا والمصائب ، إلا صورة من صور العذاب الذي يحل بالناس ، الذين ارتكبوا الذنوب والمعاصي ، وأمِنوا مكر الله ﴿ فلا يأمنُ مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون﴾ الأعراف 99 ، فمن ذا الذي يمنّ بالنعم على الناس ، ومنها نعمة الأمن أليس هو الله تعالى؟ ألم يقل الله ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾قريش4 أليس هو المعطي ، وهو المانع، فلماذا إذن لا يطلب الأمن من معطيه ، وهو الله ؟ ولماذا نطلبه من غيره؟ ولماذا نجعله مقصورا على الأمور الشخصية ، ونتغاضى عن الأمن الأكبر ، وهو أمن الدين؟ فالأمن الذي يتحدث عنه أعداء الله ، والسائرون في ركابهم هو أمن شكلي ولا يلبث أن يزول ، لان عوامل بقاءه غير موجودة، ويكفي أن ننظر إلى العد التنازلي للمفهوم الأمني ، بمعناه الضيق لدى كثير من الدول ، بسبب شيوع الفساد وانتشار الرذيلة والفواحش في مجتمعاتهم مع أنهم يبذلون أموالا طائلة لتامين أمنهم ولكن من غير نتيجة، إذ كيف يستتب الأمن في بلد ما ، وهو محتل من فبل الأعداء؟ وأنّى للأمن في بلد ، قد نحيت شريعة الإسلام فيه جانبا؟ وكيف يتأتى الأمن في بلدٍ ، أغرقت الخمور أسواقه ، والربا تعاملاته ، حتى صار الناس لا يعرفون أحلالا يأكلون أم حراما؟ علماً بأن الأمن ، لا يكون إلا لمن استقام على أمر الله وطبق شرعه ، وأنصف المظلوم من الظالم، وأقام حدود الله بذلك تنعم البلاد بالأمن والأمان والراحة والطمأنينة، والحياة الكريمة، تحقيقاً لما وعد الله به عباده ، وهذا واضح لمن عرف أحوال العالم ، ودرس أحوال الدول الموجودة، والبائدة ﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ النحل 112. نعمة عظيمة من الله حينما يُلَبِسُ الله الأمة لباس الأمن والأمان، عقوبة إلهية شديدة ، حينما تُلَبََّسُ الأمة لباس الخوف والألم والقلق ، وعدم الاستقرار ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ البقرة 155 إن الناس ليتحملون قلة الطعام وشحه، ويتعايشون مع قلة الأموال والأرزاق ، ولكنهم لا يطمئنون ولا يتعايشون في أرض لا أمن فيها ولا استقرار ، لأن الخير والرخاء ، يعم ويسود في ظلال الأمن ، وتجد الدعوة طريقها ، وتظهر ثمارها ، وإذا تزعزع الأمن واختل ، سادت الفوضى ، وانتشر الفساد وعم الشر ، وهنا نتساءل : كيف يمكن تطبيق الأمن ونشره بين العباد ؟ وكيف نحافظ على أمننا لنعيش في هدوء وسعادة ؟ ومن هم الموعودون بالأمن والأمان من الله ؟ ومن هم الذي يأمنون في الدنيا والآخرة ؟ إنهم المؤمنون الصادقون المخلصون لله ، الذين آمنوا بالله رباً وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، الذين جاهدوا في الله حق جهاده ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وقاموا بالعبودية لله حق قيام ، فوالوا أولياءه ، وعادوا أعدائه ، وأحبوا في الله وأبغضوا في الله ، الذين كلما زادت الفتن ، زادوا رجوعاً إلى الله ، وإقبالاً عليه أولئك هم أهل الأمن ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾الأنعام 81 . أفيكون المؤمنون الصادقون كما يقال ، هم مصدر القلق والخوف وإبعاد الأمن ؟ أفيكون الإيمان بالله وتطبيق شرعه ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، سبباً في الفوضى وتسلط الأعداء ؟ أم يكون دعاة التقريب ، وأهل العلمنة ، وأتباع الاستعمار ، هم مصدر الأمن ؟ ويكون المؤمنون المتبعون لشرع الله ، هم مصدر القلق ، وعدم الاستقرار كما يقولون ؟ نعم يكون هذا ، عندما تنقلب الموازين ، ويطلب المنافقون الأمان ، بالثورة على تعاليم الدين وموالاة أعداء الله ، ومعاداة أولياءه ، يكون هذا عندما نستمع لنعيق الناعقين ، وأصوات المنافقين ، يكون هذا ونحن نرى الثورة على تعاليم الإسلام ، ومبادئ الدين ، نراها ونحن نحمّل الدين أخطاء المخطئين وأفعال المتسرعين ، وما علموا أن أفعالهم هي السبب في فقدان الأمن والأمان ، أما كان الأجدر بهم أن يعودوا إلى دينهم ، بدل أن ينقلبوا على الإيمان وأهله ، أما علموا أن الأمن والأمان لا يبقى إلا بالإيمان والتقوى ، لا بالجبروت والقوة والاستهانة بدماء المسلمين ، وإراقتها في أوطانهم ، مما أفقدهم الأمن الاستقرار ، الذي يدعيه أصحاب تلك القوى ، التي تتباهى بانتصارات ، تزيد من الذل والطغيان للأمة الإسلامية وإحكام القبضة عليها ، وما ذلك إلا لضرب أي توجه نحو الإسلام وحكمه، وتنفيذ الخطط التي تهدف إلى تقسيم البلاد وظلم العباد ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾الحج 46 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *