مفهوم الجباية والهداية


الهداية لغةً : الدلالة والإرشاد ، وفي الاصطلاح : سلوك الطريق الذي يوصل الإنسان إلى غايته وهي إتباع شرع الله ، أما الجباية : فهي مبلغ مالي تتقاضاه الدولة من الأشخاص والمؤسسات بهدف تمويل نفقاتها .
وميزان الأشياء عند الذين يتبنون مفهوم الجباية هو تضخم الميزانيات ، وتكثير الدخل والإيرادات ورفاهية الرجالات ، الذين يتولون المناصب المختلفة في الحكومات ، همهم جمع الأموال وببناء القصور الفاخرة وامتلاك السيارات وأفخم العقارات ، وإيداع ألفائض في البنوك في الحسابات ، على حساب فرض الضرائب والأتوات ، والهيمنة على الموارد والشركات . أما الذين يصرفون جهدهم للجباية لا للهداية وللانتفاع لا للنفع ، فعنايتهم مصروفة إلى فرض الضرائب وجمع الأموال ولو على حساب الأخلاق والفضائل في المجتمعات ، فتبيح أنواعاً كثيرة من الخلاعة والفجور ، فينحط مستوى الأخلاق وتنتشر عدوى الأمراض الخلقية المنتشرة في الأقطار الأوربية التي تحمل مفاسد الحضارة الغربية ، ولأرباب الجباية، طابع خاص ونفسية خاصة ، لأن ميزان الأشياء ومناط الأحكام عندهم ، هو تضخيم الميزانيات ، وكثرة الدخل والإيرادات وان كان ذلك بامتصاص دماء الفقراء ، وفرض الضرائب المجحفة ، ورفع الأسعار وفرض الأتوات .
أما شعار أرباب الهداية : فهو الدعوة إلى تطبيق منهج الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى مكارم الأخلاق ومنع الخمور وتحريم الفجور ، ومطاردة المفسدين . روي أن عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين قال لعامله مرة : ( ويحك إن محمداً صلى الله عليه وسلم بُعِث هادياً ولم يُبْعَثْ جابياً ) وهذه الجملة تعرب عن روح الحكومة الدينية ، التي تتأسس على منهاج النبوة ، وتسير على آثار الأنبياء وخطاهم ، فتكون عنايتها واهتمامها بالدين ، وبإصلاح أخلاق المحكومين ، وبما يعود عليهم بالنفع والضرر في الآخرة ، أكثر من اهتمامها بالجباية والخراج ، والإيرادات ،وتنظر في جميع المسائل السياسة الاجتماعية والمالية بما يتفق مع المبادئ الدينية والخلقية ، واجتناب المحرمات والمعاصي ، فتمنع الخمر ، وتحرم الزنا وأنواع الخلاعة والفجور، والعقود المالية الفاسدة ، النافعة للأفراد المضرة بالمجتمع ، وتحظر الربا والقمار ، وتعنى بتهذيب النفوس وسمو الروح ، والتحلي بالفضائل والإقبال على الآخرة والزهد في الدنيا والقناعة في المعيشة، ، والتنافس في الخيرات ومنع كل ما يفسد على الناس عقيدتهم وأخلاقهم حتى يكونوا ممن قال الله فيهم : ﴿ الذين إن مكناهم في الأرض: أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور ﴾ الحج 41 ، وعلى مدار التاريخ فإن الجباية لا تحتاج إلى شرح وتعريف ، فهي السائدة ، في الماضي والحاضر، وفي الشرق والغرب، وقد جربها الإنسان ، وعرفها في كل عصر، أما الهداية فهي نادرة ، فمنذ دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام ، كان الذين آمنوا ، هدف كل قسوة وظلم واضطهاد ، وبلاء وعذاب، فصمدوا وثبتوا حتى أذن الله في الهجرة، ولم تزل الدعوة تشق طريقها وتؤتي أكلها ، حتى قضى الله أن يحكم رجالها في الأرض، ويقيموا القسط، ويخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها فإذا دولتهم الوليدة على مفترق الطرق – طريق الجباية وطريق الهداية – هنالك سمعوا هاتفا يقول: ويحكم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يبعث جابيا وإنما بعث هاديا ، وأنتم خلفاؤه ، فلم يترددوا في إيثار جانب الهداية على جانب الجباية، واتخاذ الدعوة والهداية ، شعارا ومبدأ لحكومتهم ، فكان لهم ذلك ، فقد علموا أنهم لو آثروا جانب الجباية ، وأطلقوا أيديهم في أموال الناس، وطلبوا النعيم ورتعوا في اللذات، لم يحل بينهم وبين ذلك أحد ولم يقف في سبيلهم واقف. ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك ، لغشّوا إخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، وقضوا نحبهم بدون أن يأكلوا ثمار غرسهم وخانوا أولئك الذين لم يعرفوا إلا الجهاد والتعب والجوع ، فقد وصلوا إلى حكم الناس على جسر من متاعبهم وإيثارهم. وقفوا ولم يطب لهم الأكل والشرب، وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم ولم يأخذوا من الدنيا إلا البلاغ ، فقد تأسست دولة الإسلام وفتحت فارس وبلاد الروم والشام ، ونقلت إلى عاصمة الإسلام – المدينة المنورة – كنوزُ كسرى وقيصر، وانصبت عليها خيرات المملكتين العظيمتين، وانهال على رجالها من أموال هاتين الدولتين وزخارفها، ما لم يتوقعوه ، وقد انقضى على إسلامهم ربع قرن وهم في شدة وجهد من العيش، وفي خشونة المطعم ، وخشونة الملبس، لا يجدون من الطعام إلا ما يقيم صلبهم، ولا من اللباس إلا ما يقيهم من البرد والحر، فإذا بهم يتحكمون في أموال الأباطرة والأكاسرة، ولو أرادوا أن يلبسوا تاج كسرى ويناموا على بساط قيصر لفعلوا ، لكنهم آمنوا بقوله تعالى : ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ﴾ القصص 83. وما نسوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته : ( فو الله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ) البخاري ومسلم . وقد هتفوا قائلين: ” اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة ” بهذا حافظوا على روح الدعوة الإسلامية ، وسيرة الأنبياء والمرسلين ، وكان شعار الدولة الإسلامية الأولى الهداية والدعوة إلى منهج الله ، وخدمة الناس وهكذا انتشر الإسلام وانتشرت الأخلاق الفاضلة ، في عقود من السنين ، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ثم أتى على المسلمين حين من الدهر ، نسوا أن الحكومة في الإسلام ، لم تكن إلا جائزة الدعوة والجهاد في سبيلها، ولولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى الله، لما دانت الدنيا للعرب وعندما أهملوا الدعوة إلى الله ، وعطلوا منهج الله وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، ورجعوا يحتكمون إلى القوانين الفاسدة في مراكز الإسلام وبالفوضى الدينية، كانت داهية عظيمة وفتنة كبيرة ، على رجال الإصلاح والدعوة في الأقطار الإسلامية .
إن العالم الإسلامي بحاجة ماسة إلى حكومة تمثله تمثيلا صحيحا ، تقوم على أساس منهج الله ، شعارها الهداية والإصلاح والكفاح ، وإيثار الأرواح على الأرباح ، وكسب الرجال على كسب الأموال، وبعد أن جربت الإنسانية اليوم حكومات الجباية على اختلاف أنواعها وأسمائها – من ديمقراطية، ورأسمالية واشتراكية وشيوعية – فلم تر منها إلا الشر والمر ، لأنها نظم تساعد في إفساد المسلمين ، وإبعادهم عن دينهم ، وتوهين الروابط التي تصلهم به ، وخلق أجيال فارغة من عقائد الإسلام وتعاليمه ، وتبني رجالاً يزورون تاريخ الإسلام ، ويجعلون أمتهم دون ماضٍ تستند إليه ، أو تراثٍ تعتمد إليه ، وتشجيع الإسلاميين الذين تكمن في دمائهم جرائم البدع المفسدة ، والمفكرين الذين يلمزون الإسلام ، ويغمزون أصوله وفروعه ، ودفع العلمانيين إلى صدارة المجتمع ، ووضع مقاليد الأمور في أيديهم ، وتدويخ المسلمين المخلصين وإقامة السدود في وجوههم ، وإبعادهم عن مراكز القيادة والتمكين ﴿ ويمكرون ويمكر الله ﴾ وسيبطل الله مكرهم إن شاء إنه على ذلك قدير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *