التوبة : رجوعٌ إلى الله بسبب المعاصي والذنوب أو المخالفات والتقصيرات ، وقد أمر الله بها وندب إليها فقال تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ النور 31 ، والتائب من المحبوبين عند الله قال تعالى : ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾البقرة 222 ومن لم يتب فهو من الظالمين قال تعالى : ﴿ بئس لاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾الحجرات 11،ومن تاب يفرح به النبي صلى الله عليه وسلم ، ويفرح به الله تعالى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لله اشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه ، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته فينما هو كذلك ، إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ) رواه مسلم وهو متفق عليه ، وإطلاق الفرح في حق الله مجازُ عن رضاه ، وقد شُرعت التوبة ، وقايةً للمجتمع من الأذى والشرِّ ، فلو كان الذنب الواحد يُخَلِّدُ في النار ، ولا توبة بعده لتجبر العصاة وازدادوا شرّا ولأُصيب المجتمع كله بشرورهم ولا يئس الناس من آخرتهم ، لذا جاءت الدعوة من الله ، ألاّ نيأس من رحمته فقال سبحانه : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم ﴾ الزمر 53 . لذا شرع الله لنا التوبة ، ليرحمنا من الأذى والمعصية . قال تعالى :﴿إنما التوبة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ﴾ النساء 17. والسوء : هو الأمر المنهي عنه من الله ، وأما الجهالة فقد أجمَع أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم كما روى عن قتادة : على أن كل شيء عُصي الله به فهو جهالة ، عمداً كان أو غيره والتوبة: تشمل كل أنواع السوء والمعاصي وكل من عصى ربه فهو جاهل ، حتى ينزع من معصيته ويندم ، ويُعذِّب نفسه ، أما من يخطط لفعل المنكر ، وارتكاب الفحشاء ويصرُّ على السوء ، ويتفاخر ولا يندم على ما فعل ، فهذا لا يغفر الله له ، إن استمر على حاله حتى شارف على الموت ، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله :(إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر )رواه أحمد والترمذي، وفي هذا يقول الله سبحانه : ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت فال إني تبت الآن ﴾النساء 18، وعلى المسلم أن يجتنب التسويف في التوبة ، ففي الخبر: ( هلك المسوفون ) وإذا كانت التوبة واجبة ، كان ما لا يتوصل إليها إلا به واجباً ، ومعرفة الذنوب واجبة والذنب : عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل ، والذنوب صغائر وكبائر ، بدليل قوله تعالى : ﴿ إن تتجنبوا كبائر ما تنهون عنه نُكَفِّر عنكم سيئاتكم ﴾النساء 31 وقوله تعالى :﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾النجم 23 ، ولا يجوز للإنسان أن يتجاوز عن أخطائه ، ويقول: هذه صغيرة وتلك صغيرة ، لأن الصغيرة بالإصرار والمواظبة تكبر ، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ) أخرجه الطبراني ورواه البيهقي ، وحين ننظر إلى قوله تعالى : ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ آل عمران 135 . نجد أن الذي فعل الفاحشة ، ظالم لنفسه ، لأنه حقق لنفسه شهوة عارضة وأبقى على نفسه عذاباً خالدا ، أما لماذا لم يقل الله الذين ظلموا أنفسهم فقط ؟ والعطف بأو لا بالواو ، ذلك لأن الله يريد أن يوضِّح لنا الاختلاف ، بين فعل الفاحشة وظلم النفس فالذي يفعل الفاحشة ، إنما يحقق لنفسه شهوة ولو عاجلة ، لكن الذي يظلم نفسه يذنب الذنب ، ولا يعود عليه شيء من النفع ، فالذي يشهد الزور مثلاً ، لا يحقق لنفسه النفع ، لأن النفع يعود للمشهود له زورا ، وشاهد الزور هنا ظلم نفسه ، لأنه لبى حاجة عاجلة لغيره ، ولم ينقذ نفسه من عذاب الآخرة ، أما الإنسان الذي يرتكب الفاحشة ، فقد أخذ متعته في الدنيا ، وبعد ذلك ينال العقاب في الآخرة ، والظالم لنفسه لا يفيد نفسه ، كمن باع دينه بدنيا غيره . وأما قول الله تعالى :﴿ فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ معنى الذنب هنا كما قال الشعراوي : هو المخالفة لتوجيه المنهج جاء الأمر من المنهج ، ولم ينفذ الأمر ، ذلك تقنين السماء ، أما في مجال التقنين البشري فنقول : لا تجريم إلا بنص ، ولا عقوبة إلا بتجريم ، وهذا يعني ضرورة إيضاح ما يعتبر جريمة ، حتى يمكن أن يحدث العقاب عليها ولا تكون هناك جريمة ، إلا بنص عليها ، أي يتم النص على الجريمة ، قبل أن ينص على العقوبة ، فما بالنا إذا كان المنهج من عند الله ؟ إنه يعرِّفنا الذنوب أولاً ، وبعد ذلك يحدد العقوبات التي يستحقها مرتكب الذنب ومن هنا كان قوله تعالى : ﴿ ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ آل عمران 135 ، فالاستغفار إذن ليس أن تردف الذنب بقولك : أستغفر الله فقط ، روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله ًصلى الله عليه وسلم وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبَّر ، فلما فرغ من صلاته ، قال له علي رضي الله عنه : يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك هذه تحتاج إلى التوبة فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة ؟ قال : هي اسمٌ يقع على ستة معانٍ : على الماضي من الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم ، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية ، وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية , والبكاء بدل كل ضحكٍ ضحكته “، إذن على الإنسان أن يردف الذنب بقوله : استغفر الله ، وأن يصرّ على ألا يفعل الذنب أبدا ، وليس معنى هذا ألا يقع الذنب مرَّةً أخرى ، فالذنب قد يقع من الإنسان ، ولكن ساعة أن يستغفر ، يصرُّ على عدم العودة ، وبشرط ألا يكون بنيةٍ مسبقة ، كأن يقول الإنسان ، سأرتكب الذنب وأستغفر لنفسي بعد ذلك ، فهذا كالمستهزئ بربه ، وهذا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (التائب من الذنب وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربه ) أما هل يعود إثم الذنب الذي تاب منه ثم عاد إليه ؟ قيل يعود إليه إثم الذنب الأول لفساد التوبة وبطلانها بالمعاودة ، لأن التوبة من الذنب بمنـزلة الإسلام من الكفر ، فالكافر إذا أسلم ، هدم إسلامه ما قبله من الإثم وتوابعه ، فإذا ارتد ، عاد إليه الإثم الأول مع إثم الردة . كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أحسن في الإسلام أُخذ بالأول والآخر) .
قد يسأل سائل : إذا حيل بين العاصي وأسباب المعصية ، وعجز عن المعصية ، فهل تصح توبته ؟ فقد قيل لا تصح توبته ، لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك . وقد سميت بتوبة المفاليس وأما حقوق الناس فإن التائب يغفر له ، إما بأدائه أو الاستحلال بعد الإعلام ، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من كان لأخيه عنده مظلمة ، من مال أو عرض فليتحلله اليوم ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إلا الحسنات والسيئات ) . وأن يبدأ قبل كل شيء ، بتأدية حقوق الناس ، ورد ظلامتهم ، فإن اغتصب رد ما اغتصبه ، وإن أساء طلب السماحة . والتوبة : تكون إما عن الكبائر كلها أو عن بعضها بخلاف الصغائر، لأنها أقرب إلى تطرق العفو إليها ، أما من تعذَّرَ عليه أداء الحق المترتب عليه ، فإن كان في حق الله كمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر، فتوبته بالندم ، والاشتغال بأداء الفرائض المستأنفة وقضاء الفرائض المتروكة .
أما حقوق العباد : فإن كانت أموالاً ، ردها إلى أصحابها ، فإن تعذَّر ذلك ، تصدق بتلك الأموال عن أصحابها ، ويوم الحساب يُخيَّرُ بين أن تكون له أجورها ، أو يأخذ من حسنات التائب بقدر أمواله . لما روى عن ابن مسعود أنه اشترى من رجل جاريه ودخل يزن له الثمن ، فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عودته ، فتصدق بالثمن وقال : “اللهم هذا عن رب الجارية فإن رضي فالأجر له ، وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره” .
وأما توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذَّر عليه تمييزه ، فإنه يتصدَّقُ بقدر الحرام ويُطَيِبُ باقي ماله . وقد اتفق الجمهور ، على أن التوبة ، تأتي على كل ذنب ، لحديث رسول الله صلى الله علي وسلم فيما يرويه عن ربه : ( ابن آدم لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة ) ، أما هل تصح توبة العاجز عن اقتراف الذنب ؟ لا تصح ، لأن التوبة عبارة عن ندم ، يبعثُ العزم على الترك ، فيما يقدر على فعله ، لأن مالا يقدر على فعله انعدم بنفسه لا بتركه إياه .
وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ حكى النووي الإجماع على صحة ذلك لأن التوبة من الله سبحانه ، هي فتح المجال لرجوع الإنسان الذي انحرف ، والله حين شرع التوبة ، وفتح باباً لها ، إنما يريد أن يجعل للإنسان العذر في الغفلة أو النسيان أو الضعف ، الذي قد يصيب النفس الإنسانية فتعصي ، ولكن ذلك لا يعني أن يتمادى الإنسان في المعصية ، لأن صحة التوبة متوقفة على العزم على الفرار إلى الله والرجوع إليه وهنا سؤال : هل يصح أن تتبعض التوبة كالمعصية ، فيكون تائباً من وجه دون وجه كالإيمان والإسلام ؟ الراجع صحة ذلك كما لو أتى الإنسان بفرض ، وترك فرضاً آخر ، فإنه يستحق العقوبة على ما تَرَكَه دون ما فَعَلَه ، فكذلك إذا تاب من ذنب وأصر على الآخر ، فقد أدى أحد الفرضين وترك الآخر ، فإن ما تَرَكَ لا يكون موجباً لبطلان ما فعل ، كمن تَرَكَ الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة .
ذكر ابن القيم في مدارج السالكين : بأن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه ، أما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا صلة له به ، ولا هو من نوعه فذلك صحيح ،كمن تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر .
وهل يشترط في صحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أم ليس ذلك بشرط ؟ ذهب أكثر العلماء إلى: أن ذلك ليس بشرط ، لأن صحة التوبة ،تتوقف على الإقلاع عن الذنب والندم عليه ، والعزم الجازم على ترك معاودته ، وباب التوبة مفتوح في كل لحظه فإذا ما اخطأ العبد فإن رحمة الله ، تمنحه البر والعافية والمغفِرةَ قال تعالى : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفرُ الذنوب جميعا . إنه هو الغفورٌ الرحيم ﴾ الزمر 53 . فليتوجه الإنسان المخطئ إلى ربه ، حتى يفتح له بابه ويتقبله بين عباده ، ويمنحه رحمته وعفوه ، وليطرق بابه كل مُسيء ، وألا يقنط وييأس من روح الله . قال تعالى:﴿ ولا تيأسوا من روح الله . إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ يوسف 87 ، ويذهب الإسلام في هذا مذهباً بعيدا ، حتى ليحسبه الجاهل عند النظرة السريعة ،يُزَيِّنُ للناس الخطيئة ، ليتوبوا منها قال ًصلى الله عليه وسلم:(كلُّ بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ، وقال : (والذي نفسي بيده لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون ويستغفرون فيغفر لهم )رواه مسلم . إنه لا يُزَيِّنُ الخطيئة هنا ، ولكن يُيَسِّرُ التوبة التي حض عليها بقوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحا ﴾ التحريم 8 .
مفهوم الــــتـوبـــة
