مفهوم المكر


المكر : هو التدبير بالخفاء لإيقاع الضرر بالآخر كما قال تعالى: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ الأنفال 30 ، وهو خلق الكفار جميعا يخططون بالخفاء لإيذاء رسل الله وأتباعهم، والله يحبط خططهم في الدنيا ويعذبهم بها في الآخرة، فلا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. والمكر السيئ عاقبته على صاحبه دائماً ﴿ ولن تجد لسنة الله تحويلا ﴾ فاطر 43 . والله يحبط المكر ويحفظ عباده منه قال تعالى ﴿ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ الأنفال 30 كلمة ويمكرون ، يندرج تحتها كل ما يرتكب من جرائم ومكائد ومؤامرات وتزوير وتشويه وخيانات ونفاق وكذب ، في المقابل : ﴿ ويمكر الله والله خير الماكرين ﴾ فالله عز وجل يقابل مكرهم بمكره قال تعالى : ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾آل عمران 54 . فالله يصرف كيد الظالمين القتلة ، بحكمة أمره وتدبيره بمكره المحمود ، لإحقاق الحق وسحق الظلم ونصرة المستضعفين ، وإقامة العدل وإبقاء كلمة الإيمان عالية خفاقة ، أما هذا المكر الذي نُسب إلى الله ليس مكراً ، فالله لا يمكر وليس من أسمائه أنه ماكر , لكنه كما يقول علماء البلاغة مكر مشاكلة، والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله ، وإذا كان الذي يواجه المكر هو تدبير الله ، فأين هم من الله ؟ وأين مكرهم من تدبير الله ؟ قال تعالى :﴿ وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ﴾ الزمر 67 . فهو سبحانه له مَكره ، وعلي كلّ مظلوم ٍأن يُوقِن بذلك الوعد من ربه ، وأنَّ له ناصرا ، يقول الإمام حقي في تفسيره للآية السابقة : ” للخلق مكر وللحقّ مكر ، فمكر الخلق من الحيرة والعجز ومكر الخالق من الحكمة والقدرة ، فمكر الخلق مع مكر الحقّ باطل زاهق ، ومكر الحق حق ثابت ، وذلك مهما كان سوء وشدة وإحكام مكر الماكرين ﴿ وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ ابراهيم 46 . فما يتسرب الإحباط إلا إلى نفس من لم يفهم المعركة على حقيقتها، لإن المعركة ليست حرباً بين المسلمين والكافرين، أو بين الظلمة والمظلومين ، وإن كان ظاهرها كذلك.. إنما هي في حقيقتها حرب بين الله ، وبين من عطل منهج الله ، وكفر بعبادته وارتضى غيره حكماً ، وقَبِلَ غير كتابه شرعاً ، ومن رحمة الله بالمؤمنين ومن كرمه عليهم، منّ عليهم بأن جعلهم جنده وحزبه وأولياءه ، فالمؤمنون يقفون أمام الكافرين، ملتزمين بمنهج ربهم يفعلون ما يأمرهم ، واثقين بوعده، راغبين في جنته، راهبين لناره، مخلصين له، معتمدين عليه، لاجئين إليه.. إن فعلوا ذلك ،كان الله المدافع عنهم ، الحامي لهم المؤيد لقوتهم، الناصر لجيشهم، الناشر لفكرتهم المنتقم من عدوهم ، وقد جاءت الآيات تؤيد هذه الحقيقة قال تعالى : ﴿ إن الله يدافع عن الذين آمنوا ﴾ الحج 38 قال تعالى : ﴿ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ﴾ الأنفال 17 وقال تعالى : ﴿ إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً ﴾ وقال تعالى : ﴿ ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فأنظر كيف كان عاقبة مكرهم، أنّا دمرناهم وقومهم أجمعين ﴾ النمل 50 . أما آن للمتآمرين ، الذين يعلمون لمن يعملون؟! وإلى أي ركن يأوون؟! أما علموا أنهم غير بعيدين عن عينه سبحانه ﴿ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة أو في السماوات أو الأرض يأتي بها الله ، إن الله لطيف خبير ﴾ لقمان . فمن كان مع الله كان الأقوى ، فإما أن ينصره ، أو يضعف خصمه ، أو يوهم خصمه أنه الأقوى ، وإذا كان الله مع العبد فمن عليه ؟ وإذا كان عليه فمن معه ؟ قال تعالى : ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ ولقد أحسن القائل :
كن مـع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمـعك
وإذا أعطاك من يمنــعه ثم من يعطـي إذا ما منعك
فالله عز وجل لا يمكر ولا يكيد ، إلا للرد على كيد الكائدين، أي يدبر تدبيراً حكيماً، يقمعهم، وينتقم منهم، ويكف أذاهم عن المؤمنين ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ الأنفال 30 ..قد يقول قائل لماذا يُعذب المسلمون ؟ ولماذا تُحتل أراضيهم ؟ ولماذا تُنهب ثرواتهم ؟ ولماذا يقتل أبناءهم ؟ والله تعالى يقول : ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ما تفيده هذه الآية، يا محمد ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم، فهم في مأمن من عذاب الله، أي فمستحيل، وألف ألف مستحيل أن نُعذَّب ونحن نُطبق منهج الله وسنة رسول الله، مستحيل !. لأن قوله ﴿ وما كان الله ﴾ هي من أشد أنواع النفي في اللغة، وهذا اسمه نفي الشأن، قل لواحد: هل أنت جائع ؟ يقول لك: لا، قل له: هل أنت سارق ؟ هذا وضع ثان، ليس معقولاً أن يقول لك: لا، يقول لك: ما كان لي أن أسرق، بعض النحاة عدوا أكثر من عشرين فعلاً ينفي بهذه الصيغة لا أسرق، ولا أرغب ولا أتمنى، ولا أقبل، ولا أبارك، ولا أرضى مستحيل ! أما أن يقول ، ما كان لي أن أسرق، هذا أشد أنواع النفي، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾ أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُعَّذبَ المسلمون ومنهج الله مطبق في حياتهم ، انظر إلى المساجد ترى إقامة الشعائر الدينية ، أما في الأسواق فإنا قلما نرى تطبيقاً لمنهج الله ، أيمان كاذبة ، بضاعة محرمة ، آثام ومعاص ، مواد محرمة تعامل بالربا ، فكيف يأمنوا من مكر الله والله يقول : ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ هذا تحذير للعباد من الأمن من مكر الله ، بالإقامة على المعاصي والتهاون بحقه، والمراد من مكر الله بهم كونه يملي لهم ويزيدهم من النعم والخيرات كما قال سبحانه:﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
فالواجب على المسلمين ألا يأمنوا من مكر الله وعقوبته، كما أن من واجبهم ألا يقنطوا من رحمة الله بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره فيخافه ويخشى عقابه ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه فيحسن به الظن ويرجو كرمه وعفوه،
كثيرٌ من الناس يعيش في هذه الدنيا بالمكر، فتجده يتعامل مع زوجته بالمكر، مع أبيه بالمكر، مع مديره وزميله في العمل بالمكر، مع جاره ومن حوله بالمكر.. فيظن أنه يستطيع أن يمكر بالله! ورحم الله ابن الجوزي حين قال :” تصر على المعاصي وتصانع ببعض الطاعات. والله إن هذا لمكر” فترى من يأكل الحرام ويتعامل بالربا ، ومع ذلك يصلي ويتصدق ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ﴾ قال السعدي في تفسيره : ” .. فعادَ مكرهم في نحورهم ، وَرَدَ الله كيدهم في صدورهم ، فلم يَبقَ لهم إلا انتظار ما يحِلّ بهم من العذاب الذي هو سُنّة الله في الأولين التي لا تُبَدَّل ولا تُغيَّر ، أنَّ كلّ مَن سارَ في الظلم والعناد والاستكبار علي العباد أن يحلّ به نقمته وتسلب عنه نعمته ، فليرتقب هؤلاء ما فعل بأولئك “ فكن يا أخي المسلم ، يَقِظا ًمُتفتحا ، مُستنيرا مُستبشرا ولتكن مِمَّن يكشفون المكر والماكرين والظلم والظالمين والفساد والمفسدين ، ولتكن ممن ينتظر بعد ذلك عون الله ونصره ، ولتستبشر بسرعة مكره بهم ، إن لم ينتهوا عن مكرهم ويعودوا للخير ، لأنه يتوعدهم حينذاك بقوله : ﴿ إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ﴾ النور 19 وهو تعالي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء : ﴿ فما هم بمعجزين ﴾ النحل 46 وما ينفقونه من جهود وأموال وأفكار سيعود وباله عليهم حسرة وخسرانا وانهزاما ﴿ فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلبون ﴾ الأنفال 36 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *