تتوالى الأنباء في كل يوم عن تعزيز الهجمة على المسلمين في إصرار على التصدي للإسلام وأهله ، ومن أجل ذلك أمر الله بقتالهم فقال سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ التحريم . وشدد النكير على الذين يتولونهم وحذر من ذلك بقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَهُ منْهُمْ ﴾ .
والدارس للتاريخ الإسلامي يلمس أن محاولات التصدي للنيل من الإسلام والمسلمين بدأت منذ بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم وقد بُذلت في سبيل ذلك جهوداً كبيرة لرد أصحاب هذه المحاولات على أعقابهم ، فكانت بدر وأحد والخندق والحديبية وفتح مكة وحنين، ومن بعدها اليرموك والقادسية وعين جالوت وحطين وغزوات ومعارك كثيرة انتصر المسلمون في معظمها، وما زلنا نلمس هذه المحاولات التي لم تقتصر على الكيد السياسي والعسكري بل تعدى ذلك إلى الكيد الفكري والثقافي والاجتماعي والتعليمي ، بل إنه شمل كل نواحي الحياة ، وقد تكون لذلك حكمة يعلمها الله ، ويدرك بعض أبعادها الراسخون في السياسة وفقه التصدي لهجمات الكفار يقول ابن القيم رحمه الله : إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم ، وكسرهم لهم أحيانا ، فيه حكمة عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل، فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله ، وانكسارهم له وافتقارهم إليه ، وسؤاله نصرهم على أعدائهم ، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين؛ لبطروا وأشروا ولو كانوا دائما مقهورين مغلوبين منصورا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة ، ولا كانت للحق دولة ومنها : أنهم لو كانوا دائما منصورين غالبين، قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول؛ فإنه إنما ينضاف إلى من له الغلبة والعزة ، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائما لم يدخل معهم أحد .
ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم ، ويفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها بعد الجهاد والابتلاء والصبر .
إن المسلمين اليوم يعانون من شدة هجوم الكافرين عليهم ويعانون من آثار ذلك على دينهم ودنياهم وآخرتهم .
فاتقوا الله ربكم وتيقظوا لما يريده أعداء المسلمين من القضاء على الإسلام والمسلمين بكل وسيلة ، وما يدبرون من مكايد : ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ﴾ .
لقد تنوعت أساليب أعداء المسلمين في محاولة القضاء على ديننا بكل وسيلة ، فغزوا المسلمين بالسلاح العسكري فأعلنوا الحرب باستعمال أقوى الأسلحة ، وغزوا المسلمين بالسلاح الفكري ؛ لإفساد عقيدتهم وأفكارهم وذلك بالتشكيك في دينهم وزعزعة العقيدة في قلوبهم وقد أخبر الله عن ذلك بقوله : ﴿ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء ﴾ وقال : ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .
وإذا لم يقتنع المسلم بما هم عليه من الكفر والضلال اقتنعوا منه بالشك والارتياب في دينه ، وفي ذلك خروجه من الدين ؛ فإن الشك في الدين كفر ، ولقد صرح – بعض هؤلاء – الأعداء بذلك ؛ فقالوا : إننا نستبعد من المسلم أن يدخل في ديننا ، ولكن يكفينا أن يشك في دينه ثم يخرج منه إلى أي دين شاء ؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن عز الإسلام هو ذلهم والقضاء عليهم ، وأن انتصار الإسلام يعني خذلانهم وأن قيام دولته يعني سقوط دولهم ، وقد غزونا بالسلاح الخلقي ؛ فنشروا بين المسلمين ما يفسد أخلاقهم ، بنشر الرذيلة وما يثير الغرائز والشهوات إما بالأغاني الخليعة ، وإما بالصور الفاتنة حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته ، فيتحلل من كل خلق فاضل وينـزل إلى مستوى البهائم ، وحتى لا يكون له هم سواء إشباع غريزته من حلال أو حرام ، وبذلك ينسى دينه ، وينطلق مع شهواته ولذاته إلى غير حدود شرعية وغزونا المسلمين بالسلاح العاطفي ، فيتظاهرون بمحبة المسلمين والعطف عليهم ومراعاة مصالحهم ؛ حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين وتنـزع من قلوب المؤمنين العاطفة الدينية فيميلون إلى هؤلاء الأعداء بالمودة والإخاء والقرب والولاء ، وينسون قول ربهم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ ﴾ .
أيها المسلمون : أنه يجب علينا مع هذه التوجيهات الإلهية الصادرة عن علم وحكمة ورحمة ، ألا نتجاهل دليلاً واقعيًا يوجب علينا الحذر من أعدائنا ومن موالاتهم فإن أعدائنا لن ينسوا أن الإسلام هو الذي أسقط دولهم وأزال سلطانهم وأجتاح بلادهم ، ولن يهدأ لهم بال حتى يأخذوا بالثأر منه بشتى الوسائل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .
أيها المسلمون : إن أعداء الإسلام لا ينحصرون في طائفة معينة ولا حزب معين إن الكافرين كلهم أعداء الإسلام وهم أولياء بعض قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ . فملة الكفر واحدة ، وكلهم يوالي بعضهم بعضا ، تشابهت قلوبهم واختلفت عبارتهم وأساليبهم ، وحتى المحاكم الدولية التي أسسوها لا حظ للمسلمين في عدالتها فهناك قرارات دولية لمعاقبة الذين اشتركوا في ما يسمى بالهولوكوست ، بينما الجرائم التي ترتكب ضد المسلمين تمر في الإعلام العالمي مرور الكرام ، فهذه إسرائيل ترتكب المجازر ضد الشعب الفلسطيني، وما زالت سجونها تمتلئ بهم على سمع هذه المحاكم ، كما لم تحرك ساكناً لما يجري في الشيشان وكشمير والفلبين والصين وأفغانستان والعراق وقد اعترف خبير في معهد الدراسات الإستراتيجية في لندن بأن الجزء الأكبر من الحروب التي يخوضها الغرب بشكل مباشر أو غير مباشر ، هي موجهة ضد خصوم محسوبين على المعسكر الإسلامي، ويضيف أن الحرب المستمرة في جنوب السودان لا تستهدف سوى تقسيمه وإقامة دولة مسيحية وثنية في جنوبه ، تكون حاجزاً أمام المد الإسلامي نحو وسط أفريقيا ، كما أن النجاح في فصل تيمور الشرقية عن أندونيسيا يشكل خطوة أولى لإضعاف أكبر بلد إسلامي من حيث تعداد السكان .
إن علينا أن ننتبه ، وأن نحذر وأن نعتبر بالأحداث ، وأن نكون أقوياء ، لأن أعداء الإسلام اليوم ما هم إلا امتداد لأعداء الإسلام منذ بزوغ فجره ، وهؤلاء لم تزدهم الأيام إلا قسوة في قلوبهم ، وهم يريدون الخلاص من الإسلام ومحاولاتهم لهدم أركان الإسلام لا تنتهي ، وإن علينا أن نلمس هذه الحقيقة ، حتى نعمل على إيقافهم ، وإلا فإن الله سيستبدلنا بقومٍ غيرنا ، ولا يكونوا أمثالنا قال تعالى : ﴿ وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ محمد 38 .
