السنة لغة : الطريقة أو السيرة، حسنة أو سيئة .
وفي الاصطلاح : عند المحدثين : ما أثر عن النبي صلى الله غليه وسلم قول أو فعل أو إقرار أو صفة خلقية أو سيرة قبل البعثة أو بعدها . وعند الفقهاء : الصفة الشرعية للعقل المطلوب طلباً غير جازم، بحيث يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه . وبما أن السنة في المصطلح تعني الحديث ، وكلاهما وحي إلهي والوحي يشمل القرآن ، ويشمل ما ثبت من السنة النبوية الصحيحة ، لتواتر الأدلة الدالة على هذا فيكون الحديث إذا صح وثبت عن النبي g فهو حجة ودليل ، وهو المصدر الثاني للتشريع ، يجب الأخذ به قال تعالى : ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ كلام عام لكل زمان ومكان و (ما) هي من صيغ العموم والشمول وتعني : كل ما آتاكم ويستدل بهذه الآية على حجية السنة النبوية المطهرة.
ومنكري السنة : هم طائفة من الناس تنادي بعدم الاحتجاج بالسنة ، وهم أصلاً من علماء الهند وكانوا إحدى حركتين منهما القاديانية التي نشأت سنة 1900م بتخطيط من الاستعمار الإنجليزي بقاديان ، إحدى قرى البنجاب الهندية ومؤسسها ميرزا غلام أحمد ، بهدف إبعاد المسلمين عن دينهم وعن فريضة الجهاد بشكل خاص، حتى لا يواجهوا المستعمر باسم الإسلام، رأى فيهما المشروع الإنجليزي في الهند ، نوعاً جديداً من مناوأة الإسلام باستدراج عدد من الدعاة، وضمهم إلى صفوفه السياسية ، مع كثير من القساوسة المنصرين لتحريف الإسلام ، وذلك بالدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن ويطلق عليهم اسم (القرآنيون) أو (منكري السنة) والثانية : أثارها عبد الله الجكر الوي البنجابي علماً بأنه قد غرس بذرتها قبله بكثير طائفة الطبيعيين أما عبد الله الجكر ، فإنه قد سقى تلك الشجرة الملعونة فنمت وازدهرت ، ولم تكن طائفة الطبيعيين تبدي هذه العقيدة ، لكن عبدالله الجكر أظهر خرافاته ومعتقداته الباطلة دون احتشام واستحياء واتخذ لها أسلوباً فيه شيء كثير من الإلحاد والكفر والزندقة فلذلك كله نسبت إليه فتنة إنكار الحديث ونحن بحاجة إلى كشف شبهات منكري الحديث وما يتشبثون به من أباطيل ، حتى لا يغتر بهم أحد خصوصا وأنهم يسمون أنفسهم بالقرآنيين ، وهي كلمة حق لمن عمل بمقتضاها ، لكنهم أرادوا بها الباطل ، فلو كانوا قرآنيين ، لما تعاموا عن الآيات التي توجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويمكن التأريخ لنشأة فرقة منكري السنة ، بظهور فرق الشيعة وموقفهم العدائي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتيجة للشبهات التي خلفها الشيعة والخوارج والمعتزلة وجد في الأمة من يدعو إلى إلغاء السنة بالكلية، أو قبول بعضها ورفض بعضها، وعدم الاعتداد بها في مصدرية التشريع لأحكام الإسلام ، وقد أفاد الإمام الشافعي ، بأنه وجد في زمانه من كان ينكر الحجة بالسنة كلها، ويقول بالاعتماد على القرآن وحده ولكنهم أصبحوا بعد ذلك في ذمة التاريخ، لمدة اثني عشر قرناً من الزمان على وجه التقريب، يقول أبو الأعلى المودودي: ما إن حل القرن الثالث عشر الهجري، حتى دبت الحياة في هذه الفتنة من جديد فكانت ولادتها في العراق وترعرعت في الهند وليس غريباً فقد جاء في القرآن والسنة ما يشير إلى منكري السنة النبوية وأنهم سَيَلُفُّون باطلهم بثوب من القرآن الكريم ، ليُضلوا أتباعهم قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولِتَصْغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ولَيرْضَوه ولَيَقْتَرِفوا ما هم مقترفون ﴾ الأنعام 112 . في الآيات ما يدل على أن هناك شياطين من الإنس والجن ، يتعاونون في إلباس الباطل ثوب الحق مزوقاً يزخرفون القول ويتظاهرون بالعلم ، ويدّعون أنهم على الحق ويحاولون الأخذ بيد الناس إلى ما هم عليه من الضلال ، إلا أن باطلهم هذا لا يقبله إلا أمثالهم من أصحاب القلوب المريضة ، ولذا فإن في الآية تحذير لكل مسلم من دعوة الضلال ، ومن فكر الأبالسة الذين يزينون القول ، وعلى المسلم أن يحذر المفسدين وقد حذرنا الله منهم فقال : ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾ البقرة 12. رفضوا أن يكون الإفساد صفة لهم ، فأثبته الله عليهم ! ووصفوا الصالحين بالسفه ، فسجل الله السفه وصفاً لهم في آية أخرى يقول الله تعالى : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ الأنعام 121 .
فأتباع الشياطين تلقنهم شياطينهم الكثير من الأباطيل يجادلون ، ويُلبسون الباطل ثوب الحق في إشهاره ومن اتبع هؤلاء الضُّلاَّل فقد أشرك ؛ فإن الحكم والأمر والنهي إنما هو لله وحده ، ومن اتبع غير حكم الله فقد أشرك .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن منكري السنة ، وأنهم سيظهرون ، وحذر منهم : فعن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) .
وعن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته ، فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه ، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه ، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ) فمن أنكر أي حديث متواتر يكفر ، لأنه ثبت بطريق جماعي ، يستحيل فيه وقوع الكذب ومن أنكر حديثا صحيحا ظنيا ، وهو ما ثبت بطريق الآحاد ، فانه يكون عاصيا وفاسقا وضالا ، وقد تكلم السلف عن منكري السنة ، وأبانوا أنهم ضلال وأنهم ليسوا على ملة الإسلام ، لأنهم سيتركون الكثير من الدين ، وسيعجزون عن امتثال أمر الله وسيهجرون الكثير مما هو معلوم من الدين بالضرورة
وتعجبوا منهم : كيف لا يقبلون بيان القرآن من رسول الله سلى الله عليه وسلم ، ويقبلون بيانه من عند أنفسهم . يقول أيوب السختياني : ( إذا حدّثت الرجل بالسُّنَّة فقال : دعنا من هذا ، وحدثنا من القرآن فاعلم أنه ضال مضل ) . وقال ابن حزم : ( ولو أن امرأ قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن ، لكان كافراً بإجماع الأمة ) . ومن ينكرون السنة ، ليسوا من علماء الإسلام ، ويبدو أنهم يُختارون بعناية بحيث تتوافر فيهم صفات ، تُعَمِّي على المسلم الذي لا يعرفهم ؛ فهذا ابن شيخ كبير ، وآخر شقيق داعية فاضل ! ويحملون ألقاباً تتفق مع ألقاب العلماء فيكون أحدهم حاصلاً على دكتوراه في علم غير علوم الإسلام ، أو يحمل لقب أستاذ ، مما يجعل بعض الناس يظن أنه يحمل الدكتوراه أو الأستاذية في علوم الإسلام . فكيف يقبل قول قسيس في القرآن والسنة ؟ وكيف يُقبَل كلام مهندس لا يحفظ القرآن الكريم ؟ وكيف يقبل كلام رجل أمضى عمره في خدمة القوانين ، ولست أدري كيف يتكلم هؤلاء في دين الله ؟ ويعيبوا الأئمة الأعلام ، إنه الضلال والبُعد عن الفكر السليم والمنهج القويم وهناك من يكتب ثم يشير إلى نفسه بألقاب لا أصل لها ، يقصد بها التعمية على المسلمين مثل : الكاتب الإسلامي أو المفكر الإسلامي ، وهذه ليست مستنداً يؤهل للكتابة في انتقاد أئمة الإسلام كالإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل ، فيعترض على هذا ويعيب هذا ؟ بل غالى البعض فعاب الأمة وانتقد أهل السنة والجماعة ، ويوهمون القارئ بأنهم سيتبعون الأسلوب العلمي و الفكر الحر و النظر الثاقب و تحرير المسائل إلى غير ذلك من الكلمات البراقة ، التي توهم القارئ أنهم سيحققون في المسائل تحقيقاً لم يسبقهم إليه أحد .
وهناك نوع آخر من التلبيس ؛ يستعمل أصحابه النظريات التي درسوها في كتاباتهم لتكون فوق أسلوب القارئ ، فراحوا يرددون أقوال أعداء الإسلام على أنها طعنات للإسلام عامة ، وللسنة خاصة ، وينسبونها لأنفسهم زوراً ، مع أنها جزء من الحملة المعادية للإسلام .
وفرية إنكار السنة التي يرددها المعاصرون ، لم تتغير منذ زمن الشافعي الذي عاش في القرن الثاني الهجري ومن راجع كتاب الرسالة عرف أن الفرية هي نفسها فقد ظهرت هذه البدعة في ذلك الزمن ، وكانت تدعو إلى الاكتفاء بأحد مصدري التشريع الإسلامي وهو القرآن الكريم ، والاستغناء عن المصدر الثاني وهو السنة النبوية المطهرة ،بحجة أن القرآن الكريم منقول إلينا بالتواتر القطعي الثبوت ، المحفوظ من الله تعالى بينما السنة ظنية الثبوت , ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بها ، وبهذا المنطق الفاسد ، شكك منكرو السنة في علم الحديث برمته ، دراية ورواية, واتهموا الرواة ، وقدحوا في الصحابة الكرام والأئمة الأعلام ، واتهموهم بالكذب و التدليس ومخالفة نصوص القرآن القاطعة الدلالة من وجهة نظرهم !! وانتهى بهم الأمر إلى إنكار كل معلوم بالدين بالضرورة ، والذي اتفق عليه علماء الأمة سلفاً وخلفاً , وافتروا على أئمة الإسلام ، فإذا صوَّر الأئمة إشكالاً وأجابوا عليه ، أخذ هؤلاء الإشكال ورددوه في كتبهم ، وأغفلوا الجواب ، كما تراهم يكذبون في إيراد الحقائق : ذكر أحدهم خبراً نقله من كتاب الإحكام لابن حزم مفاده : أن عمر بن الخطاب حبس ابن مسعود وأبا موسى وأبا الدرداء في المدينة على الإكثار من الحديث ، فابن حزم ذكر الخبر كما ورد في الكتاب (ج 2 ، ص 249 طبعة العاصمة) وحكم عليه بالكذب ، فإذا بهم يستدلون بها بدون تكذيب الرواية ، وهذا يدل على أنهم يتعمدون الكذب في سبيل بلوغ غايتهم ، التي لا يصدّقها إلا من ليست عنده دراية ولا علم بأن القرآن الكريم قد حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ، ونص على بعضها صراحة، وترك بعضها الآخر لرسوله صلى الله عليه وسلم فمنها ما أحكم فرضه بكتابه ، وبين كيف هو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها وغير ذلك من فرائضه التي أنزل من كتابه . وسنتابع بيان دفع شبهات منكري في الأسابيع القادمة إن كان في العمر بقية .
