من أخلاق رجال أهل الجنة الوفاء

قال تعالى : { بلى من اوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} ال عمران . إنها صفة المؤمنين الأخيار الأبرار ، والوفاء : يعني العهد وإكمال الشرط ن وفي الحديث الشريف : (أوفى الله ذمتك) أي أتمها
ولعل اشرف مكانة للوفاء في القرآن الكريم هي أن يصف الله تبارك وتعالى ذاته القدسية بالوفاء فيقول عز من قائل في سورة التوبة : { ومن أوفى بعهده من الله } أنه لا أحد أوفى بعهده ولا اصدق في انجازه وعده من الله ، وقد نوه القرآن المجيد بسمو فضيلة الوفاء حين جعلها صفة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال تعالى في سورة النجم } وإبراهيم الذي وفىّ } والقرآن الكريم يخبرنا أن الوفاء أنواع.. فهناك الوفاء بالعهد ، قال تعالى :{ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } الفتح10، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا دين لمن لا عهد له) رواه احمد. والطبراني .
وهناك نوع من الوفاء هو الوفاء بالوعد قال تعالى :{ انه كان صادق الوعد } وهناك الوفاء بالنذر قال تعالى : { يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا} . وهناك الوفاء بالكيل قال تعالى : { أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين } . وهناك الوفاء بالعقود قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } المائدة .
وإذا انتقلنا إلى السنة المطهرة وجدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمجد فضيلة الوفاء ويرفع قدرها.. فهو يقول (المسلمون على شروطهم ) . وهذا تعبير وجيز بليغ يصور ارتباط المسلمين بعهودهم.. ووقوفهم عند كلمتهم.. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (عدة المؤمن دين والعدة هي الوعد). وقد روى مسلم في صحيحه أن حذيفة بن اليمان كان في مكة عقب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم أراد حذيفة أن يهاجر مع أبيه إلى المدينة فقبض عليهما المشركون وقالوا لهما: إنكما تريدان محمداً فقالا: ما نريد إلا المدينة. ثم أخذ المشركون عليهما العهود والمواثيق حتى لا يقاتلا مع النبي.. وأعطى حذيفة ووالده على ذلك عهد الله وميثاقه ثم هاجرا.. وجاءت غزوة بدر فأرادا أن يشاركا فيها.. وأخبرا النبي بما أعطياه للمشركين من عهد وميثاق.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) ولذلك فان احترام الكلمة والوعد هي من صفة المؤمنين لأن المنافق ليس له كلمة أو وعد يحترمه ومن لا يحترم وعده وكلمته فانه لا يستحق الاحترام ، وما أجمل أن يكون الإنسان صادق الوعد غبر كاذب . أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس وهما يقودان رجلاً من البادية وأوقفوه أمامه ، قال عمر: ما هذا قالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا قتل أبانا قال: أقتلت أباهم ؟ قال: نعم قتلته ! قال : كيف قتلتَه ؟ قال : دخل بجمله في أرضي ، فزجرته ، فلم ينـزجر فأرسلت عليه حجراً ، فوقع على رأسه فمات ، قال عمر : القصاص الإعدام ، قرار لم يكتب ، وحكم سديد لا يحتاج إلى مناقشة ، لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل ، هل هو من قبيلة شريفة ؟ هل هو من أسرة قوية ؟ ما مركزه في المجتمع ؟ كل هذا لا يهم عمر – رضي الله عنه – لأنه لا يحابي أحداً في دين الله ، ولا يجامل أحدا ًعلى حساب شرع الله ولو كان ابنه القاتل ، لاقتص منه قال الرجل : يا أمير المؤمنين : أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض أن تتركني ليلة ، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية فأُخبِرُهم بأنك سوف تقتلني ، ثم أعود إليك ، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا ، قال عمر : من يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليَّ؟ فسكت الناس جميعا ً، إنهم لا يعرفون اسمه ، ولا خيمته ولا داره ولا قبيلته ولا منـزله ، فكيف يكفلونه ، وهي كفالة ليست على ذمة مالية أو أرض ، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف ، ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله ؟ ومن يشفع عنده ؟ومن يمكن أن يُفكر في وساطة لديه ؟ فسكت الصحابة ، وعمر مُتأثر ، لأنه وقع في حيرة ، هل يُقدم على قتل هذا الرجل ، وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة ، فيضيع دم المقتول ، وسكت الناس ، ونكّس عمر رأسه ، والتفت إلى الشابين : أتعفوان عنه ؟ قالا : لا ، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين قال عمر : من يكفل هذا أيها الناس ؟ فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده وصدقه وقال: يا أمير المؤمنين ، أنا أكفله قال عمر : هو قَتْل ، قال : ولو كان قاتلا! قال: أتعرفه ؟ قال: ما أعرفه ، قال : كيف تكفله ؟ قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب ، وسيأتي إن شاء الله قال عمر : يا أبا ذرّ ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك! قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين فذهب الرجل ، وأعطاه عمر ثلاث ليال ٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع أطفاله وأهله ، وينظر في أمرهم بعده ،ثم يأتي ، ليقتص منه لأنه قتل وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد ، وفي العصر نادى في المدينة : الصلاة جامعة ، فجاء الشابان ، واجتمع الناس ، وأتى أبو ذر وجلس أمام عمر قال عمر: أين الرجل ؟ قال : ما أدري يا أمير المؤمنين! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس ، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها ، وسكت الصحابة واجمين عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله . صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر ، ولكن هذه شريعة الله وهذا منهجه ، إنها الأحكام الربانية ، لا مجال أن يلعب بها اللاعبون ، ولا مجال في مناقشة صلاحيتها ، أو تنفيذها بحق أناس دون الآخرين ، وقبل الغروب بلحظات ، وإذا بالرجل يأتي فكبّر عمر وكبّر المسلمون معه ، فقال عمر : أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ، ما شعرنا بك وما عرفنا مكانك !! قال : يا أمير المؤمنين ، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !! ها أنا يا أمير المؤمنين ، تركت أطفالي كفراخ الطير لا ماء ولا شجر في البادية ،وجئتُ لأُقتل ، وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس ، فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر لماذا ضمنته ؟ فقال أبو ذر : خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس ، فوقف عمر وقال للشابين : ماذا تريان ؟ قالا وهما يبكيان : عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه ، وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس ! فقال عمر : الله أكبر ودموعه تسيل على لحيته ، جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما وجزاك الله خيراً يا أبا ذرّ يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته ، ، وجزاك الله خيراً أيها الرجل لصدقك ووفائك ، وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك و رحمتك .
والذي نفسي بيده ، لقد دُفِنت سعادة الإيمان والإسلام في أكفان عمر!!. أرأيتم ما أجمل العفو عند المقدرة ، إنه من أعظم الأخلاق رفعة , وهذه عبادة مهجورة , وهي من صفات الله وأسمائه الحسنى فهو سبحانه العفو القدير , أي يعفو بعد مقدرته على الأخذ بالذنب والعقوبة على المعصية . فالعفو بدون مقدرة قد يكون عجزاً وقهراً , ولكن العفو مع المقدرة والانتقام فلا شك أنه صفة عظيمة لله فيها الكمال , فهو سبحانه يحب العفو , ويحب أن يرى عبده يعفو عن الناس , وقد ربى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك الخلق العظيم فقال الله لرسوله : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الأعراف 199 ويقول سبحانه وتعالى :{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } الشورى 40 .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *