أننا نعيش في زمان كثرت فيه الفتن والبلايا، وعظمت فيه المحن والرزايا، ونطق الرويبضة وقيل للحق باطل وللباطل حقاً وهذا ما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما سيقع في آخر الزمان ؛ كما في الحديث الذي حدث به أنس بن مالك وأبي هريرة-رضي الله عنهما- حيث قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادقُ ، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق الرُّويبضة)، قيل: وما الرَّويبضة ؟ قال:(الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) . قال ابن الأثير- رحمه الله-: الرويبضة تصغير الرابضة ، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها ، والتافه : هو الخسيس الحقير . الرويبضة : من انحرف وراء فكر لا يجيز لغيره أن يناقشه فيه السفيه يتكلم في أمر العامة ، سفيه لا دين ولا عقل ولا حكمة عنده ، إن اطلاق هذا الوصف على من آمن بأن اختلاف وجهات النظر مأنوس في تراثنا مقبولٌ في مسالكنا مأجورٌ عند الله سبحانه خطأً كان أم صوابا ، يعتبر غيبة ونميمة تنم عن حقد دفين يخرج من الإنصاف ، ولا مساغ لجعله حجر عثرة في طريق الدعوة ، ولم يرض لنفسه أن يكون من الأدعياء على الدعاة والمتعالم على العلماء ، والمتذاك على الأذكياء ، فما الذي أؤتمنا عليه وخناه وما الذي وعدنا به وأخلفناه إنه طعن في المسلمين باسم الإسلام ، يسمون من يقوم بتبيان الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية بالرويبضة التافه ، ولكنها كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. ! نعقوا بها يتيهون ويهيمون ، وليتهم عرفوا مدلولها الشرعي فهي حجة عليهم ، ومصيبتهم أنهم لا يُحسنون إلا ترديد الببغاوات . إن هؤلاء الرويبضات ديدنهم الكذب، وشعارهم التدليس، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ، إذا رأوا عالماً أو طالب علم لا يوافق أهوائهم ولَغوا في عرضه ، فتارة يتغامزون، ويهمزون ويلمزون وهم غافلون عن قول الله لاهون :﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾ وقوله :﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُون ﴾ سورة المطففين 29 ، إنه زمن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ، زمن تصديق الكاذب وتكذيب الصادق وائتمان الخائن وتخوين الأمين ، وكأن الدين من قلوب الناس قد انعدم ، والإيمان قد زال منها وانثلم ولقد أحسن القائل :
وكم فصيحٍ أمات الجهلُ حُجَّتَهُ وكم صفيقٍ لهُ الأسـماعُ في رَغَدِ
دار الزمان على الإنسان وانقلبَتْ كلُّ الموازين واختلَّـتْ بمُســتندِ
أمَّا الذيـن كتـاب الله منهجهمْ فهُمْ منـابرُ إشــعاعٍ بلا مَـدَدِ
ما ضرَّهم أبداً إسفاف من سفهوا أو ضرَّهم أبداً عقلٌ بدون يــدِ
يقول ابن تيمية رحمه الله : إنما يفسد الدنيا ثلاثة أنصاف نصف فقيه, نصف طبيب, نصف نحوي . فنصف الفقيه يفسد الدين, ونصف الطبيب يفسد الأبدان, ونصف النحوي يفسد اللسان . ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ) رواه الطبراني في المعجم الكبير وصححه الألباني (2207) في صحيح الجامع . ولكن للأسف لم يسلم هذا المنبر من العديد من السلبيات ، حتى لاح لبعض العقلاء اليأس من صلاح أحوالها ، فعمد إلى أوراقه فمزقها ، وإلى أقلامه فكسرها ، ولسان حاله يقول ما قاله شعبة ـ رحمة الله ـ : “عقولنا قليلة ، فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلا منا ذهب ذلك القليل ، وإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلا منه فأمقته” .
ولا يظن أحد بأني أعني بكلامي هذا أناس بأعيانهم ، ولكني أتكلم في هذا المسألة بشكل عام كنصيحة عامة أُذكّر بها نفسي أولا ، وأعتذر مقدما من شدة لهجتي أثناء بذلها ، فقد قيل : إننا لا نكتب بالمداد ، ولكن بدم القلب ، فعذرا إن ظهرت آثار الجراح بين السطور . كالتشنجات العصبية ، والمنهجية الاستبدادية ، والسلاطة اللسانية ، والاضطرابات العلمية ، والسفسطائيات الفلسفية ، الإرهابيات الفكرية ، وغير ذلك من الآفات والأمراض النفسية .
قيام الدين على أمرين
إن الشريعة الإسلامية والشرائع التي سبقت تقوم على أمرين هما كما قال تعالى في سورة الشورى : ﴿ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ﴾ بدعم المسلمين لقواعده والقيام بتكاليفه وأن لا ينحرفوا عنه ويقفوا تحت رايته صفاً واحدا ، ثم نهى عن التفرق لأن الأعداء متربصون به وبه ضائقون ومنه نافرون وله كائدون ، كلمتان ما أيسر النطق بهما وما أصعب الحفاظ عليهما ، نحن جميعاً نؤمن بجملة العقائد المطلوبة منا ، ومع ذلك نهمل الكثير من المتفق عليه ونهتم بالقليل من المختلف فيه للتفاوت في الفهم او التعبير في قضية من قضايا الاختلاف ، مما يجعل الأمة أحزاباً متباغضة وأقساماً متنافرة وهذا يذكرني بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ضل قومٌ بعد هدي كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ) وهنا سؤال : هل المولعون بقضايا الاختلاف مخلصون للقضايا المتفق عليها ؟ ولماذا ننسى القواعد التي تجمعنا ونسلك الدروب التي تفرقنا ؟ إننا أمة هي خمس العالم من حيث التعداد ، تبحث عنها في حقول المعرفة وساحات الإنتاج فلا تجدها ، بماذا شغلت نفسها ؟ بقضايا جزئية محقورة ، وانقسامات ظاهرها الدين وباطنها الهوى ، إن أهل القرآن خانوه واتخذوه مهجورا ، في الوقت الذي انسوا فيه بباطل من القول وسخف من الجدل ، وغرقوا في غيبوبة من المباحث ما عرفها السلف الأول ، ولو عرفها ما أفلح أبدا ، ولا افتتح بلدا ولا أنشا حضارة .
ونحن نتنازع هل حديث التوسل صحيح أم ضعيف ؟ وهل كرامات الأولياء حق أم باطل ، في الوقت الذي كشف الغرب عن كنوز المعادن في بلادنا ، وقاموا بتصنيع النفط ونقله إلى بلادهم وأعطونا ثمنه ، فماذا صنعنا بهذا الثمن ؟ لقد ذهب اقله في خيرنا وأكثره في ضرنا ، وما الذي أوصلنا إلى هذا الحال ؟ فأصبحنا نأخذ ولا نعطي ، وأصبح البعد بيننا وبين كتاب ربنا بعد المشرقين ، وما سرّ المحنة التي نعيش ؟ إنه لن يصلح لنا مستقبل إلا إذا عرفنا أسباب تخلفنا ، عندما نسمع عن الأسلحة الحديثة نشعر بهول ما بلغه القوم من القوة ، صواريخ أرض أرض وأرض جو وجو أرض وجو جو ، وهذه طائرات قاذفة وتلك مقاتلة وهذه وهذه ، ما أروع ما أعد هؤلاء لنصرة معتقداتهم وقيمهم ؟ فهل أعد المسلمون شيئاً من هذا ؟ كلا اللهم إلا ما نشتريه منهم فيبيعون لنا ما يستغنون عنه ، فهل هناك فشل يعدل هذ الفشل وبماذا شُغلنا عن مثل هذا الإنتاج ؟ أتدرون بماذا ؟ بالجدل فيما لا داعي في الخوض فيه في أمور نعلم علم اليقين بأن وجهات النظر كلها مأجورة من الله ، وبالانصراف عن شئون الدنيا انصراف بلادة وغباء ، وليس تجرداً لتقوى ولا ترفعاً عن شهوة ، ينظرون إلى التقدم الحضاري بعيونٍ ناعسة ، وينظر العالم إليهم نظرة استهانة يتحرك كل ذي دين لنصرة دينه ، وبطالب المسلمون وحدهم بنسيان دينهم ، وعدم التجمع على شعائره أو شرائعه اللهم إلا في بعض الجوانب ، فقد يستغرق شرح الصلاة شهرا وقد يطول الحديث في الوضوء والغسل ، لماذا يغوص غيرنا في الماء ويسبح في الفضاء ونحن ننظر مشدوهين ، أليس غريباً أن تكلف امة ببناء إيمانها عل دراسة الكون ، ومع ذلك تحيا محجوبة عن الكون ونواميسه وأسراره ، أهذه هي استجابتها لقول الله ) ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ( الغرب سيّر الأقمار الصناعية وأرسل المركبات الفضائية ليتزود بالمعرفة ، ونحن نتودد له مشترين من أسواقه أو مستعيرين من أسلحته ما نحتاج إلي تعلمه منه قبل أن نحسن استخدامه ، إنها من عجائب الدنيا أمة لديها كتاب الله ولا تحسن صحبته ، ولا تتعرّف منه على حقوق الله وحقوق الناس ، يجود عليها هذا بآلة وذاك برغيف ، أو يمتن هذا عليها بدواء تعالج به عللها ، أو سلاح ترد العادين عليها ، أما إعدادها لدينها ودنياها فصفر . إن من واجبنا أن نعرف أن القضية ليست في انتصار مذهب على مذهب ، إنما هي في حماية الإسلام من عداوات لم يخمد الزمان نارها ، عداوات أهل الكتاب من جانب ، والملاحدة والوثنيين من جانب آخر ، وقد امتلكوا من وسائل الإعلام ومن حظوظ المعرفة المادية ما جرأهم علينا، وأعانهم على ذلك أخطاؤنا وما أكثرها وتهاوننا وما سواه .
من الرويبضة
